
الحكاية الناقصة لجيل السبعينيات.. من سجن القلعة لفلسطين
تُوفي الأسبوع الماضي المناضل اليساري من جيل السبعينيات عمر مرسي. سبقه بأيام عدلي محمد، مناضل آخر من الجيل نفسه. انصبت أغلب كلمات وداعهما في مجرى تحيتهما كمناضلَين امتازا بالبساطة، وصديقين وزميلين مخلصَين لمن عرفوهما. وكانت أبرز الصفات التي نُعتا بها طيبة القلب وحلاوة الروح.
عرفتهما قليلًا خلال نصف التسعينيات الأول، في زمن لم يكن الناس يلتقون فيه صدفةً، بل لانتمائهم للتيار السياسي نفسه. ورغم أن جيلًا يفصل بيننا، وهو جيل الثمانينيات، فإن زهدهما تجاه رغبة/فانتازيا "الزعامة" كشف طيب القلب فعلًا.
لكنَّ الاكتفاء بوصف أمثال عمر مرسي وعدلي محمد بالطيبة والنقاء وغيرهما من الصفات الشخصية، دون رواية حكاية هذا الجيل، وعلاقته بالأجيال السابقة واللاحقة عليه، يثير شعورًا غامضًا بالحيرة، يجعل الكثيرين من المتلقين لكلمات النعي، والحكايات العابرة التي تتردد في مثل هذه المناسبات، ممن لا يعرفون المناضل اليساري المتوفى مباشرة، يشعرون بأن هناك لغزًا يحيط بمسألة كيف عرف هؤلاء الناس بعضهم البعض، وأين كانوا يلتقون، وكيف تشكلوا وتأسست علاقاتهم.
عمال ومثقفون قبل الانحسار
الحيرة، التي أتوقع أنها تصيب الكثيرين في هذه المناسبات، هي ما شَغَلني في الأيام التي فصلت بين وفاتيهما، لأعود إلى فيديو اللقاء الذي بثّته المنصة في 27 فبراير/شباط الماضي، لأربعة من الجيل نفسه التقوا سويًا في سجن أبو زعبل عام 1989، على خلفية اعتصام الحديد والصلب، واقتحامه، واعتقال المئات من عماله.
كان الأربعة الذين استضافتهم المنصة ليسترجعوا ذكرياتهم معًا، ويخبرونا عن هذه اللحظة، هم المهندس محمود بكير والعامل كمال عباس من المصنع، وبرفقتهما الصحفي مدحت الزاهد والمهندس رياض رفعت، باعتبارهما من لجنة التضامن مع العمال، التي قُبض على قطاع من الفاعلين فيها بعد اقتحام المصنع.
ما يلفت الانتباه في هذا اللقاء هو تحديدًا ما غاب عنه، ما لم يُروَ. فلم يتحدث أيٌّ من الأربعة عما جمَع جيلهم مع هؤلاء العمال، وتشكيل لجنة التضامن، والكثير من الخلفيات التنظيمية النضالية التي أدت لتشكيلها، وأحاطت بالحملة، ونتج عنها عملية التعذيب الممنهجة بسجن أبو زعبل، والشراسة البالغة من قبل الدولة في التعامل معهم.
كجيلٍ تالٍ لهذا الجيل، نبدأ حياتنا الجامعية أثناء هذه الأحداث وبعدها مباشرة، وبينما نبدأ الارتباط بتنظيمات شيوعية سرية كانت عناصر جيل السبعينيات من مؤسسيها وقياداتها، انتقل إلينا أن حملة الاعتقال هذه كانت لها خلفيات إضافية، أكثر اتساعًا سياسيًا وجغرافيًا من اعتصام الحديد والصلب. فقبلها بشهور قليلة، وربما أسابيع، لا أعرف بدقة، حدث المؤتمر التوحيدي لتنظيمين شيوعيين سريين شُكِّلا مطلع السبعينيات، وهما تنظيما العمال الشيوعي و8 يناير، ليتوحدا في صيغة "حزب العمال الموحد". وكان من ضمن المقبوض عليهم عناصر قيادية وأساسية في التنظيمين، عناصر لعبت كذلك أدوارًا أساسيةً في عملية الوحدة تلك.
قبل هذه الوحدة بفترة ليست طويلة، تأسس عام 1987 حزب الشعب الاشتراكي وأُعلن عن تأسيسه بعدها بعامين في بيان صدر من خارج مصر، الذي كان في الأساس مجموعةً من المناضلين المنشقين عن الحزب الشيوعي المصري، في مواجهة جناحه اليميني بقيادة رفعت السعيد. وكان من أبرز قيادات المجموعة المنشقة نبيل الهلالي ويوسف درويش والقائد العمالي التاريخي طه سعد عثمان داخل مصر، وميشيل كامل من الخارج.
ربما كانت عملية الاعتقال، المصاحبة لاعتصام مصنع الحديد والصلب، هي آخر ضوضاء حقيقية وكبيرة تثيرها الحركة الشيوعية المصرية قبل الدخول في مرحلة انحسارها الطويلة، التي ستمتد لأكثر من عقد ونصف العقد، قبل أن تكتسب بعض الانتعاش الجديد، والمحدود، بدايةً من تأسيس حركة كفاية في 2004، ثم اشتعال ثورة يناير 2011. وعلى حسب علمي لم تتوقف عملية "أبو زعبل 89" الأمنية عند هدف عقاب عمال معتصمين ومثقفين متضامنين معهم، بل امتد الهدف لمحاولة إجهاض، أو على الأقل إضعاف، هذه التنظيمات الشيوعية مبكرًا.
بينما أشاهد المتحدثين الأربعة في فيديو المنصة، تساءلت عما سيفهمه المتلقون الذين لا يعرفون هؤلاء، أو غيرهم، ممن شاركوا بنشاط في الحركة اليسارية الجذرية المصرية، وقتها وقبلها. الإجابة الأدق في تقديري عن هذا السؤال أن المتلقين سيستقبلون بعض المعلومات المتعلقة بالاعتصام، ودرجة التضامن الواسعة معه، والكثير من "الحواديت" والمفارقات الشخصية، لتظل هناك رواية أساسية منقوصة وغير محكية.
كثير من هذه القصص المروية في هذا اللقاء، وغيره، تحمل ملامح بطولية، ونوادر طريفة لا تخلو منها هذه المعارك والاعتقالات الواسعة. لكن مشاهدي هذا الفيديو، كنموذج، لن يدركوا ما هو أبعد من ذلك. على سبيل المثال، أن حملة التضامن مع الحديد والصلب تشكَّلت أساسًا من شيوعيين، لا من مجرد أشخاص يمتازون بالطيبة والشجاعة، قرروا المغامرة بالتضامن مع عمال معتصمين في أكبر مصانع مصر.
إنهم طيبون وصادقون فعلًا، لكن الاكتفاء بهذا الجانب يُضبب جزءًا من تاريخ المصريين، متعلقًا بالحركة النضالية الصدامية مع السلطات المتعاقبة، التي كانت منظمةً سريًا في الكثير من المواقع، وبالذات بين الطلاب والمثقفين والعمال وبعض القطاعات الفلاحية. ويُغيَّب النسق السياسي والتنظيمي النضالي الحاضن لها.
لم يرتكب المُحاور الزميل محمد الخولي خطأً خلال حواره مع الأربعة. فالمسألة لا تتعلق بالأخطاء الصحفية المهنية، بل في غياب الرواية الكاملة. ربما يكون الخطأ الوحيد الملحوظ في هذا اللقاء هو وضع صورة المرحوم حافظ أبو سعدة عند الحديث عن المنظمة المصرية لحقوق الانسان، ووقتها، عام 1989، لم يكن يلعب أي دور قيادي فيها، إذ كان مُعيَّنًا فيها محاميًا مبتدئًا. قبل أعوام من تولِّي أمانتها العامة.
الورد اللي فتح في سجن القلعة
غنى الشيخ إمام العديد من الأغاني الممجدة لهذا الجيل تحديدًا، من كلمات أحمد فؤاد نجم وزين العابدين فؤاد وغيرهما. غنى لجيل "الورد اللي فتح في جناين مصر"، الذي التقى أفراده مع آخرين من أجيال سابقة في سجن القلعة مطلع حكم السادات، قبل أن يلتقوا بعد عقدين من الزمن في سجن أبو زعبل المباركي. واللقاءان، وما بينهما من لقاءات الكثيرة، لم تكن صدفة.
يكمن هنا نُقصان الحكاية، التي يطغى شعور بأن جيل السبعينيات من اليسار المصري يمتنع عن حكيها كاملة. قصة نضاله داخل، وحول، المنظمات الشيوعية التي تشكَّلت مطلع السبعينيات، واستمرت في عملها وصولًا لأواخر التسعينيات. إنها الحكاية الناقصة في زمننا الحالي، المطلوب فيه لفت انتباه أوسع قطاعات مجتمعية ممكنة، لجزء من تاريخه، تاريخ العمل المنظم لتغيير الواقع والسياسات، قبل الإعلاء من قيمة الشجاعة والسمات الفردية.
حقنا أن نطمح لرواية جيل السبعينيات حكايته كيلا يكون وداع المناضلين السياسيين الراحلين وداعًا لأشخاص طيبين وفقط
من ضمن الأمثلة المجسدة لهذه الحكاية الناقصة ما سنجده في هذا اللقاء، حين يرد اسمان لمحاميين راحلين؛ نبيل الهلالي وأمير سالم، باعتبارهما محاميين من لجنة التضامن. ربما يحتاج المتلقون في هذه الحالة أن يعرفوا أنهما لم يكونا مجرد محاميين متضامنَين مع عمال، معتصمين في البداية ومعتقلين لاحقًا. ولا يمكن تلخيصهما في كونهما شخصين طيبين حُبس ثانيهما في سياق الحملة الأمنية. بل أن يعرف المتلقون أن نبيل الهلالي كان من أبرز قيادات الحركة الشيوعية المصرية منذ الأربعينيات وحتى وفاته في 2006، وأن أمير سالم كان من ضمن مؤسسي تنظيم العمال الشيوعي المصري.
مرَّت عقود على "القصص" والحواديت. سقطت تبعاتها الأمنية بتغيير السلطات الحاكمة، وبفعل عامل الزمن، وبنهاية هذه المنظمات نفسها. عقود مرت على هذا النسق الذي جمع ووحد كثيرين من معارضي نظام الحكم. وإن كانت السردية السياسية/التنظيمية للأجيال السابقة على جيل السبعينيات مرويّة، على الأقل بعض جوانبها، من ضمن كتب كثيرة، ومنشورات لجنة توثيق تاريخ الحركة الشيوعية المصرية حتى 1965، فما يثير الانتباه والدهشة أن جيل السبعينيات لم يفعل الشيء نفسه، بينما يخسر بمرور الوقت جوانب مهمة من تاريخه، بوفاة الكثيرين من أفراده، ومن هم قادرون على الحكي، عدا استثناءات قليلة.
يتحدث المهندس رياض رفعت في هذا اللقاء عن أنه كان بعيدًا عن السياسة، مهتمًا بالعمل في مجالات ثقافية وفنية مع الأطفال والشباب في مدنية نصر. المفارقة الواردة في حديثه أن هذا العمل كان يحدث عبر مقر حزب سياسي؛ التجمع الوطني التقدمي الوحدوي. لكن المفارقة أبعد من ذلك، وأبعد من مشاركة رياض رفعت السابقة في الحركة الطلابية الاحتجاجية في السبعينيات. أوسع من قصص سجن القلعة والطلاب المحبوسين هناك في عصر السادات ومطلعه، وأبعد من الدور الذي لعبته التنظيمات ومعها اليساريون الأفراد في انتفاضة الخبز 1977، بل أنها تصل لفلسطين.
عبر الثقافة والفن، لعب رياض رفعت دورًا أساسيًا مع جيلي، منذ أن كنا في المدرسة الابتدائية أواخر السبعينيات، لندرك بالتدريج، عبر الأنشطة التي كان ينظمها لنا، أننا ننتمي لما هو أكثر اتساعًا من حينا وشوارعه، ليصل إلى فلسطين المحتلة. بالعمل الفني والثقافي في مكان واحد، مدينة نصر في هذه الحالة، تحديدًا في الحي السابع، بالتوازي مع عشرات البؤر التي نشط فيها هذا الجيل على امتداد الجمهورية، ساهم في خلق أجيال جديدة، كنت من ضمنها، تعي أهمية النضال الجماعي والمنظم لتغيير حياة هذا الشعب، ومتورطة سياسيًا وثقافيًا.
إنها الحكاية التي من حقنا أن نطمح في أن يرويها جيل السبعينيات، كيلا يكون وداع المناضلين السياسيين الراحلين، مثل عمر مرسي وعدلي محمد، وغيرهما، وداعًا لأشخاص طيبين وفقط. بل لمناضلين غامروا باستقرار حياتهم وأمانهم من أجل هدف عام. لم يتضامنوا مع عمال حلوان من منطلق "الجدعنة"، بل من أرضية الضرورة السياسية والتنظيمية التي جمعتهم بآخرين، ووحدتهم حول عمال معتصمين كان من ضمن قياداتهم شيوعيون.
ليست مجرد ضرورة لمعرفة التاريخ الأكثر اكتمالًا كقصة، بل أيضًا لبث الثقة في الجماعية وإعلاء شأنها، في زمننا الصعب هذا، الذي ستشتد صعوبته، ولهدم منطق الصدف التي تجمع أفرادًا جيدين.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.