لوحة للفنان حسين بيكار
امرأة نوبية تحتضن طفلًا ونساء أخريات في الخلفية

تاريخ الهجرة والألم.. لماذا لم يعُد النوبيون؟

منشور الثلاثاء 4 آب/أغسطس 2026

أنا نوبيةٌ من قبيلة الفاجيكا. تعود جذور أبي إلى قرية أبريم، أما أمي فمن توشكى شرق.

أنا ابنةُ الجيل الثالث للتهجير. ارتحل جدي إلى القاهرة مطلع القرن العشرين، لا نعلم متى تحديدًا، ولا ما إذا كانت هجرته بسبب تعليات خزان أسوان أم بحثًا عن عمل، فالنوبة وقتها كانت تزرح تحت وطأة فقرٍ شديدٍ، وبلا فرص عملٍ تقريبًا لأبنائها.

بدأت تضحيات النوبيين تتعمَّق عام 1902 مع بناء خزان أسوان، ثم مع تعليته الأولى عام 1912، والثانية عام 1933؛ وصولًا إلى التهجير الأقسى عام 1964، الذي أغرق النوبة التاريخية بالكامل تحت مياه بحيرة النوبة/ناصر.

لكن أيضًا بفضل هجرة جدي، أصبح بإمكان أبي أن يفخر باستكمال تعليمه الجامعي، شأنه شأن أبناء جيل التهجير الثاني. أصبح، وإخوته الذكور، من أوائل ذوي الياقات البيضاء النوبيين. كما شارك في حرب أكتوبر 1973 ضمن الجنود النوبيين الذين ضللوا العدو وهم يستخدمون لغتهم الأم شفرة اتصال، ليجعلوا رصدها إسرائيليًّا مسألةً بلا معنى.

في عام 1982، ومع استعادة سيناء كاملةً، ولدتُ. ومن احتفاء عائلتي وبقية المصريين بتلك اللحظة؛ بقيَتْ في ذاكرتي أغنيات الحرب وحبّ الوطن، ليغدو "فرض عليَّا.. أفديه بروحي وعينيا".


من الجامعة إلى معركة الدستور

كان حظ بنات الجيل الثالث للتهجير في التعليم الجامعي خيرًا من حظ بنات الجيل الثاني اللاتي لم يُكملنَ تعليمهنَّ. وبينما كنت في الثانوي أتأهّب للالتحاق بالجامعة، بدأ اهتمامي بجذوري النوبية مع قراءة رواية الشمندورة، رائعة الأدب النوبي لمحمد خليل قاسم.

ثم التحقتُ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية. هناك، كان المحاضر في مادة العلاقات الدولية يوضح لنا كيف تُصاغ السياسة الخارجية بسهولة في البلدان المنسجمة ديموغرافيًّا. أشارت طالبة إلى تأثير الأزمات الطائفية في مصر على علاقتها بالولايات المتحدة، وتحدثت أخرى عن النوبة، ليصفهم المحاضر  بأنهم "السود اللي بيطلعوا خدامين في الأفلام القديمة".

استفزّني ردّه العنصري فرددت بأن مصر بوتقة تصهر الجميع ولا يصح نفي تعدد منابع ثقافاتها، لكنّي ما زلت أشعر بالغضب من ذلك المحاضر، الذي كان من أقطاب الحزب الوطني.  

غير أني في المقابل، تعلَّمت في دراستي الجامعية مفاهيم القوة وصورها المختلفة، وكيف يحكم الأقوى ويقاوم الأضعف. وتعلَّمت عن الحركات الاجتماعية التي تُغيِّر المجتمعات. وهناك أيضًا عرفت إعلان حقوق الأشخاص المنتمين إلى مختلف الأقليات في 1992، الذي يعد حجر الأساس في التعامل مع الأقليات في العالم، ويضع أساسًا لالتزامات الدول تجاههم.

بعد إنجاز تمهيدي الماجستير في 2005، حملت في قلبي ما درست، وبدأت عملي في مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، سكرتيرةً أكاديميةً لمديره حينها الأستاذ بهي الدين حسن، أحد رواد الحركة الحقوقية المصرية.

أثناء عملي هناك، زارنا الروائي والمفكّر المصري النوبي حجاج أدول ليلقي محاضرة عن العنصرية. أتذكر رقته ووده وهو يُبدي اهتمامه بي، أنا حديثة التخرج التي تخطو خطواتها المهنية الأولى. منه، تعلَّمت أن العنصرية اللونية راسخة في المجتمع، وأن ما أتعرض له من عنصرية ممزوجة بالتحرش الجنسي معضلة تواجهها كل نوبية.

بعد ثورة يناير ترجمت اهتمامي بالشأن النوبي إلى نشاط فعلي مع انخراطي في الحراك النوبي، من بوابة اتحاد شباب النوبة الديمقراطي في تجربة غيَّرت بشكلٍ جذريٍّ من رؤيتي للأشياء. 

ومن موقعي حينها كنت أتابع بشغف عمل مديرة المركز المصري للحق في السكن، الحقوقية النوبية منال الطيبي، في اللجنة التأسيسية لصياغة دستور 2012. ورأيت تصيد الاخوان لها ورفضهم إقرار المواد التي تُرسخ حقوق النوبيين، خاصة الجلسة التي اشتبكت لفظيًّا فيها مع محمد البلتاجي وانسحبت على أثر ذلك.

تكرر السيناريو ذاته معي في العام التالي، عندما شاركت في لجنة دعم حجاج أدول ممثل النوبة في لجنة الخمسين التي صاغت دستور 2014، رغم غياب الإخوان عنها. لم أكن محجبةً وقتها، فتعرّضت لعنف وتنمر بسبب ذلك، مع مفارقة أن النوبة مجتمع أمومي.

حق العودة 

من داخل أحد البيوت النوبية التقليدية- الصورة: ويكيمديا برخصة المشاع الإبداعي

لكن لماذا كل هذه المقدمة، التي يختلط فيها الشخصي بالعام؟

حدد دستور 2014 فترة انتقالية من عشر سنوات تكتمل بعدها عودة النوبيين إلى ديارهم التي هُجِّروا منها مع بناء السد العالي. إلا أننا اليوم في عام 2026، بعد مرور سنتين على انقضاء الفترة الانتقالية، لم تحرك الحكومة ساكنًا للوفاء بهذا الالتزام الدستوري.

عمل النوبيون مع وزارة العدالة الانتقالية للوفاء بهذا العهد منذ عام 2014 إلى أن أُلغيت الوزارة وطويت صفحتها في سبتمبر/أيلول 2015. ليبقى هذا المجهود مدفونًا في أدراج رئاسة الوزراء.

أما على الأرض، فكانت أوضاع النوبيين تتفاقم يومًا تلو آخر، مع منعهم منذ 2017 من الاحتفال بـ يوم النوبة العالمي الذي يوافق 7 يوليو/تموز من كل عام، ثم اعتبار الأراضي التي يفترض أن يعودوا إليها مناطق عسكرية يُحظر السكن فيها أو التنقل عبرها، وفق القرارين الجمهوريين رقم 355 لسنة 2016 و444 لسنة 2017.

إهمال هذا الاستحقاق الدستوري لم يكن ممكنًا دون إهمال استحقاق آخر، يتعلق بإنشاء مفوضية مناهضة التمييز، التي أناط بها الدستور الفصل في شكاوى التمييز، وفق المادة 53 التي تكفل تكافؤ الفرص وتحظر التمييز بجميع أشكاله، سواء كان قائمًا على الجنس، أو اللون، أو العرق، أو الموطن الجغرافي.

كبرتُ كنوبية على وعي تام بالدور التاريخي الذي لعبه النوبيون في بناء هذا التنوع. ورغم هذا الامتداد الأصيل، أواجه، ومعي الكثير من أبناء النوبة، اتهامات التخوين والتشكيك في الولاء، لمجرد مطالبتنا بحق العودة، أو بضرورة احترام ثقافتنا والتعبير عن تميّزنا الإثني واللغوي، كأقلية وشعب أصيل في هذه الأرض.

يرى البعض أن تحقيق مطالبنا سيقسم مصر، رغم أننا نستند إلى الدستور؛ وهو القانون الأعلى للدولة. نحن نُخوَّن لأننا ارتضينا دستور 2014، الذي أقر حقوقًا تاريخية للنوبيين، في مقدمتها المادة 236؛ التي أسست لحق النوبيين، كشعب أصيل، في العودة إلى ضفاف بحيرة النوبة/ناصر، مع التزام الدولة بتنمية المنطقة النوبية بالمشاركة مع سكانها. وتظل هذه العودة حجر الزاوية في مطالب النوبيين.

تاريخ الهجرة والألم

أسعدني الحظ بالعمل محللة بيانات في أرشيف الإرث النوبي، الذي يؤرشف وثائق تهجير عام 1933 ويحفظها، لأطلع على كمٍّ هائلٍ من المراسلات بين موظفي الحكومة؛ من مفتش مأمورية التعلية، ومدير المساحة، ووكيل وزارة الأشغال العمومية، وصولًا إلى الحاكم الإنجليزي. 

أثارت هذه الوثائق دهشتي واستيائي؛ بدءًا من استبعاد المستفيدين النوبيين منها وعدم إشراكهم فيها إلا نادرًا، وحتى تجلّي الطبقية الفجّة حيث يحظى موظفو الدولة بالألقاب مثل باشا وبك وأفندي، بينما يوصف النوبي بـ"المدعو". لكن الجانب الأكثر إشراقًا كان إدراكي أن النوبيات امتلكنَ ذمةً ماليةً مستقلةً وحقًا كاملًا في الإرث، بعكس مناطق أخرى في مصر تُحرم فيها النساء من أرضهنَّ ويُجبرن على قبول ما يُسمى بـ الرضوة.

كشعب نوبي نعاني من عنصرية متصاعدة جراء تشابه ملامحنا مع السودانيين

كل ما نطالب به احترام تاريخ الهجرة والألم الذي لم تندمل جراحه بعد. احترام تميّزنا وهويتنا النوبية المهددة فيما تواجه لغتنا -وهي مكون رئيسي في التراث غير المادي لمصر- خطر الاندثار. ومن هنا تبرز أهمية أفكار جرى تداولها مؤخرًا حول إنشاء معهد للغات المحلية، يهدف إلى تدريس وحفظ اللغات النوبية، والأمازيغية، والبجاوية، والدوميرية.

كل ما أحلم به هو احترام ثقافتي وتاريخي؛ فالنوبة مكون مصري شديد التفرد، وإذا فقدناه سنخسر مكونًا إرثيًّا شديد الثراء. إن إحدى أمنياتي تدريس تاريخ الأسرة الخامسة والعشرين في المدارس، وأعتقد أن خطوةً كهذه قد بدأت بالفعل، كما أتمنى تدريس اللغة النوبية في نصر النوبة، وفي أقسام اللغات والآداب بالجامعات؛ إذ سنخسر إرثًا عظيمًا إذا لم نحافظ على التراث النوبي المادي وغير المادي.

أعلم أن الأيام صعبة منذ اندلاع الحرب في السودان، إلا أننا كشعب نوبي نعاني من عنصرية متصاعدة جراء تشابه ملامحنا مع السودانيين؛ فمنذ نزوحهم إلى مصر، ازدادت حدة التمييز التي يواجهها النوبيون على افتراض أنهم سودانيون. يحزنني هذا الرهاب من الأجانب/الزينوفوبيا؛ إنه سلوك يدمي القلوب ويصعّب حياة الأفراد المعرضين له.

بين حلم العودة، والتمسك بالثقافة، وحماية التراث، واحترام الاختلاف في العرق واللون واللغة؛ يعيش النوبيون على أمل تغير الأحوال. وفي مواجهة محاولات التشكيك أو الشيطنة، نؤكد مجددًا أننا محبون لهذا الوطن؛ متمسكون بتلك الكلمات التي كبرنا عليها في تتر المسلسل الكارتوني الشهير بكار "من قلبه وروحه مصري، والنيل جوه بيسري". نحن مواطنون مصريون، وتكتمل مواطنتنا عبر تعزيز وحماية ظروف حياتنا؛ كأقلية وشعب أصيل يثري هذا الوطن.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.