تصميم: يوسف أيمن- المنصة
في الأنظمة الاستبدادية تبدو المؤسسات المعنية بتطبيق الديمقراطية شكلية

ما تجهله السلطة المستبدة عن طبيعة المجتمع الإنساني

منشور السبت 29 آب/أغسطس 2026

مع ثورة الاتصالات، ومع ترسخ وجود الدولة المدنية الحديثة أو يقظة المنادين بها، وفي ظل الصيغ الجديدة التي تأخذها الشرعية السياسية، والاهتمام بالمشروعية القانونية، لا يمكن لأي حكم تحقيق تنمية أو قطع شوطٍ في مشروع للنهضة، دون إدراك مفاتيح فهم المجتمعات المعاصرة.

لا تدير السلطة الفراغ، ولا يمكنها الاستقرار والاستمرار في مجتمع حانق عليها، وغاضب منها، وإن تحقق لها هذا، عنوة وجبرًا بعض الوقت، فلا يوجد ما يضمن بقاءه وقتًا أطول، خاصة مع نظم سياسية لا تعرف "تداول السلطة" وتضيق بـ"التعددية"، وتنظر إلى المؤسسات الاجتماعية المدنية بعين الريبة، ولا تتعامل معها على أنها روافع مهمة لمنح الشعب حيوية هو في حاجة إليها، ومشاركة مؤسسات الدولة بعض مهامها، إنما تراها خصمًا لها، يعزز أي منازعة أو عملية ضغط على السلطة تجريها المعارضة، أو القوى المستقلة.

المجتمع كائن حي

للمجتمعات المعاصرة 7 خصائص أساسية من الضروري أن تعيها السلطة الحاكمة، وتراعيها على مستوى الخطاب الموجه إليها، والممارسة التي تجري في ربوعها. يمكن ذكر هذه الخصائص على النحو التالي:

التعدد

المجتمع الإنساني ليس كتلة واحدة، متجانسة تمامًا أو صماء، يتشابه أفراده في كل شيء، أو يتطابقون في الخلفيات والمناهل والمنابع، وفي الرغبات والنزعات، وفي إرادة الفعل والمطالب، وفي مستوى إدراك القضايا الأساسية، ومقاربة السلطة السياسية، وفي التعامل مع ما يرشح من معلومات، وما يصدر من إجراءات، ويتخذ من قرارات، إنما يكون هؤلاء الأفراد موزعين على اتجاهات وثقافات وطبقات اجتماعية وأساليب يمكنها أن تنتظم في مسارات عامة، لكنها لا يمكن أن تتوحد في موقف واحد، وطريق محدد، في أي زمان أو مكان.

تتعامل النظم الديمقراطية مع التمدد على أنه فرصة لتعزيز الموارد البشرية للدولة

وتفهم النظم السياسية الديمقراطية هذا التعدد، وتراه تنوعًا خلَّاقًا يثري الواقع، لتصبح وظيفة الحكم هو الإدارة السلمية العلنية المشروعة للخلافات والاختلافات، بينما تريد الديكتاتوريات المجتمع كتلة واحدة، أو تسعى إلى هذا، وترى التعدد تناحرًا والتنوع صراعًا لابد أن ينتهي ليصبح الجميع منتظمين في صف واحد، تسميه هي "الاصطفاف الوطني"، وتريده بالطبع اصطفافًا تابعًا لها ينصت ويطيع، وإلا اعتبر خروجًا على الحكم، وتمردًا عليه، وتآمرًا ضده.

التجدد

فالمجتمع الإنساني لا يبقى على حال، ولا يستقر على موقف، إنما هو في جدل دائم بشأن القيم والموارد، وفي نقاش مستمر حول المشكلات التي تتوالى، والقضايا التي تتابع بلا هوادة، وفي دفع متواصل لخلق أجيال جديدة لابد أن تنخرط في المجال العام.

الديمقراطية التمثيلية

تضيق النظم المستبدة بهذه الخصيصة وتراها مزاحمة لا فائدة منها، ومنازعة لا تصنع خيرًا، فالمستبدون يعتقدون أنهم مخلصون للصالح العام، ووحدهم من يعرفون مساره، ويحددون مقداره، وأن مساءلتهم عما يقولون ويفعلون، أو مخالطتهم الرأي فيما يعتزمون إقراره، هو تشكيك لا يقبلونه، وتطويق يعطل خطاهم.

على النقيض من هذا ترى النظم المنفتحة، النابتة شرعيتها من إرادة الناس، أن هذا التجدد هو نوع من "الديمقراطية التشاركية" التي تسند "الديمقراطية التمثيلية" وتصوب اتجاهها، وأن هذا الوضع ليس نوعًا من التفلت، أو استملاحًا للثرثرة، وتضييع الوقت، إنما هو حق للرأي العام.

التمدد

فالمجتمع البشري في حال مستمر من التكاثر، الذي لا بد من استيعابه، وأن أي زيادة سكانية، من حقها التمدد أفقيًا على الأرض التي تمثل أحد العناصر الثابتة للدولة عبر حركة العمران، ورأسيًا من خلال الترقي في المعاش، أو الحراك إلى الأمام.

وفيما تتعامل النظم الديمقراطية مع هذا التمدد على أنه فرصة لتعزيز الموارد البشرية للدولة، وأن على أهل القرار أن يبذلوا جهدًا فائقًا في سبيل تحويل هذا الكم إلى كيف، تضيق النظم المستبدة بهذه الزيادة، وتراها عبئًا على الموارد، وهي لا تقارب قوة الدولة من زاوية التنمية البشرية، أو اعتبار الإنسان هو مصدر الثروة، حتى لو رفعتها شعارًا يحمل هذا المعنى، فذلك لا يكون إلا من قبيل الدعاية والمخاتلة، دون اقتناع بهذا.

التولد

فالجماعة البشرية لا تكف عن إنتاج الأفكار، وصناعة التيارات السياسية، وبناء القوى الاجتماعية، وأن هذا يخضع لصيرورة لابد من فهمها، وفتح الطريق لتحققها، حتى تعطي المجتمع حيوية، وتمكنه من إيجاد الاستجابات المناسبة للتحديات المتغيرة.

النظم المستبدة تنظر إلى الناس على أنهم "رعايا" وليسوا "مواطنين"

لدى النظم الديمقراطية يقوم هذا الفهم، وتوضع الخطط التي تحوّل هذا الصنف من التوالد إلى قوة دافعة، تصنع النخب في مختلف الاتجاهات، وعلى أكتافها تمضى حركة التاريخ إلى الأمام. أما النظم المستبدة، فتعمل في هذا الاتجاه المضاد، إذ تريد للناس أن يعتنقوا أيديولوجية أو تصورًا واحدًا، وينتظموا في تيار واحد موالٍ لأهل الحكم، وأن ما دون ذلك لابد من حصاره، وتهميشه، وإقصائه عن القرار.

التردد

يتسم مجتمع المحكومين، أو المنفذة فيهم قرارات السلطة السياسية العليا، بالتريث الشديد، الذي يجعله يبدو في نظر أهل القرار نوعًا من التردد. فالمجتمعات البشرية لا تثور كل يوم، والقوى الطامعة في السلطة لا تدبر انقلابًا كل يوم أيضًا، إنما يغلب الصبر الجميع، هو لدى النظم الديمقراطية تمهل في انتظار تغيير عبر صندوق الانتخابات، ولدى النظم المستبدة هو نوع من الانكماش تحت سلطان القهر والقمع، الذي يحول دون تمكين الشعب من التغيير السريع، لو أراد ذلك، أو كان هذا في صالحه.

التسيد

ففي الأساس وما يقضي به الحق، فإن الشعب هو صاحب الأرض والمال والشرعية، ويجعله هذا "صاحب السيادة"، ليبقي من يحكمون، ووفق النظم الديمقراطية، هم مخولون أو موكلون مؤقتًا من قبل الجماعة الوطنية في إدارة ما يحوزه الشعب على نحو سليم ورشيد.

أما النظم المستبدة فهي تنظر إلى الناس على أنهم "رعايا" وليسوا "مواطنين"، وتتعامل مع مال الدولة على أنه قابل للتصرف وفق مشيئة الحاكم، وأن مساءلته في هذا هو نوع من عدم اللياقة الاجتماعية، أو دس أنف الناس فيما لا يعرفونه جيدًا، وليست لديهم المعلومات الكافية للحكم عليه.

التعود

فالمجتمع الإنساني يصنع على مدار تاريخه أنماطًا من القيم والأعراف والتقاليد التي يعتادها، ويتمسك بها، ويعتبرها من الفضائل، وقد يقاوم كل محاولات تغييرها، وهي إن كانت سلبية، تجذب إلى الخلف، أو تميل إلى الركود باسم الحفاظ على الدولة، تعمل النظم الديمقراطية على إعادة صياغة ما اعتاده الناس، بما يجعلها تتخلص من هذه السلبية، أو تلك الخصال الممقوتة، إذ تدرك هذه النظم أن ما يقبض عليه الناس بحكم العادة يعوق برامج التنمية وخططها. أما النظم المستبدة فهي تفعل كل ما في وسعها من أجل بقاء هذه السلبيات، لأن ذلك يصب في مصلحتها.

صفر من سبعة

إن هذه المفاتيح السبعة غاية في الأهمية، لكل من يجلس ليضع خطة أو استراتيجية للدولة في أي زمن، وفهمها، على نحو سليم، يوفر الكثير من الوقت والجهد والمال، أما تناسيها أو إهمالها، فيسهم، دون شك، في تعميق الهوة بين السلطة السياسية والشعب، ويفقد نظام الحكم الكثير من المرونة، والاستفادة من امتثال أو صبر قائم على الاقتناع، وليس الإجبار.

في ضوء ما سبق، بت مقتنعًا، بعد تمهل وقياس الأمور على مقتضى العلم، بأن السلطة الحالية لا تفهم من مفاتيح الشعب المصري إلا ما ييسر لها السيطرة عليه لصالحها، وليس لصالح الشعب، بينما تهمل أو تنسى أو لا تعرف تلك المفاتيح التي تجعل مصر، كدولة لها تاريخ مديد مجيد، قادرة على النهوض سريعًا، وحيازة التمكن والتفوق في زمن قياسي، بما لها من مصادر "قوة كامنة" غير مستغلة.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.