تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
رئيس الوزراء مصطفى مدبولي.

هل يتحمل مدبولي وحده مسؤولية "الثماني سنوات العجاف"؟

منشور الاثنين 24 آب/أغسطس 2026

ما كان يجري تداوله في الغرف المغلقة بشأن تغيير حكومة مصطفى مدبولي خرج إلى الفضاء العام، حتى أن بعض النواب والسياسيين القريبين من دوائر السلطة بدأوا يتحدثون صراحة عن ضرورة ذلك، في ظل استمرار رئيس مجلس الوزراء في موقعه لأكثر من ثماني سنوات، داعين إلى مراعاة الرأي العام الناقم على سوء الأداء عند تشكيل الحكومة الجديدة.

وأيًا كانت الأسباب التي دفعت القيادة السياسية إلى التفكير في تغيير أو تعديل حكومة مدبولي، وبغض النظر عما أثير بشأن عضوية عدد من وزرائها في مجالس إدارات بنوك ومؤسسات وشركات عامة، فإن مجرد طرح تغيير حكومة، لم يمض عام على تعديلها، يفتح الباب أمام أسئلة جوهرية: "كيف سيتم إخراج المشهد؟ وهل سيكون هناك قدر من الشفافية يسمح للناس بمعرفة لماذا جرى تجديد الثقة في مدبولي مطلع العام الحالي  فيما تُطرح فكرة رحيله حاليًا؟".

في فبراير/شباط الماضي، وبعد تعديل وزاري أبقى على مدبولي وشمل 13 حقيبة، أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي ثمانية تكليفات للحكومة، شملت الالتزام بمحاور الأمن القومي، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، وخفض الدين العام، ووضع خطط دقيقة ومتابعة مؤشرات الأداء، وضرورة "تبصير الرأي العام بالحقائق".

وقبل أيام، وتحت عنوان "فضفضة ضرورية"، وجه وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان نداءً إلى الصحفيين والإعلاميين، دعاهم فيه إلى "تخصيص مساحات لمناقشة قضايا الشأن العام وإتاحة الفرصة لمختلف الآراء".

الوعد

لكن المفارقة أن تغيير الحكومة، وهو حدث يفترض أنه يعني الرأي العام مباشرة، ظل محاطًا بسياج من السرية والصمت، فمعظم المنصات الصحفية تجنبت الاقتراب منه، ولم تضطلع بواجبها الأساسي في "تبصير الرأي العام" بحقيقة ما يجري في كواليس دوائر صنع القرار، رغم أن الأمر صار مثار حديث جلسات نواب وساسة وصحفيين.

مع كل حديث عن تغيير وزاري، تعود إلى الواجهة أسئلة لا تتعلق فقط بأسماء الوزراء الذين سيغادرون أو يدخلون، ولا بمن سيجلس في مكتب رئيس الوزراء، وإنما بما أنجزته الحكومة التي تستعد للرحيل، وما الذي تتركه لخلفها من أزمات ومشكلات ووعود مؤجلة.

في 2018 أطلق مدبولي وعودًا بخفض معدلات الدين الحكومي والسيطرة على التضخم وتحسين مؤشرات الأداء الاقتصادي

وإذا كان من حق أي رئيس حكومة أن يبرر إخفاقاته بالظروف الإقليمية والدولية، من جائحة كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية، ثم العدوان الإسرائيلي على غزة وصولًا إلى الحرب على إيران، فإن من حق المواطن أيضا أن يسأل: ماذا تحقق من التعهدات التي قطعتها الحكومة عندما طلبت منه الصبر؟

في يوليو/تموز 2018، وقف مصطفى مدبولي أمام مجلس النواب ليعرض برنامج حكومته الذي حمل عنوان "مصر تنطلق"؛ وقدم كشف حساب مسبق لما يفترض أن تكون عليه أوضاع البلاد خلال السنوات التالية.

تعهد مدبولي بـ"حماية الأمن القومي والحفاظ على حقوق مصر المائية، وتمكين فئات الشعب من الاستفادة من نتائج برنامج الإصلاح خلال عامين". وأطلق وعودًا بخفض معدلات الدين الحكومي، والسيطرة على التضخم، وتحسين مؤشرات الأداء الاقتصادي، و"تأمين الطاقة لطالبيها بجودة عالية وسعر منافس".

وفي رسالته إلى الفئات "الأكثر فقرًا وتهميشًا"، قال إن المواطن المصري سيشهد طفرة ملحوظة وتحسنًا ملموسًا في العديد من الأمور المرتبطة بحياته اليومية خلال شهور قليلة.

ثم قال للمصريين إن أكثر من 85% من برنامج الإصلاح الاقتصادي جرى إنجازه، وأن المواطن الذي "صبر كثيرًا وتحمل كثيرًا" لم يتبق أمامه إلا القليل حتى يرى النتائج الجيدة.

الحصاد

بعد ثماني سنوات، صار واجبًا على مؤسسات الرقابة الشعبية (البرلمان والصحافة) أن ترصد كيف كانت الأوضاع قبلها؟ وتراجع تلك التعهدات وماذا تحقق منها؟

في 2018، كان معدل النمو الحقيقي، وفق الرقم الذي أورده رئيس الوزراء نفسه، 5.4%، ووعد برفعه إلى 8% في 2021/2022، كما تعهد برفع معدل الاستثمار إلى 25% من الناتج المحلي.

لم يصل النمو إلى 8%؛ بل دخل الاقتصاد خلال السنوات التالية واحدة من أكثر فترات التباطؤ حدة، ووفق أحدث تقديرات صندوق النقد الدولي، يدور النمو حاليًا حول 4% إلى 5%.

انخفاض قيمة العملة انعكس بشكل مباشر على أسعار الغذاء والدواء ومستلزمات الإنتاج

أما الدين الحكومي، فقد تعهد مدبولي بخفضه إلى أقل من 90% من الناتج المحلي في يونيو/حزيران 2020، ثم إلى 80% بنهاية البرنامج، مع خفض العجز الكلي إلى 6% وتحقيق فائض أولي يقارب 2%.

ورغم ذلك لاتزال نسبة الدين الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي تدور حول 84% من الناتج المحلي، بينما انخفض العجز الكلي إلى 5.3% من الناتج المحلي حسب آخر تقارير لوزارة المالية.

وبينما كان الدين الخارجي يدور حول 90 مليار دولار في 2017/2018، قفز في السنوات الأخيرة ليقترب من 165 مليار دولار. فيما ارتفع الاحتياطي النقدي لأكثر من 56.3 مليار دولار مؤخرًا مقابل  42.5 في نهاية فبراير/شباط 2018.

وفي الفترة نفسها تدهورت قيمة العملة المحلية بصورة حادة، إذ كان سعر الدولار في 2018 17.9 جنيه، أما اليوم فيدور حول 50 جنيهًا.

انخفاض قيمة العملة انعكس بشكل مباشر على أسعار الغذاء والدواء ومستلزمات الإنتاج والأجهزة والسيارات والتعليم والخدمات والسكن، وهو ما أثر بشكل مباشر على أحوال الناس المعيشية.

وعن الطاقة التي وعد مدبولي بـ"تأمينها لطالبيها بجودة عالية وسعر منافس"، فحدث ولا حرج، إذ لم تكتف الحكومة برفع أسعارها إلى ما يقرب من 4 أضعاف، بل وصل الأمر إلى تطبيق الزيادة الأخيرة في أسعار الكهرباء التي أقرت في أغسطس/آب الحالي بأثر رجعي.

ما سبق يقود إلى المؤشر الذي يهم المواطن أكثر من أي مؤشر آخر، وهو التضخم الذي وصل إلى مستويات قياسية في 2023، ثم تراجع لاحقًا قبل أن يعاود الارتفاع في يوليو/تموز الماضي إلى 13%.

ومعنى ذلك أن المواطن الذي قيل له في 2018 إن "الكثير مضى ولم يبق إلا القليل" لا يواجه اليوم فقط أسعارًا أعلى، وإنما دخلًا فقد جزءًا كبيرًا من قدرته الشرائية، ومدخرات تراجعت قيمتها بفعل انخفاض العملة.

تلك الأوضاع جعلت ما يقرب من ثلث الشعب تحت خط الفقر، بحسب آخر مسح رسمي أجري قبل 6 سنوات، ولم يصدر بعدها أي بيانات مماثلة يمكن الاعتماد عليها لقياس الأوضاع الآن.

وبعيدًا عن أرقام الاقتصاد، وضع بيان مدبولي الأمن المائي ضمن أولويات الأمن القومي، وتعهد بالحفاظ على حقوق مصر المائية.

الآن وبعد كل تلك السنوات، وفي الوقت الذي أصبح فيه سد النهضة الإثيوبي واقعًا، تهدد أديس أبابا ببناء سدود جديدة وبتغيير القواعد الحاكمة لتوزيع حصص المياه على دول حوض النيل.

الحساب

بالطبع؛ ليس من الإنصاف تحميل مدبولي وحده مسؤولية السنوات الثماني العجاف، لكنه لا يستطيع أيضًا أن يخرج منها باعتباره مجرد موظف نفذ ما طُلب منه. فقد أمضى الرجل أكثر من ثماني سنوات على رأس السلطة التنفيذية، وكان شريكًا في تحويل السياسات والتوجهات الكبرى إلى قرارات وبرامج وقوانين، وعليه أن يتحمل نصيبه من المسؤولية.

المشكلة ليست في رحيل حكومة مدبولي أو بقائها، وإنما في الاستمرار داخل نفس الدائرة المفرغة

لكن المسؤولية الأكبر لا يمكن أن تتوقف عند رئيس الحكومة أو وزرائه، لأن تغيير الأشخاص لن يغير شيئًا إذا ظلت طريقة صناعة القرار كما هي.

المشكلة إذن ليست في رحيل حكومة مدبولي أو بقائها، ولا في تغيير هذا الوزير أو ذاك، وإنما في الاستمرار داخل نفس الدائرة المفرغة: تشكيل حكومة جديدة تبدأ من النقطة ذاتها، ترفع شعارات براقة، وتقدم برنامجًا إلى البرلمان، وتطلب من المواطنين مزيدًا من الصبر، ثم بعد سنوات من الإخفاق ترحل دون أن يعرف الناس بوضوح من وضع لها السياسات، وكيف صدرت القرارات، ومن يتحمل مسؤولية نتائجها.

الدستور الذي يتحدث البعض اليوم عن ضرورة تعديله أو تغييره، أقر بأن الشعب هو "صاحب الحق ومصدر السلطات"، وأكد على حقه في صنع مستقبله. ومن ثم فإن تجاهل حق هذا المواطن في المعرفة والرقابة والمساءلة، والتعامل معه باعتباره متلقيًا للقرارات لا شريكًا في صناعتها، ليس مجرد خلل في إدارة العلاقة بين السلطة والمجتمع، وإنما إهدارٌ لحقوق كفلتها الدساتير، ومجازفة بمستقبل البلاد التي بدأ أنين شعبها يتصاعد للدرجة التي من المفترض أن تقلق دوائر السلطة.

إذا كانت السلطة تسعى من التغيير الحكومي الذي يجري الحديث عنه أن يكون بداية لاستعادة ثقة المواطن وجبر الشروخ في الجبهة الداخلية، فعليها ألا تكتفي بتغيير الوجوه، وإنما بفتح المجال العام حتى يتمكن الناس من معرفة من يضع السياسات ومن يتخذ القرارات ومن ينفذها ومن يتحمل مسؤولية نتائجها.

وعليها أيضًا أن تمنح البرلمان والصحافة والمجتمع المدني المساحة التي تمكنهم من ممارسة أدوارهم في الرقابة والمساءلة، بدلًا من استخدام "شماعة" تغيير الحكومة كلما تراكمت الأزمات.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.