برخصة المشاع الإبداعي: حسام الحملاوي، فليكر
مسيرة لعمال غزل شبين الكوم أمام مقر مجلس الوزراء، القاهرة، 5 أبريل 2011

في حماية العمال.. في حضرة الصحافة

منشور الثلاثاء 5 أيار/مايو 2026

كان جدي لأمي عاملًا في شركة مصر شبين الكوم للغزل والنسيج. قضيت طفولتي وشبابي في شقته بمساكن العمال المبنية على الطراز السوفيتي، في شكلها وروحها، حيث يخرج الجميع إلى العمل في وقت واحد، ويعودون مع انطلاق صافرة نهاية الدوام بالشركة، التي تُسمع في أرجاء المدينة.

تقاعد جدي أواخر التسعينيات. وفي أوائل عام 2006 كان يجلس مع زميل يصغره بنحو عشر سنوات يسكن في شقة قريبة ويزوره بانتظام، ولا تخلو جلساتهما من ذكريات العمل، مع كثيرٍ من الأسى على حال الشركة التي تنتقل من سيئ لأسوأ، ثم قال إنه علم من خلال عمله في الإدارة أن الحكومة في طريقها لبيع الشركة لمستثمر هندي، لكن هناك تعليمات مشددة بعدم تداول أي معلومات بهذا الشأن.

الورطة

كان صديق جدي يعلم أنني أخطو خطواتي الأولى في الصحافة متدربًا في جريدة الدستور، قطع حديثه مع جدي ونظر إليَّ قائلًا "ما تخلي الأستاذ إبراهيم عيسى يتكلم عن المصيبة دي يا تامر.. ده راجل جريء ومبيخافش.. يمكن لما الحكومة تلاقي الدنيا هتهيج عليهم يخافوا ويوقفوا موضوع البيع ده".

في اليوم التالي كان الرجل –رحمه الله – يصطحبني إلى شقة موظف في الشؤون القانونية بالشركة يعرف كل التفاصيل، وعلى مدار أكثر من ساعة أخبرني بكل تفاصيل عملية البيع وموعد نقل الإدارة إلى المستثمر الهندي، والهنود الذين أصبحوا يُشاهَدون في الشركة بشكل شبه دائم لحصر المعدات والخامات ومراجعة بيانات العمال وتفاصيل عملية الإنتاج، وحتى المقابل الزهيد الذي سيدفعه المستثمر في هذه الصفقة الذي لا يقترب حتى من نصف قيمة الأراضي المملوكة للشركة بعيدًا عن المصنع ومشتملاته.

صحفي شاب اسمه حرفيًا بالقلم الرصاص يتعرض أول موضوع مهم يحمل اسمه للتكذيب

دونت كل التفاصيل وعكفت على كتابة تقرير صحفي سلمته للصحيفة بعد أيام، وكان أول موضوع كبير يحمل اسمي في جريدة الدستور وفي رحلتي مع الصحافة بشكل عام. لكن الفرحة لم تدم طويلًا؛ إذ أرسلت وزارة الاستثمار تكذيبًا شديد اللهجة نفت فيه بشكلٍ قاطع وجود أي نية لبيع شركة غزل شبين لمستثمر هندي أو لغيره.

اتصل بي الأستاذ إبراهيم منصور، رئيس التحرير التنفيذي للجريدة وقتها، وأخبرني أن الوزارة تنفي وجود نية لبيع الشركة وطلب مني أن أحضر ما يثبت كلامي قبل العدد المقبل الذي سيُنشر فيه التكذيب، وإلا سيكون بقائي في الجريدة صعبًا للغاية في ظل ما سببته لهم من إحراج.

صحفي شاب اسمه مدون حرفيًا بالقلم الرصاص تُكذِّب الحكومة أولَ موضوع مهم يحمل اسمه، وهي الحكومة نفسها التي لا ترد أصلًا على أشياء أهم وأخطر بكثير تُنشر في مختلف صحف المعارضة كل صباح، لكنها على حظي تحوّلت إلى حكومة رشيدة تحترم الصحافة وترد عليها، لتجعل رحلتي في الصحافة في طريقها للنهاية قبل أن تبدأ!

المغامرة

ذهبت إلى موقف عبود، ركبت ميكروباص شبين الكوم ومنه مباشرة إلى منزل الموظف الذي أعطاني هذه المعلومات، حكيت له ما حدث ونفي الحكومة ما جاء في التقرير، فكذّبهم بثقة. قلت له إن هذا لا يعني شيئًا ما دمنا لا نملك دليلًا على صحة ما نشرناه، وأخبرته بوضوح، إما أن أذهب قبل يوم الاثنين إلى الجريدة، موعد تقفيل العدد، ومعي الدليل، أو لن أذهب مرة أخرى.

سألني "ينفع عقد البيع المبدئي اللي موقعة عليه الحكومة والمستثمر الهندي؟"، قلت له مندهشًا "نعم؟!! هو معاك؟" قال لي "لا مش معايا، بس أنا شوفته وأعرف أوصل له وأصوره"، شعرت أن الدنيا بدأت تبتسم من جديد وأن القدر يمنحني فرصة أخرى، شكرته وطلبت منه أن يفعل ذلك ويُحضر العقد وله مني خالص الامتنان، قال لي "لا طبعًا، أنا أعرف أشوفه وممكن أخاطر وأصوره، لكن مستحيل أقدر أخرج بيه من الشركة لأنهم مشددين وبيفتشونا واحنا خارجين، والعقد ييجي 100 صفحة، فمستحيل يستخبى".

"طبعًا، هي يعني هتمشي سالكة وسهلة كدة؟"، سألته "طيب والحل؟"، فقال إن بإمكانه أن يسلم العقد لشخص ما داخل الشركة على أن يتكفل هذا الشخص بإيجاد طريقة ما للخروج به، مع تأكيده على أن جميع العمال والموظفين يُفتّشون قبل مغادرة الشركة "علشان يتأكدوا إن محدش منهم واخد حاجة من الإنتاج في هدومه أو في شنطته".

دخلت الشركة بطريقة خروج عادل إمام من مجمع التحرير في المشهد الأخير من فيلم الإرهاب والكباب

وقتها جاءتني فكرة مجنونة. سأرتدي زي العمال وأدخل بينهم وآخذ بنفسي العقد من الداخل ثم أخرج به، كيف سأخرج به؟ والله معنديش خطة خالص بس إن شاء الله ربنا هيسهلها.

نفذت الخطة وارتديت الزي ونسقت مع عدد من المعارف العاملين في الشركة، وما أكثرهم. أنا أعرف مئات العمال حرفيًا من أعمار مختلفة من الثلاثينيات وحتى أواخر الخمسينيات، أخبرتهم بما سأفعله. بعضهم شجعني وبعضهم حذرني لكن جميعهم ساعدوني.

دخلت الشركة بطريقة خروج عادل إمام من مجمع التحرير في المشهد الأخير من فيلم الإرهاب والكباب (1992) وانتهى الثلث الأول من الخطة، كما انتهى الثلث الثاني بعد أن أعطاني الموظف العقد وهو فعلًا كبير جدًا، باقي الثلث الأخير والأهم، كيف سأخرج بهذا الكنز الثمين؟

دخلت الحمّام حتى لا ألفت نظر المشرفين الذين إن رأوني سيدركون سريعًا أنني لست عاملًا بالشركة. بقيت داخله قرابة ثلاث ساعات أفكر ماذا أفعل وكيف سأخرج.

جاءتني فكرة! هناك قطعة أرض فضاء داخل الشركة بعدها سور عالٍ خلفه أراضٍ زراعية خارج حدود المصنع. خرجت ودفنت هذه التهمة داخل ملابسي قدر الإمكان، كنت وقتها أسمع ضربات قلبي وينتفض جسدي خوفًا.

النجاة

نسيت إخبارك يا عزيزي أن عمري وقتها كان 21 عامًا! الموقف أكبر كثيرًا من ذلك الطفل الشاب، لكن الله كان معي في كل خطوة ووصلت إلى السور ووجدت شنطة قديمة لففت فيها العقد وألقيت به إلى الجهة الأخرى وعدت سريعًا إلى الحمام.

باقي ساعتان على موعد انتهاء الوردية، خلالهما لاحقتني كل الأفكار السوداء، ماذا لو كانت الأرض التي ألقيت بها العقد مروية بالماء؟ ماذا لو رآه أحد وأخذه؟ ماذا لو وماذا لو؟ ستذهب كل هذه المعاناة هباءً.

مرت الدقائق ثقيلة حتى سمعت السارينة التي اعتدت سماعها منذ الطفولة، لكن لأول مرة أسمعها من داخل الشركة نفسها وليس من شرفة بيت جدي في الطابق الرابع بمدخل 8 مساكن العمال الجديدة، العنوان الذي ظل مطبوعًا على بطاقة الرقم القومي منذ أصدرتها لأول مرة في سن السادسة عشرة، إلى أن غيرتها قبل أقل من 7 سنوات رغم وفاة جدي ومغادرتنا الشقة، وتجنبي المرور بجوارها كلما زرت شبين الكوم حتى لا يفتك بي الحنين وتنهشني الذكريات.

خرجت من المصنع بنفس طريقة الدخول، لم أذهب مباشرة إلى حيث ألقيت الأوراق للتمويه، بل بعدها بنصف ساعة بعد دخول عمال الوردية الجديدة وعودة الهدوء إلى الأجواء. وجدت العقد كما هو دون أن يمسسه سوء، وفي اليوم التالي كان في الجريدة، بين نظرات الدهشة وعدم تصديق أنني أتيت بنسخة من العقد فعلًا.

في الصفحة الأولى نُشر موضوعان، الأول "وزارة الاستثمار تنفي بيع غزل شبين الكوم للمستثمر الهندي"، وتحته "والدستور تنشر صورة من عقد بيع الشركة"، وكانت خبطة صحفية أصابت الوزارة والحكومة بالصدمة، وفي يوم صدور العدد أخذني إبراهيم منصور من يدي ودخل بي إلى مكتب الأستاذ إبراهيم عيسى، قال له "أستاذ إبراهيم. ده تامر أبو عرب اللي عمل موضوع بيع غزل شبين"، قام إبراهيم عيسى وسلَّم عليَّ وسألني "منين من المنوفية؟"، ثم أخرج 50 جنيهًا من جيبه وقّع عليها ومنحها لي.

أنشر هذه الصفحة من ذكرياتي تزامنًا مع عيد العمال واليوم العالمي لحرية الصحافة اللذين يفصل بينهما يوم واحد، لأقول إنه في زمن ليس ببعيد، وليس بمثالي أيضًا، كان لدينا عمال، وكانت لدينا صحافة!

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.