تسييس الزلزال.. حلقة أخرى في سلسلة صراع الإخوان والسلطة
عادت الأرض تحت المصريين سريعًا إلى السكينة، ولله الحمد، بعد زلزالٍ استغرق ثواني معدودات وقع صباح الأحد الماضي، لكن ظلت قلوب بعض الناس تهتز لدقائق شفقةً على ساكني البيوت القديمة، بينما ظل السجال السياسي حول الزلزال قائمًا لأيام، إضافة إلى المناطحة المستمرة بين التفكير العلمي والغرق في الخرافة.
فبعض عناصر "جماعة الإخوان المسلمين" والمتعاطفين معها اعتبروا أن الهزة الأرضية انتقامًا إلهيًا من المصريين الذين ظلموا الجماعة أو تركوها تُظلم، حيث سكتوا على الذين قتلوا منها، وعلى سجنائها الذين يرزحون في الزنازين الضيقة الحارة في الصيف، الباردة في الشتاء، فأراد الله أن يهز بيوتهم وأجسادهم، لعل ضمائرهم تهتز فيشعرون بآلام الإخوان ومعاناتهم. وهو الرأي الذي يختلف مع الموقف الرسمي للجماعة.
وينسى أصحاب هذا الرأي أن الإخوان، داخل السجون وخارجها، وكل من ينتسب إليهم أو يتعاطف معهم، ويخفي مشاعره، ويقيد لسانه، لم يكونوا في أرض أخرى حين وقع الزلزال، إنما هم بين المصريين، في كل مدينة وقرية وعزبة ونجع وكَفْر، ولو أن مكروهًا قد أصاب المصريين كانت الطبيعة مصدره هذه المرة، فلهم منه نصيب، ولو أن قرحًا مسَّ الناس، فلن يميز بينهم.
كما يتغافل هؤلاء عن أن الزلزال لم يضرب مصر وحدها، إنما دولًا أخرى في المنطقة، منها التي لم يسقط فيها الإخوان عن حكم أو سلطة، ولم يزج بالآلاف منهم في غياهب السجون. كما أن الزلزال مر بسلام، فلم نر بيوتًا تنهار فوق رؤوس ساكنيها، كما وقع في زلزال 1992، وكان الإخوان أنفسهم -والحق يقال- أول من سارع إلى نجدة المنكوبين.
تراث النكاية
لم يكن الزلزال هو الحالة الأولى التي يمارس فيها بعض أعضاء الجماعة جانبًا من "فقه النكاية"؛ حيث التشفي والشماتة، التي تقع في دائرة من الإيهام والتوهم وليس الحقيقة، فالهزات الأرضية تصيب الناس في مشارق الأرض ومغاربها، بين حين وآخر، على اختلاف المعتقدات والأفكار والطبقات والجهات والإمكانيات، لا فرق بينهم في هذا، والمؤمن يعتبره ابتلاء من الله، وغير ذلك يعتبره غضبًا من الطبيعة، وكثير من الفريقين يرده إلى الأسباب العلمية المرتبطة بحركة طبقات الأرض، فيما بات أنصار المؤامرة يتحدثون عن اصطناع الزلازل بتوظيف تقنيات متقدمة تثير غضب حتى ما تحت الرواسي من الجبال الشامخة.
قال فريق إن التخطيط الحكومي وتحديث البنية التحتية جعل الكارثة تمر دون ضحايا
أما السلفيون فلم يذهبوا في مسار الظلم الذي يتحدث عنه الإخوان، إنما ظلم آخر، ألا هو ظلم الناس لأنفسهم بنسيانهم الله، فجاء الزلزال ليذكرهم به، وعليهم أن يمتثلوا لهذه الإشارة، ويدركوا معانيها غير الظاهرة، التي هي أبعد من مسألة اهتزاز الأرض. وأتصور أن المتدينين من المسيحيين المصريين لم يختلفوا في هذا الأمر، سواء عبروا عن هذا أو احتفظوا بالأمر في صدورهم.
في المقابل انتهز أنصار السلطة الراهنة الزلزال في الدعاية لها، فتحدثوا عن البنية التحتية القوية التي لم ينفلق لها طريق، ولم تنكسر لها ماسورة مياه أو صرف صحي، ثم أفرطوا في الحديث عن الحكمة التي كانت وراء نقل سكان المناطق العشوائية خارجها، وهدم بيوتها المتداعية، ومنح أصحابها بيوتًا أخرى في حي الأسمرات وغيره.
بين زلزالين
قال هؤلاء إن هذا التخطيط جعل الكارثة تمر دون ضحايا، بينما هرب المصريون وقت زلزال 12 أكتوبر/تشرين الأول 1992 إلى الشوارع، وتساقطت بنايات دفعة واحدة، بما فيها واحدة كانت حديثة البنيان في حي مصر الجديدة، فصارت حديث مصر وقتها، لا سيما بعد إخراج مواطن اسمه "أكثم" ظل أيامًا يقاوم موتًا محققًا تحت الهدم والردم وسط الرعب والظلام.
كانت السلطة الحالية في نظر هؤلاء سابقة على الحدث، بينما اضطرت السالفة في أيام حكم حسني مبارك إلى نقل المتضررين من الزلزال إلى عمارات شعبية بسيطة كانت مكتملة البناء وأطلق عليها "مناطق الزلزال"، وعلى ساكنيها الجدد "سكان الزلزال"، فوقفت شاهدة على فشل برنامج الإسكان.
هدم العشوائيات على النحو الذي رأيناه لم يقف خلفه منزع إنساني ولم يرتبط بالضرورة بالتزام السلطة حيال الفقراء
ينسى أنصار السلطة الحالية أمرين، الأول أن زلزال فجر الثالث من أغسطس/آب 2026 يختلف عن زلزال بعد ظهر 12 أكتوبر في المدة التي استغرقها، فالأول استمر ثواني معدودات، وتوابعه جاءت خفيفة، بينما الثاني استمر وقتًا أطول، وكانت توابعه قوية، حتى لو كانت شدة الاثنين متقاربة.
والثاني هو أن هدم العشوائيات، على النحو الذي رأيناه، لم يقف خلفه منزع إنساني، ولم يرتبط بالضرورة بالتزام السلطة حيال الفقراء، فسياستها زادت عددهم، وضغطت عليهم حتى صاروا في حيرة من تدبير أقوات أيامهم، إنما كان في ظل تخطيط ينزع إلى الأمن والاستثمار معًا، فيضرب عصفورين بحجر واحد، دون أدنى اعتبار للآثار الاجتماعية المترتبة على خلع سكان من أماكن ألفوها سنينًا طويلة، والتقطوا فيها وحولها أرزاقهم الشحيحة، فالمهم هو إبعاد الفقراء، حطب الثورة أو الغضب، والاستيلاء على الأرض غالية الثمن في وسط القاهرة.
جدل الزلزال
فإذا كنا قد استمعنا إلى السيد رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي وهو يخبرنا بأن الهدف من بناء عاصمة إدارية جديدة هو تأمين المنشآت الحكومية، حتى لا يتكرر حصارها من قبل المتظاهرين كما جرى خلال الموجة الأولى من ثورة يناير 2011، فمن باب أولى أن ننظر إلى التخلص من العشوائيات ضمن هذا التصور، لا سيما أن سكان هذه المناطق، وبعضها قريب من قلب القاهرة، كانوا ضمن الحشد الثوري، وأنهم الأكثر عرضة للاستغلال من قبل أي قوة تعبئهم مقابل قليل من المال، كما يحدث أيام الانتخابات.
فالرئيس نفسه سبق أن تحدث عن إمكانية توظيف مليار جنيه فقط وبعض المخدرات (باكتة بانجو) في تأجير فقراء ليضيفوا كتلًا بشرية كبرى إلى الغاضبين ممن يمثلون طليعة ثورية واعية ومكتفية ماديًا. ولا شك أن عين الرئيس وقتها كانت مصوبة إلى سكان الأحياء العشوائية، خاصة ما حدث قبل هذا حيث كان نظام مبارك يؤجر بعضهم في مظاهرات مضادة لاحتجاجات القوى السياسية المعارضة، وكانت جماعة الإخوان تفعل هذا أيام اعتصامي رابعة والنهضة وغيرها من مثيلتها التي انعقدت، على التوازي، في بعض ميادين مدن مصرية من الصعيد إلى الدلتا.
هكذا، تحول زلزال 3 أغسطس إلى سجال سياسي ظاهر، استوعبته السوشيال ميديا، خاصة فيسبوك الأكثر تداولًا في مصر، وطفح هذا ليمثل حلقة من سلسلة النزال المتبادل بين الإخوان وأنصار السلطة، في صحو ومحو، وإقامة وهدم، وتعمَّقَ إلى حد تبديد الحجج والذرائع والرد على الشكايات والبكائيات، واحتدَّ إلى درجة تبادل الشتائم.
أما سائر الشعب المصري بطبقاته وشرائحه وفئاته فقد راح يقارب المسألة من زاوية أخرى لا يخلو بعضها من تسييس أيضًا، إذ انعقد رأي أغلب هؤلاء على أن الله سبحانه وتعالى كان لطيفًا بشعب تتوالى عليه نوائب كثيرة بفعل الإجراءات السياسية والاقتصادية، والتشريعات القانونية، والخطاب الإعلامي الذي ينزع إلى الاستهانة بالناس والحط من شأنهم، وأن الزلزال لو كان بامتداد سابقه، كانت نتائجه ستأتي مروعة، مع تراجع الإمكانيات المادية لأغلب الناس، وتنكر السلطة لوعدها السابق في الرفق بهم.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.