تصميم: يوسف أيمن- المنصة
يعرف الكثيرون أثر عبد الناصر على القذافي، لكنه ليس الأب الوحيد، بل يشاركه فيه بدرجة كبيرة الكاتب الصادق النيهوم وماوتسي تونج.

الظل الإجباري.. الديكتاتور لا يريد نجمًا سواه

منشور السبت 9 أيار/مايو 2026

بسقوط نظام القذافي عام 2011، برزت أسماء علماء ليبيا ومثقفيها في تخصصات عدة، فاتسعت عيون العرب دهشةً، وسمعتُ أحدهم يسأل في مداخلة تليفزيونية: أين كان هؤلاء؟ الإجابة التي لم يتطرق الضيف إليها يومها هي: كانوا محجوبين خلف عباءة الديكتاتور.

أتى القذافي إلى الحكم بانقلاب 1969 الذي أطاح حكم الملك السنوسي، وكان هناك في ليبيا شابٌ مثقفٌ يعتبره الشباب مفكرًا وأديبًا وكاتبًا صحفيًّا صاحب أسلوب مميز هو الصادق النيهوم. وصل تتيمهم به حد تقليده في لباسه وتصفيف شعره، حتى كان الشاب يقول للحلاق إليه: أريد تسريحة الصادق النيهوم.

صار النيهوم، الذي يجيد عدة لغات، صرعةً في السمات والقسمات؛ في طريقة التفكير والتعبير، نجمًا لا يضارع يصفه الروائي الليبي إبراهيم الكوني بأنه "صاحب شخصية أسطورية، مشبعة بالروح البروتستانتية، والثقافة الموسوعية، وروح السخرية التي لم يفقدها إلى آخر يوم في حياته".

لم يكن كل هذا بعيدًا عن أذن القذافي وعينه، بل كان يدرك، على ما يبدو، أن للنيهوم طموحًا سياسيًا يبنيه على مهل، متكئًا على مكانته التي ترسخ بمرور الوقت، وهي مسألة يعبر عنها الكاتب والمثقف الليبي أحمد الفيتوري، قائلًا " كان النيهوم لديه طموحات يرغب في أن تقوده إلى السلطة، لكنه لم يصل إليها لأن العسكر ذهبوا لها من أقصر الطرق. أما هو، فقد سعى إليها من طريق طويل، فخسرها".

هجرة إلى الشمال

 رغم أن النيهوم كان صديق القذافي، وعينَّه أمينًا عامًا لـ"لجنة الدعوة والفكر في الاتحاد الاشتراكي"، فإن الأخير لم يطق وجوده في ليبيا، فالبلاد لا تتسع إلا لنجم واحد، فاستدعاه، وطلب منه الذهاب لبيروت ليقيم علاقة مع صفوة أهل الأدب والمعرفة والعلم.

كانت حجته أن "الثورة" بحاجة إلى سند فكري، وليس هناك أخلص ولا أكفأ لهذه المهمة من النيهوم الذي أدرك السبب الحقيقي لإبعاده من ليبيا، ولم يكن أمامه سوى الاستجابة، فقد عرف أن رفضه يعني قتله، فحزم أمتعته وذهب إلى بيروت بعد تقديم استقالته من أمانة لجنة الفكر، وهناك التقى نجوم الكتابة والفن.

حين اندلعت الحرب الأهلية في لبنان عام 1975 ضاقت بيروت بأهلها، فما بالنا بالغرباء، فأرسل النيهوم إلى القذافي يطلب منه العودة إلى ليبيا لأن حياته صارت في خطر، فوافق على طلبه مغادرة بيروت، لكن إلى جنيف. عندها أدرك الرجل أن الزعيم الذي ارتفع صوته معلنًا نفسه "أمين القومية العربية" القائم عليها بعد وفاة جمال عبد الناصر، لا يريد أحدًا في البلاد كلها يسحب منه بعض الأضواء، أو يأخذ منه الانتباه، أو يشاطره إعجاب الشباب.

راح القذافي يطلق مجلات وإذاعة تمدحه ليل نهار وندوات ومؤتمرات تجذب إليها عقولًا كبرى

حلَّ النيهوم بجنيف، عمل أستاذًا لمادة الأديان المقارنة، وأسس بها بتمويل من القذافي "دار التراث" و"دار المختار"، لكن اسمه راح يخفت في ليبيا شيئًا فشيئًا، حتى مع توالي كتبه التي تصدر في الخارج، فقد أصدر سلسلة موسوعات منها: "موسوعة تاريخنا" و"موسوعة البهجة"، وغيرهما، كما أضاف إلى رصيده عددًا من الترجمات، فضلًا عن إسهاماته في مجلات عدة، منها مجلة "الناقد" في لندن، بتمويل القذافي الذي لم يكن يعنيه حجم توزيعها، ولا أسماء كتابها، ولا مكافآتهم السخية، بقدر ما يعنيه كونها الثقب الأسود الذي ابتلع النيهوم.

بينما كان هذا يحدث راح الزعيم يطلق مجلات أخرى وإذاعة تمدحه ليل نهار، ومعها ندوات ومؤتمرات تجذب عقولًا كبرى، يجزل لأصحابها العطاء، لتناقش ما أسماها الزعيم "النظرية العالمية الثالثة" التي حواها الكتاب الأخضر الذي يقال إنه شارك في تأليفه كثيرون، وكلّت ألسنة من كثرة الحديث عنه.

هنا حاول القذافي أن يأخذ من النيهوم دور المفكر، فخرجت عدة مؤلفات باسمه، تحمل أفكاره السياسية، وإلى جانب الكتاب الأخضر ظهرت كتب تحمل اسمه مثل الكتاب الأبيض، وتحيا دولة الحقراء. وبات عليه أن يسلب من النيهوم أيضًا دور الأديب، فأوعز إلى من ألف له مجموعة قصص عنوانها القرية القرية الأرض الأرض وانتحار رائد الفضاء وقصص أخرى كانت فكرتها منحولة من النيهوم، وأصدر كذلك خواطر ومقالات أدبية بعنوان "الهروب إلى جهنم وقصص أخرى".

في مؤلفات القذافي كان النيهوم حاضرًا؛ استهلم الزعيم السياسي منه تصوراته، لا سيما في "الكتاب الأخضر"، إضافة إلى بعض أفكاره عن الديمقراطية المباشرة وفق "النموذج السويسري"، حيث رفض المؤسسات التقليدية التي تنشأ في ركاب الديمقراطية التمثيلية والأحزاب السياسية، وتستخدم أدوات فرض وصاية على الشعب وتحرمه من ممارسة سلطته المباشرة.

استعار القذافي من النيهوم أفكارًا أخرى كثيرة ضمّنها خطاباته السياسية، ورأى الأخير هذا وصمت. لم ينسجم كليًا مع النظام، ولم يحرص في الوقت نفسه على تفنيد ما كان يتردد أنه العقل المدبر وراء الزعيم، وأنه أعمل قلمه في بعض مؤلفاته، أو أن ما تُسمى "النظرية العالمية الثالثة" بُنيَت على مخطوط له بعنوان "نقاش" قدمه في كُتيب للاتحاد الاشتراكي وضع فيه تصوره لحل المشكلات السياسية والاجتماعية القائمة.

وإذا كان النيهوم قد نفى هذا ذات مرة في حضور القذافي نفسه، حتى يتجنب أذاه، فإن الثابت هو أن أفكاره استغلت من السلطة العسكرية، بل مُسخت وسُحقت، وأفرغت من مضمونها الفلسفي، وطوّعت ببراعة لإزاحة مؤسسات الدولة لحساب الفرد، تحت مسمى "الجماهيرية"، التي لم تكن سوى قناع لتبرير الاستبداد.

محو الأثر

في 15 نوفمبر/تشرين الثاني من عام 1994 تُوفي الصادق عن 57 عامًا، ومعه توقفت مجلة الناقد، إذ لم تصدر في الشهر اللاحق على رحيله، فتأكد الجميع من أن القذافي لم يكن مهتمًا بالدور الفكري والثقافي الذي تلعبه، إنما هي اللعبة التى ألقاها للنيهوم ليلهو بها حتى الرمق الأخير، وكان يرى أن هذا أفضل من أن يقتل صاحبه، الذي عاد إلى مسقط رأسه في بني غازي ميتًا، ودفن بها، مجردًا من الصفة الأساسية له. فلم يقدم بوصفه مفكرًا إنما قدمه في تأبينه الرسمي بوصفه أديبًا لامعًا، وهو ما كان بحسب الكاتب الليبي سالم العوكلي، "اختزالًا متعمدًا لإرثه؛ ففي دولة القذافي، تم تجريد النيهوم من أخطر ألقابه، لأن لقب المفكر الأوحد كان حكرًا على القائد نفسه".

مع الإعلام والثروة هناك أدوات شرعية للإكراه والانتقام في أيدي الطغاة

هذه حالة دالة كثيرًا، وتقدم برهانًا ساطعًا على أن الطغاة يكرهون بزوغ أي اسم في بلادهم سواهم، وهم لا يعدمون الوسائل في تحقيق هذا الهدف، فالإعلام مقروءًا ومسموعًا ومرئيًّا تحت أيديهم، وعبره يمكن أن يدفعوا أي شخص تسلط عليه الأضواء إلى الظل البارد، فيغيب بعد حضور، ويقدموا من لا يستحق إلى أولى الصفوف.

كما أن الثروة ملك يمينهم يمكنهم بها استقطاب المؤلفة جيوبهم من أصحاب الذيوع ليتحولوا إلى أبواق تعلي من شأن الطاغية، وتخفض من شأن هؤلاء المنافقين المسايرين، إذ تضيف إلى رصيده وتخصم من أرصدتهم، حتى يتحولوا إلى مسوخ في عيون الناس، بينما الطاغية يهتز غبطة لسقوطهم، سريعًا أو متدرجًا، مفسحين الطريق له وحده ليكون النجم الأكبر، بل النجم الأوحد.

مع الإعلام والثروة، هناك أدوات شرعية للإكراه والانتقام في أيدي الطغاة، وبوسعهم أن يقصروها على حد تشويه سمعة أصحاب الجدارة في تحصيل المكانة والمكان والضوء، أو يمدوها لتصير نفيًا أو سجنًا لمن لا يرضخ من هؤلاء لإرادة من لا يريد أحدًا طافيًا على السطح سواه.

حتى حين يتسامح هؤلاء الطغاة قليلًا في مسعاهم هذا، ويميلون بحكم الغريزة إلى أن يسلط بعض الضوء على غيرهم عند الضرورة، شرط أن يكون هذا مؤقتًا، يبدأون في الاستبدال السريع للنخب من حولهم، فتتوارى أسماء، وتظهر أخرى، في تدافع بلا هوادة، يطحن فيه بعضهم بعضًا. كما أن لديهم شرطًا آخر، وإن لم يظهروه صراحة، وهو أن يكون الظهور ليس الطاغية وليس لصالح أصحابه.

هناك حالات أقل يعيشها صاحب الفكر أو الخبرة في ظل نظم شمولية، تتيح هامشًا من وجود مختلف لا تمسخه أو تنسخه أو تغيبه تمامًا، يخبرنا بها د. بطرس غالي أستاذ العلوم السياسية والأمين العام الأسبق للأمم المتحدة في كتابه بانتظار بدر البدور .. يوميات 1997 - 2002، حين نصح ابن أخيه الاقتصادي يوسف بطرس غالي وزير المالية المصري الأسبق.

فقد جاء الأخير إلى عمه ليساعده على الاختيار بين منصبين معروضين عليه؛ الأول في إحدى المنظمات الاقتصادية الدولية، والثاني هو الوزارة. ونصحه العم بقبول الأول، لكنه كان قد عزم على الثاني، وحين رآه مصممًا، نصحه بأن يتعامل مع الوزارة منذ أول يوم على أنه تاركها غدًا، وألا يظهر كل قدراته منذ اليوم الأول، أو يكشف عنها دفعة واحدة، وأن ينصت جيدًا حين يجلس إلى رئيس الوزراء أو رئيس الجمهورية، ويبدو لهما على أنه أقل منهما قدرة.

تناقل المثقفون نصيحة غالي، وبعضهم كان في تبرم منها أو رفضها أو تساءل عما إذا كان هذه النهج ضروريًا لمن يتولى الوزارة، حتى جاءت واقعة كشفت مدى صوابها حدثت بين الرئيس الراحل محمد حسني مبارك والمفكر محمد السيد سعيد.

فقد دخل سعيد في نقاش مع مبارك خلال لقائه المثقفين على هامش معرض القاهرة الدولي للكتاب، راح فيه يبدي وجهة نظره في السياسات القائمة، والرئيس يرد في تبرم، ثم لحق به وهو يهم للخروج من القاعة، وقدم له تصورًا عن الإصلاح السياسي والاقتصادي، فرفض مبارك أن يتسلم الأوراق، وقال له "كلامك غلط، وعلى فكرة أنا أفهم أكتر منك". وبعد هذه الواقعة توقف عن لقاء المثقفين أيام انعقاد المعرض كما اعتاد.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.