في اليوم العالمي لحرية الصحافة.. حكاياتنا تستحق أن تُروى
بقلم صحفيي المنصة
ةفاحصلا ةيرحل يملاعلا مويلا
أحمد نبيل
ليس في العنوان خطأٌ مطبعيٌّ، بل هو واقع مهنة أصبحت تمشي على رأسها؛ ففي كل مرة أتخيل جملة "اليوم العالمي لحرية الصحافة" لا أراها إلا معكوسة.
مهنة وُجدت في الأساس لتكشف الحقيقة وتفضح الفساد، وتكون صوتًا لمن لا صوت لهم، فإذا بها باتت مسجونةً، تبحث عمن يحررها.
كنت أتمنى في هذا اليوم أن أُطالع المواقع الإخبارية المصرية، على اختلاف توجهاتها، وأسمع صوت الناس، أقرأ عن الممارسات الاحتكارية لجهاز ██████، وعن المبالغات في أسعار ██████، وعن ديون الحكومة اللانهائية لـ██████ و██████ و██████ و██████، وعن شباب تضامنوا مع فلسطين ببانر في الإسكندرية ولا يزالون من يومها خلف القضبان، لكن الحقيقة باتت محظورة.
تمنيت كذلك أن نحتفل اليوم وبيننا زميلنا رسام الكاريكاتير أشرف عمر، لكنه خلف القضبان ينتظر محاكمةً يواجه فيها اتهامات بـ"تمويل جماعة إرهابية" و"مشاركة جماعة إرهابية في تحقيق أغراضها". مجرد أُمنية.
لذا، لا تعتبوا عليَّ إن كنت لا أستطيع الاحتفال.
كلٌ يرى الحرية من زاويته
عوض بسيط
ماذا يمكن أن يكون أفضل من الصحافة؟ الخُبز! أحب الخُبز أكثر، ولعل المخبوزات في بلد كمصر تترك أثرًا أكبر من صحافة مُكبَّلة.
لكن مهلًا. متى كانت الصحافة حرة؟ أمارس المهنة منذ أكثر من عقدين، ولم ألمس الحرية، فقط قيدٌ أخف من قيد، وعددُ زملاء محبوسين أقل من عدد، فترات كانت تُحصى فيها الأنفاس أقل من سابقتها أو لاحقتها، لكن حرية؟ لا. حتى هذه الكلمات لا أكتبها من تلقاء نفسي لأنني أردت ذلك، بل لأنه طُلبَ مني.
ذلك الخُبز، كفافُنا، يمكنه أنْ يكون متعة الحرية والإنجاز اليوم، ولهذا أحبه أكثر
أما الخَبز فهو الحرية، فعلٌ إرادي بحت، يثمر سريعًا وتذوق فيه نجاحك، دون قيد. ذلك العجين الذي تعركه الأيدي وكأنك تُدخله تجربة قاسية من تجارب الحياة، سرعان ما يتحول إلى طعام شهي يداعب الحواس؛ الرائحة، اللون الذهبي، صوت القرمشة، الملمس، ثم الطعم وهو الجائزة الكبرى.
طالبنا بالعيش على رأس مطالب الثورة، مطلبًا يحمل في طياته عقدًا اجتماعيًا وعدالةً ومستوى لائقًا من المعيشة، لكن الواقع أن لا شيء سوى الخُبز الحرفي يمكننا الحصول عليه، فلماذا لا نستمتع به؟
ذلك الخُبز، كفافنا، يمكنه أنْ يكون متعة الحرية والإنجاز اليوم، ولهذا أحبه أكثر.
الصوت خارج المعركة وداخلها
أحمد إسماعيل
"لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، الشعار الذي ترفعه الأنظمة المستبدة في وجه الشعوب هربًا من أسئلة مشروعة.
الحق أن أصواتًا أخرى يمكن أن تُرفع وتستحق الإصغاء وإن كان هذا الحق مشروعًا خارج المعركة فإنه يصبح أولوية قصوى أثناء المعركة، لأنه لا نصر يُمنح لجيوش مفككة يشعر أفرادها بالظلم ويحتقرهم القادة.
ولكي تصل هذه الأصوات الأخرى، غير صوت المعركة، إلى من بيده السلطة، فإن هذه المهمة لن تُنجز من دون صحافة حرة مستقلة آمنة تضمن لمنتسبيها العيش الكريم والعمل دون خوف من بطش نافذ أو تنكيل فاسد.
الصحافة الحرة وحدها الضمانة لوجود مجتمع قوي متماسك يشعر أفراده بالمساواة
صحافة تقف على مسافة واحدة من المسؤول والمواطن، لا تُجَمِّل صورة الأول رغبة في نعمة أو خوفًا من عقاب، ولا تدافع عن الثاني دفاعًا أعمى طمعًا في حصاد رخيص لشعبية زائفة، ترى في الصحفي المشاكس سليط اللسان صورة مثالية للصحفي كما يجب أن يكون.
الصحافة الحرة المستقلة التي تقدح من رأسها، لا من توجيهات عليا، الصحافة الأمينة في نقل المعلومة، الصحافة التي تعلم مستهلكها فحص وفرز المعلومات قبل تناولها؛ وحدها الضمانة لوجود مجتمع قوي متماسك يشعر أفراده بالمساواة ويتحقق فيه العدل بمحاسبة كل فاسد أو خائن للأمانة أيا كان موقعه في هرم السلطة.
وحدها الصحافة التي ترى في نفسها صاحبة رسالة فضح الفساد ورفع وعي الرأي العام لا تضليله، الضمانة الحقيقية للفوز في أوقات المعارك وخارجها.
ألغام القلق
هدى فايق
تتراجع سطوة الشعارات خلال العمل اليومي لكنها تظل محيطة بالأجواء العامة، تسهم في تشكيل بيئة العمل؛ إذ يبقى ظلها حاضرًا دون وعي في اللحظات التي يتطلب فيها إنجاز قصةٍ ما النزولَ إلى الشارع للتصوير أو لسؤال الناس. وفي المرات التي كان من الضروري فيها الحصول على رد من المسؤولين الذين انقطعت صلتهم بالصحافة بالأمر المباشر، وفي الحالات التي كَسرت فيها مقالاتُ كتاب الرأي الخطوطَ الحمراء، أو لم تعترف بها من الأساس.
يشبه العمل في الصحافة السير في حقل ألغام لا تدري متى ستنفجر في وجهك أو أي شظية من شظاياها ستصيبك. قد لا يتطلب الأمر سوى رسمة كاريكاتير تصور خط المونوريل الجديد بسؤال مبطن عن جدواه.
تتحسس خطواتك، عبر تدقيق المعلومات، ومراجعة المصادر وتفنيد المعلومات من أجل الوصول إلى قصة متماسكة تلعب دورها في كشف الحقيقة من جهة، وفي إشعال شمعة لقارئ يحيا في عتمة غياب المعلومات.
تبدو من بعيد لعبة خطرة؛ سألني ذات لقاء طالب في جامعة أمريكية حرص على زيارتنا أثناء وجوده في القاهرة: كيف يمكنك العمل في أجواء ملبدة بالغيوم؟ أجبته أننا لا نعمل تحت الأرض ولا بسرية، ولكنها لعبة تحتاج لحرص دائم يصل حد التوتر المَرضي.. وأعتقد أن الحرص تحتاجه الصحافة في أي بيئة عمل؛ الفارق أنه هنا ضرورة، فيما يمكن اعتباره في مكان آخر مجرد رفاهية.
استهداف متعمد
كاميلا أوليفيري
مجرد وجود يوم عالمي لحرية الصحافة كفيلٌ بإثبات أن استهداف الصحفيين ليس أمرًا جديدًا؛ المخاطر لم تكن يومًا نابعة مما يُكتب، بل من ردود فعل أصحاب السلطة تجاهه. ومع ذلك، شهدت السنوات الأخيرة تحولًا جذريًا؛ إذ تُظهر بيانات "لجنة حماية الصحفيين"/CPJ تصاعدًا مرعبًا في مؤشرات العنف.
سجلت اللجنة في عام 2022 مقتل 67 صحفيًّا. استمر هذا النزيف ليصل في 2023 إلى أكثر من 100 قتيل، ثم قفز في 2024 إلى 124، حتى بلغ عام 2025 ذروته بـ129 قتيلًا. تنسب اللجنة ثلثي هذه الوفيات في عامي 2024 و2025 إلى قوات الاحتلال الإسرائيلي.
باتت الصحافة إحدى أخطر المهن في العالم، وهذا الاستهداف ليس محض صدفة بل نهج متعمد.
في يوم حرية الصحافة، لا نتضامن فقط مع من يواجه الاعتقال، بل نقف مع كل من يضع حياته على المحك إيمانًا بقضيته؛ فبفضل هؤلاء، لا يزال هناك شباب يحلمون بالعمل في الصحافة، رغم ما تواجهه من أزمات وجودية أمام الذكاء الاصطناعي وموجات التضليل.
عرقلة الصحافة جرم
طارق صقر
في هذا اليوم أتأمل كيف أن مجرد نقل الخبر إلى الناس يساعد في تيسير حياتهم، وإنقاذها أحيانًا، وعلى مستوى أعمق قد تنقذ الصحافة حياة إنسان أو مجموعة كاملة من البشر.
في الحروب مثلًا، تقرير صحفي قد يساعد في ردع جرائم تُرتكب ضد الإنسانية، قصصٌ صحفية قد تساعد في وقف إبادة جماعية لشعب أعزل. في اليوم العالمي للصحافة، وفي ظل الموجة الحالية من استهداف الصحفيين في غزة ولبنان ومناطق أخرى، أؤمن بأن عرقلة الصحافة جرمٌ يجعل حياة الناس أصعب في أبسط نتائجه، وفي أقصاها يعرضهم للموت.
الرقابة الذاتية
أميرة الفقي
قيود النشر العائق الأكثر استنزافًا الذي واجهته. أتذكر جيدًا في 2015 بينما كنا نستمع إلى صرخات الاستغاثة لضباط وجنود تحت الحصار في شمال سيناء عبر الهاتف، كان يتم الإعداد لقيود جديدة، فصدر قانون مكافحة الإرهاب الذي جرم النشر عن العمليات العسكرية.
ورغم رغبتي الصادقة في الكتابة عن مصر في منصة مصرية ولجمهور مصري، فإن القبضة الأمنية جعلت الأمر مستحيلًا، بل وطاردتني هذه التضييقات حتى أثناء عملي مع وسائل إعلام دولية. يزعجني كثيرًا أنني بعد غياب ثلاث سنوات، عدتُ إلى القاهرة لأجد قرارات "حظر النشر" في استقبالي مع أول وظيفة صحفية.
اليوم ومهما بلغت مصداقيتي المهنية، لا أزال عاجزة عن القيام بأبسط مهام المهنة دون حسابات معقدة؛ لكنني على الأقل نجحت في التحرر من "الرقابة الذاتية" التي مارستها سابقًا على نفسي وعلى زملائي الذين كنت مسؤولة عنهم. فليس من مصلحة أحد أن نتحول جميعًا إلى تروس في هذا النظام، ولكن أين نجد الأمل بينما يقبع الكثير من الصحفيين خلف القضبان بتهم إرهاب؟
الصحافة كفعل مقاوم
أحمد دهبي
بدأت علاقتي بالصحافة مبكرًا، مع مجلة روز اليوسف التي كانت تصل بيتنا كل جمعة. في البداية جذبني إخراجها، ثم مع اقترابي من السياسة، شدّني محتواها الجريء. لاحقًا، وجدت نفسي أمام جريدة الدستور، مثل كثيرين من جيلي الذي تشكّلت مراهقته في السنوات السابقة لثورة 25 يناير، مأخوذًا بشجاعتها وقدرتها على كسر الخطوط الحمراء. حينها بدا لي أن الصحافة ليست مجرد مهنة، بل ممارسة أحبها ويمكن من خلالها أن أكون فردًا فاعلًا في العالم.
ربما يأتي يوم يصح فيه الصحيح وتستعيد الصحافة حريتها كاملة
لكن منذ 2014، تغيّر المشهد. ضاقت مساحات الحرية، وتوالت أخبار القبض على الصحفيين، وطالت سنوات غيابهم في السجون، واتسعت خرائط نفيهم. تدريجيًا، انتقلت الصحافة من فعل يُمارس بدافع الحب، إلى ممارسة مثقلة بالخوف. صار كل من يحاول تأدية عمله مهددًا بأن يختفي فجأة، بلا أثر.
اليوم، لم تعد الصحافة مهنة نختارها لأننا نحبها، بل لأنها ضرورة. ممارستها اليوم شكل من أشكال المقاومة، وصمود يومي في وجه واقع يضيّق الخناق على الكلمة. وككل أفعال المقاومة على مدار التاريخ، لا يقاس الانتصار بعدد المعارك التي نكسبها، بل بقدرتنا على الاستمرار، رغم الخسارات المتتالية.
ربما يأتي يوم يصح فيه الصحيح وتستعيد الصحافة حريتها كاملة. لكن إلى أن يأتي هذا اليوم، يبقى الدفاع عنها واجبًا، حتى لا ينقطع تاريخ الصحافة المصرية العريق والممتد لأكثر من مائة عام.
الشك طريق النجاة
دينا سمك
تستيقظ أمي في الصباح وتقرأ الأخبار على فيسبوك ثم ترسل لي تسألني عما إذا كانت المعاشات قد زادت فعلًا؟ هل مات نتنياهو حقًا؟ بيقولوا مفيش سكر في البلد؟ الجيش المصري على حدود غزة بجد؟! "مين اللى بيقولوا؟ ماما، أرجوكي اقري المنصة أو أي حاجة تانية، أمال أحنا بنكتب لمين؟!".
شاهدت مسلسل تشيرنوبل عام 2019 ومنذ ذلك الوقت يرن في أذني كل يوم التساؤل الذي افتتح به العالم السوفيتي، فاليري ليجاسوف، الأحداث: "ما ثمن الأكاذيب؟ ليست المشكلة أننا سنخلط بينها وبين الحقيقة. الخطر الحقيقي يكمن في أننا إذا سمعنا ما يكفي من الكذب، لن نستطيع التعرف على الحقيقة حين نراها. وماذا سيتبقى لنا إذن سوى أن نتخلى حتى عن الأمل في معرفة الحقيقة، ونكتفي بدلاً من ذلك بالحكايات".
عندما بدأت العمل في الصحافة كنت دائمًا ما أردد أن خير البشر الحكَّائون.. الصحافة هي تلك الحكايات التى تصنع الأحداث.. حكايات الناس.. حكايات السلطة.. حكايات المقاومة.. الحقيقة هي الحكاية التي نبحث عندها ليتغير العالم ولكن وسط كم الأكاذيب المغلفة في الحكايات التى تطاردنا كل يوم كيف يمكن أن نميز الحقيقة؟ كيف لأمي أن تصدق ما تسمعه أو تراه؟
لا نشكو قصر اليد ولا ضعف الإمكانات ولا كثرة الضغوط
لم تعد الصحافة عملًا سهلًا فبعد أن اعتدنا على مطاردات السلطة وحصارها للمعلومات وتقويض المعرفة، صار علينا أن نبحر وسط أمواج الأكاذيب نحاول النجاة بأنفسنا علنًا نصل إلى بر الأمان، نتهم بالكذب.. بالتهوين والتهويل، بالتغاضي والتواطؤ.. بالخيانة تارة والمهادنة تارة، بينما يصدق القارئ أكاذيب صممت له خصيصًا لكي يفقد بوصلته فيبقى واقفًا حيث يراد له أن يكون.. يحتفي بالأبطال القتلة ويلوم الضحية ونفسه والعجز.. ويلومنا.
في غرفة الأخبار نشك في المعلومة ألف مرة.. ندقق.. نراجع.. نحاول الفهم.. نتحدى السائد.. نتمسك بجمرة المهنة المشتعلة.. ثم نحتفل. لا نشكو قصر اليد ولا ضعف الإمكانات ولا كثرة الضغوط.. نحلم فقط أن يقرأنا أحدهم فيصدقنا.. يميز الحقيقة وسط أطنان الأكاذيب.. نحلم أن يشك القارئ مثلما نشك.. فلا سبيل للنجاة سوى الشك.
الخذلان
يوسف عقيل
كنت أصدق أن الصحافة هى "مهنة البحث عن المتاعب" كما كانوا يقولون، لكن لما عملت بها وجدتها مهنة "البحث عن جزرة في حقل ألغام".
منذ عام 2013، قرر النظام أن يوفر علينا وجع الدماغ وتعدد الآراء، فتعامل مع الصحافة بمنطق التاجر الذي "شطب" على دكاكين الشارع كلها ليحتكر البيع لصوت واحد عن طريق أذرعه الإعلامية، والنتيجة؟ شيعنا 51 موقعًا صحفيًّا إلى مثواهم الأخير، وانحدرنا بخطى واثقة للمركز 170 في مؤشر حرية الصحافة، في إنجاز يستحق أن نضرب له تعظيم سلام.
الموجع خذلان من وثقنا به وكنا نظن أنه قادر على التغيير؛ الأستاذ خالد البلشي
ومن واقع الصحافة لواقع الصحفي حين تنظر إلى العبد لله، شاب درس الصحافة في كلية الإعلام، وكافح في هذا الوسط الملغوم حتى اقتنص "جائزة محمد حسنين هيكل". لكنه بموجب قانون نقابي سن تحت لواء الجمهورية العربية المتحدة، اعتُبر رسميًّا وقانونيًّا "منتحل صفة صحفي"!
والموجع خذلان من وثقنا به وكنا نظن أنه سيأتي بالتغيير. الأستاذ خالد البلشي، النقيب الذي بحت أصواتنا في دعمه وصدّقنا شعار حملته "ما زال في الحلم بقية"، مر عليه أكثر من 3 سنوات ولم يفعل شيئًّا يُذكر لفك الحصار عن آلاف الشباب المتروكين في العراء. لم يضغط على المؤسسات، ولم يحارب من أجل تعديل القانون. أفهم الضغوط بشكل عام وأعذره، ربما يكون أيضًا يبحث عن جزرة في حقل ألغام.
تلويحة إلى الزميل
عبد الرحمن مقلد
يأسرني نداءُ "يا زميل" المتداول في دولاب العمل الصحفي. يعجبني هذا التجريدُ. أنت "زميل" فقط. مهما علا منصبك أو ارتفعتْ مكانتُك، أو ارتقيتَ في المناصب. أنت مجرد زميل لا تختلف في وضع النداء عن أصغر صحفي في المؤسسة. لك وله الحقوق ذاتها والتقدير والاحترام المتبادل التي تفرضها الزمالة. هذا ما تعلمناه ودخلنا الصحافة وهو الأساس في أي من المؤسسات الصحفية أو في أغلبها على سبيل الدقة.
في إحدى جلسات توزيع المناصب بمؤسسة صحفية خاصة، كان الكاتب الصحفي الراحل محمد منير حاضرًا، وبعد توزيع الأقسام والمهام على الحاضرين، وجد نفسه بدون دور أو منصب، فارتضى لنفسه متهكمًا منصب "الزميل محمد منير"، يُقدّم به للضيوف ويُعرّف بين مديري التحرير فقط؛ بـ"الزميل محمد منير".
"الزميل" متمرد دائم عشوائي بعض الشيء يملك قدرة على التعاطي مع الناس والاندماج معهم
من سنوات ربما تتجاوز الـ15 عامًا كنا معًا في صالة الديسك المركزي، بآخر مراحل هيبتها، كنت الزميل الأصغر في العمر، ومنير الزميل الأكبر، وكنت أنتظر نداءه "هنفطر ايه النهارده؟ هو احنا جايين نشتغل ولا إيه احنا جايين نفطر"، ولا ينتظر إجابة. يخرج هاتفه ويتصل بصاحب عربية الفول القريبة من مقر العمل، ليصعد لنا بمائدة من الأرض. نأكل وننتظر حتى يحين موعد الغداء، فيختار منير مغامرة اليوم؛ مطعم في وسط البلد، واحد بيعمل كشري حلو في حي شعبي؛ مكان بيقدم طاجن بامية بالليّة.
هذا أسلوب "الزمالة" المنيرية. لا يجب أن يكون العمل الصحفي متجهمًا أو مغلقًا أو متعاليًا، يجب كسر حدته وعنفه بالضحك والأكل والسخرية. ولا يجب على الصحفي كذلك أن ينظر لنفسه أو لمرؤوسيه نظرة متعالية أو متدانية إنما نظرة مساوية مع الرئيس والمرؤوس.
هذه صحافة. يعني حرية. يعني كرامة. يعني جسارة. وفق دروس محمد منير في "الزمالة الصحفية"، لا يجب على الصحفي "الزميل" أن يكون منضبطًا تمامًا، أو يسير على السطور المرسومة بدقة، أو يحضر في موعده بالتمام ويغادر على عقرب الساعة. الصحفي ليس موظف بنك أو أمين شرطة. لا رئيس له ولا سلطة عليه. لديه القدرة على الرد على مديره بلا خوف ولا انكسار عين. "الزميل" متمرد دائم، عشوائي بعض الشيء، يملك قدرة على التعاطي مع الناس والاندماج معهم. يحب الحياة والأكل وكثير من السرمحة والسهر، وانفجار الضحكات والسخرية من كل شيء وأي أحد.
لا أدري لماذا تذكرت الزميل منير، وأحببت أن أرسل له هذه التلويحة في اليوم العالمي لحرية الصحافة. ربما ألتمس بعض الرفقة من زمن مرَّ لزمن لم يعد في صحافتنا الموقرة كثير من الزملاء ولا صالات الديسك المركزي… إنما هناك موظفون منضبطون، لا يأكلون على المكاتب، ويحلقون ذقونهم ويرتدون البدل الكاملة ويعملون لدى مصادرهم ومعلنيهم.
الاختيار
مصطفى بسيوني
في غزة تجاوز عدد شهداء الصحافة الذين اغتالهم العدو الصهيوني 260 صحفيًّا. استغرقت حرب الإبادة عامين، أصبح العدد خلالهم بهذه الضخامة. ألم ينتبه الصحفيون خلال العامين أن العدو يستهدفهم، لما استمروا في البقاء ضمن دوائر الخطر، كيف استمروا في مرمى النيران؟ رغم أن إحدى أهم قواعد التغطية الميدانية هو البقاء آمنًا.
الأكيد أن هؤلاء كانوا مؤمنين بأن لديهم حكاية لا بد أن تروى، وأن نجاتهم ربما تعني أن روايتهم لن تنجوا.
الرواية التي يحملها هذا الرقم أنه جرت حرب إبادة استدعت ملاحقة كل قلم وكل عدسة وكل ميكروفون قد يسرب أنباءها. واختار الصحفيون حماية حكايتهم، بدلًا من حماية أرواحهم.
الصحفيون الذين تقودهم أقلامهم للسجن اختاروا بدورهم حكايتهم، فتفادي السجن سهل بتخلي الصحفي عن حكايته، كما يسهل على المواقع الصحفية تفادي الحجب بنفس الطريقة.
في اليوم العالمي لحرية الصحافة ليس لدينا الكثير لنحتفل به، ولكن لدينا الكثير لنتذكره، زملاء في القبور وآخرون في السجون ومواقع محجوبة وأوضاع مزرية للمهنة وللصحفيين.
الأهم أننا في كل يوم نؤمن أكثر من سابقه بأن لدينا حكاية تستحق أن تروى. أن الحكاية التي استحقت أن يستشهد ويسجن صحفيون من أجلها، والتي أخافت جيوشًا وحكومات وحاولت دفنها، تستحق أن تُروى.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.



