ولأنه أحمد دومة...
غَفِل بطلا فيلم الهروب (1991) للمخرج عاطف الطيب، المجرم منتصر/أحمد زكي وبلدياتُه الضابط سالم/عبد العزيز مخيون، عن حقيقة أنهما العنصران الأضعف والأقل قيمة في لعبة أكبر منهما بكثير. حاولا التحديق في عين النظام لفهمه، وإدراك لعبته، وربما مخاطبته. لكنْ لا أحد يستطيع أن يرى النظام أو الدولة مثلما لا يستطيع أحدٌ رؤية الله.
هذا المقال لا يتناول الفيلم أو السينما. إنه عن مقال رأيٍّ آخر قاد كاتبه أحمد دومة لحكمٍ بالسجن سنة مع الشغل، ولطرح أسئلة سريعة عن موقعنا من هذه الواقعة. مع ضرورة التنبيه بدايةً إلى أن الفقرات المائلة التي تتخلل المقال، مقتبسةٌ من مقال دومة، تردُ هنا مشاركةً تضامنيةً معه، ورفضًا لسجنه، دون التوقف أمام مستويات الاتفاق أو الاختلاف مع مضمونها، فمن حق الجميع طرح آرائهم أيًا كانت، وتردُ أيضًا طموحًا في أن نتساءل بمباشرة: لماذا أحمد دومة بالذات؟
"تتحوّل المُعتقلات من استثناء قانوني إلى بنية أساسية يقوم عليها كيان الدولة".
لنتذكر سريعًا بعض الحجج المعلنة خلال السنوات الأخيرة لحبس أصحاب الرأي، رغم صعوبة حصرها جميعًا، لكثرتها، ولأن الأسباب الحقيقية للحبس لم تكن دائمًا الأسباب التي تقدمها السلطة الأمنية رسميًا للسلطة القضائية. ودون إغفال أن هناك من لا يزالون محبوسين منذ سنوات، ولم نعرف بعد ماهية تهمهم، أو الأسباب التي فجّرت غضب السلطة ضدهم.
قائمة الحجج/المبررات ستضم التعبير عن الرأي في المجال العام بخصوص القضية الفلسطينية أو قضايا أخرى، رسوم كاريكاتير تناقض الخطاب الرسمي للحكومة، كتاب في الاقتصاد ينبه لكارثة، بوستات فيسبوكية ساخرة تعتبرها السلطة "قلة أدب"، تحقيقات استقصائية لمست مع مناطق تحظرها السلطة، وأخيرًا، في حالة دومة، مقال رأي منشور في موقع صحفي كبير ومعروف ويقرؤه الكثير من العرب، يتناول فكرة السجن بعموميتها، فيتسبب في حكم قضائي بسجن كاتبه سنة مع الشغل.
"السجن في مصر، وسجون السلطة الفلسطينية، ومُعتقلات الاحتلال، وزنازين سورية وتونس وبريطانيا وألمانيا وغيرها، لم تعد أماكن للتأهيل أو العقاب الجنائي المؤقّت (هل كانت السجون كذلك يومًا؟)، بل صارت مؤسسات استئصال وتحييد خلف الأسوار، وعقليّة حكم استئصالي خارجها، بحقّ المُخالفين والمُعارضين والمُزعجين والمُغايرين، ومن ثمّ بحقّ المجتمع كلّه".
يحاول أحمد دومة في مقاله رصد حالة تعميم القمع، وكيف أصبح الحبس وسيلةَ إقصاء، وحالةً مستقرة تفرضها السلطة، وعلى الجميع التطبيع معها إن أرادوا البقاء خارج السجون. ويلاحظ أن في زمن الحروب الإقليميةالذي نعيشه تسعى الأنظمة لتحويل المجتمع نفسه لسجن كبير ومفتوح. لا يحصر دومة هذه العملية بمصر، بل يمدها لبلدان عربية أخرى، وفلسطين، وأوروبا، والعالم. ما يفترض ألا يُغضب السلطة المصرية بالذات.
أما المحور الثاني من مقاله فهو التحذير من مخاطر الغضب اليومي المتراكم في صدور المقهورين، سواء كانوا في السجن الصغير أو السجن الكبير/المجتمع. ومن أن يؤدي هذا الغضب لانفجارات كبرى تقودُ لتكرار المأساة، بدلًا من حلها. ويستخدم بين السطور دلالة طوفان الأقصى، برؤيته كانفجار كبير ومدوٍّ نتيجةَ تحول قطاع غزة لسجن كبير ومفتوح منذ سنوات طويلة.
"تقوم الأنظمة التي تظنّ أنّها تؤمّن استقرارها بالقبضة الأمنية بإنتاج جيوش غير مرئيّة من الكراهية العمياء. هؤلاء المعتقلون وأسرهم وأصدقاؤهم يمثّلون كتلة بشرية هائلة تُدفع دفعًا نحو الكفر بفكرة الدولة والعقد الاجتماعي والقانون والمؤسسات، كفر باحتمالات العدالة، وبالتالي الحياة".
اللافت في مقال دومة، وأطرحه هنا بكل بساطة، أنه مقال عادي. كتب المضمون نفسه كثيرون مِنَّا في مواقع مصرية وعربية، بدرجات أقل أو أكثر من الحدة أو الجذرية. ولم يحدث شيء، فيما عدا طبعًا حجب المواقع المعتاد، أو التضييق عليها، أو التحقيق مع مديريها، مثلما حدث مع المنصة ومدى مصر سابقًا، ووضع كتابها وكاتباتها في قوائم المغضوب عليهم.
ربما أزعج البعض من أصحاب السلطة ذكر السجون العربية، الكبيرة والصغيرة، في السياق نفسه الذي تُذكر فيه سجون دولة الاحتلال الإسرائيلي الكبيرة والصغيرة. لكن عمل هذا التناص في القراءة والتحليل، قديم، نجد أصوله في زمن الستينيات، ولا سيما بعد هزيمة 1967. فلماذا عقوبة السجن في هذه الحالة؟ لا إجابة عن هذا السؤال. فهو السؤال المعضلة، اللغز، الذي لا يستطيع إجابته سوى القلائل من أصحاب السلطة، ولن يفعلوا.
لم يدرك منتصر، بطل فيلم "الهروب"، الأسرار المحيطة به. لم يدرك أبعاد أن تجعله الصحافة أحيانًا بطلًا شعبيًا، وفي أحيانٍ أخرى خطرًا على المجتمع. لماذا يتركونه في زنزانة قضبان نافذتها خُلعت ليُمكّنوه من الهرب؟! لماذا يطاردونه من جديد؟! وبكل تأكيد لم يدرك لماذا كان يجب أن يُقتل هو وسالم في المشهد الأخير، بعد رحلته المستمرة في التمرد والقفز للأمام.
"المشكلة في شرعية القهر أنّها تنتهي عند أوّل لحظة ضعف للنظام، تنهار من أوّل شرخٍ في بنيته، لكن ما يهدّد ذلك أنّ الانفجار حينها يتحوّل غالبًا من فعل تغيير إلى طوفان انتقام، وهو ما يجب الانتباه له والعمل عليه لتجنّبه حتى لا نعيد إنتاج دائرة القمع بصورة أشدّ بطشًا من حيث أردنا كسرها".
لا يتحدث دومة في مقاله عن أشخاص، لا يسمي أحدًا. بل يشير، فيما يبدو، لتغيرات منظومة القمع وممارسات السلطة في لحظة التحول العالمي باتجاه الفاشية التي نعيشها. وأستطيع أن أضيف هنا أن قلقه -الذي أكرر أن كثيرين يشتركون معه فيه وكتبوا عنه في مواقع مصرية- تعبير عن عجز وقلة حيلة تسكننا جميعًا تجاه المشهد الذي نعيشه، وطنيًا وإقليميًا وعالميًا. وقلق حول مفهوم "الدولة"، بألف لام التعريف، هذا الشيء المهول، الذي لا نعرف مداه أو حدوده أو حجمه، بسبب إدراكنا المحدود، كبشر عاديين.
"الصمت الناتج من الرعب هو انتظار واعٍ وليس استسلامًا. هذا ما أعتقده وأُبشّر به، أمّا السلطة التي تفتخر بقدرتها على إخراس الألسنة، فإنما تنجح فقط في نقل الصراع من الميادين إلى الصدور، متغافلين عن ألّا ميدان ينفجر إلا بحشدٍ في النفوس أولًا".
حُكِم بالسجن سنة على مواطن لأنه كتب مقالًا لا توجد به معلومات صحيحة أو خاطئة، أو أسماء، أو تشهير، أو سب وقذف! إنها حالة كانت تستحق أن تتحول لأزمة كبرى في أي بلد طبيعي. تستدعي غضب قطاعات الصحفيين والكتاب والمثقفين. تستدعي بيانات الاحتجاج من النقابات المعنية بحرية الرأي والتعبير، إلى آخره. لكنها في هذه الحالة تحديدًا تمر بطبيعية، وكأن شيئًا لم يكن. فلا يستحق كاتب المقال سوى كلمات التضامن ممن يشبهونه، أو ممن لا يزالون يصرخون من أجل بعض الحرية في المناسبات.
وإن كان هروب منتصر بطل فيلم عاطف الطيب من شيء ملموس: السجن وحكم حتمي بالإعدام، فنحن نهرب من الأسئلة المقلقة، نتجنبها. وتجاه حالات كثيرة، من بينها حالة دومة، نهرب لأوهام أنْ لا فائدة من المعارضة والاحتجاج، لا فائدة من التضامن. أو نهرب لما هو خطر بدوره، قول كلمتين لمجرد إراحة الضمير، وألّا نشعر بأننا قصرنا.
"التطبيع مع السجون إعلان وفاة للمجتمع وللدولة من قبله، إعلانٌ لوفاة الإنسان، ذلك الذي جوهره الحريّة، وما نراه اليوم من غليان إقليمي ليس إلا القشرة الخارجية؛ أمّا الجمر الحقيقي فهو يتقد تحت بُرش المعتقل وفي عيون أطفال المغيّبين تمامًا كما اتّقد قبلها في سجن غزّة وفي عيون أطفال مخيّماتها".
لعبة الهروب لها أبعاد مختلفة. أساسها ألَّا نسأل: لماذا أحمد دومة تحديدًا؟ لماذا علاء عبد الفتاح؟ لماذا محمد عادل؟ لماذا زياد العليمي؟ هل لأن هؤلاء وغيرهم لم يتماهوا مع دور "العبرة" الذي أرادت لهم الدولة أن يلعبوه؟ أن يكون الشخص الذي يُنكّل به نموذجًا، نرى ظلالًا من ذواتنا فيه، فنرتعب.
ربما لأنه أحمد دومة تحديدًا، لأنه خارج من السجون المختلفة التي قضى فيها أغلب أعوام حياته منذ الثورة. ربما لأنه ملاحقٌ وملعونٌ مثل منتصر، وإن كان في ملاعب أخرى. إنه ما يطمئننا، فلن يطالني أو يطال من يشبهونني من كتاب المقالات الدورية هذا العقاب، فلسنا أحمد دومة الملاحق/الملعون.
لكنَّ الاطمئنان في هذه الحالة يحمل في طياته الرعب؛ إدراك أن الدولة، هذا الشيء المهول، المستحيل رؤية أبعاده، تستطيع التحرك من أجل التنكيل بمواطن، بفرد، فيما تتغافل عن الأفعال المماثلة من آخرين. فيصبح الرعب هنا مدعاة للحذر: احذر من أن تكون أحمد دومة.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.

