تصميم أحمد بلال، المنصة، 2024
لا تفرض الجمعية فائدة مرتفعة مثل المفروضة على قروض البنوك في الوقت الراهن. يونيو 2024.

فائدة المركزي في زمن الحرب.. ما الذي يحسم القرار؟

منشور الثلاثاء 19 أيار/مايو 2026

توقعات أسعار الفائدة ليست حديثًا نخبويًا يخص الاقتصاديين وحدهم، إنما تمس مصالح الملايين، بدءًا من أصحاب القروض الاستهلاكية إلى المتضررين من التضخم.

يتفق أغلب المحللين على أن البنك المركزي يتجه لتثبيت أسعار الفائدة خلال اجتماعه المقبل يوم الخميس 21 مايو/أيار، لكنهم يختلفون على توقعات الفائدة في ما تبقى من العام في ظل لا يقين تفرضه الحرب الأمريكية على إيران.

ربما شهدت لجنة السياسات النقدية بالمركزي نقاشًا محتدمًا خلال الأيام الماضية، إذ أربكت الحرب خطة التيسير النقدي، وليس هناك أدل على ذلك من تعديل المركزي لتوقعاته للتضخم في أعقاب الحرب، فإلى أين تسير الفائدة خلال 2026؟ 

إجماع على التثبيت

في الظروفِ الطبيعيةِ، كان مفترضًا أن يستأنف البنك المركزي هذا الشهر مسارَ خفض الفائدة، المعروف بالتيسير النقدي، لكنْ من المتوقع أن يكرر قراره الذي اتخذه بالتثبيت في ثاني شهور الحرب على إيران، أبريل/نيسان الماضي، خلال اجتماعه المقبل يوم 21 مايو/أيار.

وتحتم الظروف الحالية وتداعيات الحرب ومخاطر ارتفاع التضخم تجميد دورة الخفض، كما تؤكد محللة الاقتصاد الكلي بشركة ثاندر لتداول الأوراق المالية إسراء أحمد لـ المنصة.

بدأ البنك المركزي مسار التيسير النقدي في أبريل 2025 لخفض الفائدة من مستوياتها بالغة الارتفاع التي وصلت لها في العامين السابقين، والتي رفعت بقوة تكاليف التمويل على قطاعات واسعة بدءًا من المستهلكين إلى القطاع الصناعي.

برأي رئيسة قسم البحوث بشركة زيلا كابتال، آية زهير، تقدم قراءةُ التضخم لشهر أبريل دعمًا إضافيًا لنهج الترقب والانتظار الذي يتبناه البنك المركزي المصري، والذي أشار إليه في آخر اجتماع للجنة السياسة النقدية.

واتجه التضخم للانخفاض في أبريل، بالرغم من الضغوط التي فرضها استمرار الحرب الأمريكية على إيران للشهر الثاني، مخالفًا بذلك توقعات المحللين بارتفاعه. ويستخدم "المركزي" أسعار الفائدة في تعاملاته مع البنوك أداةً للتحكم في التضخم ضمن ما يعرف بأدوات السياسة النقدية.

ويؤكد الخبير الاقتصادي مصطفى شفيع لـ المنصة أن البنك المركزي لا يواجه ضغوطًا تدفعه لخفض الفائدة بشكل متسرع خلال مايو بعد ما ظهر من انخفاض التضخم في أبريل، فهو لا يزال يمتلك وقتًا للحكم على مسار التضخم في ظل الظروف المتقلبة الراهنة.

يشير شفيع إلى أن البنك المركزي يراهن على عامل الوقت، فلا تزال أمام لجنة السياسة النقدية عدة اجتماعات خلال العام، ما يمنحها مساحةً لمراقبة تطورات الأسعار قبل اتخاذ أي قرارات جديدة بشأن الفائدة.

سيناريوهات رفع الفائدة

لا تتعارض توقعات تثبيت الفائدة خلال مايو مع احتمالات عكس اتجاه التيسير ورفعها في ما تبقى من العام، فلا تستبعد إسراء أحمد رفع الفائدة  إذا تعقدت الأوضاع أكثر، سواء فيما يتعلق بالتضخم أو سوق الصرف أو استمرار التوترات الجيوسياسية لفترة أطول.

ولم يتوصل الجانبان الأمريكي والإيراني إلى اتفاق لوقف الحرب الممتدة منذ نهاية فبراير/شباط الماضي، ما يزيد من أجواء اللايقين حول مستقبل أسعار السلع العالمية، خصوصًا المواد البترولية والأسمدة التي تعبر نسبةً كبيرةً منها عبر مضيق هرمز، الذي تفرض إيران سيطرتها عليه منذ بداية الحرب.

ورغم أن المركزي يملك مساحةً للإبقاء على أسعار الفائدة الحالية بفضل عدم استجابة التضخم بقوة لضغوط الحرب، فإنه قد يضطر لرفع الفائدة خلال العام حال زيادة الضغوط التضخمية، كما تؤكد آية زهير.

رفع البنك المركزي تقديرات متوسط التضخم خلال 2026 إلى 16 - 17% بدلًا من 11%

"أسعار الفائدة الحقيقية حاليًا عند مستويات مريحة نسبيًا، تُقدر بحوالي 4.5% وفقًا لتضخم أبريل. لكن أي زيادات جديدة في أسعار الوقود قد تؤدي إلى تآكل الفائدة الحقيقية لتقترب من مستوى 1-2%، وهو ما قد يدفع البنك المركزي لإعادة النظر في موقفه النقدي"، تقول آية لـ المنصة.

واضطرت الحكومة لتطبيق زيادة مفاجئة في أسعار الوقود في مارس/آذار الماضي مع صعود السعر العالمي لخام برنت إلى مستويات فوق 100 دولار للبرميل، ويرجح خبراء احتمال تطبيق زيادات جديدة خلال الفترة المقبلة مع توقعات صعوبة عودة سعر برنت لمستويات ما قبل الحرب.

ولا يبدو البنك المركزي بعيدًا عن التوقعات القلقة بشأن مستقبل ضغوط الأسعار، إذ عدل من رؤيته لمتوسط التضخم في 2026 قبل أيام، من خلال تقرير السياسة النقدية للربع الأول من 2026، ورفع التقديرات لمتوسط 16 - 17% بدلًا من 11% التي كان يتوقعها قبل الحرب.

السياسة النقدية غير الرسمية 

ربما يكون هناك طريق بديل يجنب المركزي رفع الفائدة في أجواء الحرب، وهو توجيه البنوك الحكومية بشكل غير معلن لرفع العائد على شهادات الاستثمار، ومن ثم تمتص تلك الشهادات السيولةَ في السوق، وتحد من الآثار التضخمية للحرب.

تعرف هذه الطريقة بمسمى "السياسة النقدية غير الرسمية أو التشديد النقدي غير رسمي"، كما يوضح محلل الاقتصاد الكلي في شركة مباشر إبراهيم عادل لـ المنصة.

يريد البنك المركزي ضربَ عصفورين بحجرٍ واحدٍ بتوجيه البنوك الحكومية لرفع عائد الشهادات

ويرجح أن تلك السياسة دخلت حيز التطبيق بالفعل عندما قرر بنكا الأهلي ومصر، الشهر الماضي، رفع أسعار العائد على الشهادات الادخارية لثلاث سنوات (البلاتينية والقمة) لتصبح 17.25% بدلًا من 16%.

"المركزي بيضرب عصفورين بحجر"؛ يلفت عادل إلى أن هذه السياسة ستجنب البنك رفع أسعار العائد لديه، ما يقود بالتبعية لرفع العائد على الديون الحكومية وزيادة عبء الدين العام.

احتمالات محدودة للخفض

في مقابل التوقعات السابقة، يضع رئيس البحوث بشركة بايونيرز لتداول الأوراق المالية عبد الحميد إمام احتمالًا باستئناف التيسير النقدي خلال العام الحالي، وإن كانت نسبتُه لا تتعدى 30%، ويظل مرهونًا بتحسن الأوضاع الخارجية وتراجع أسعار الطاقة عالميًا.

بينما ينبه إبراهيم عادل إلى أن خفض الفائدة في ظل الضغوط المتوقعة في 2026 لن يكون قرارًا سهلًا، وذلك لأنه يؤثر مباشرةً على شهية المستثمرين الأجانب تجاه أدوات الدين المحلية.

وتعتمد مصر بشكل كبير على تدفقات النقد الأجنبي القادمة في صورة استثمارات بأدوات الدين المحلي، المعروفة بالأموال الساخنة، التي وصلت قيمتها إلى 2.5 تريليون جنيه حتى يناير/كانون الثاني الماضي. ويساهم خروجها المفاجئ من السوق المصرية في اضطرابات عنيفة لسعر الصرف، آخرها خلال الحرب الإيرانية إذ صعدت بسعر صرف الدولار إلى مستوى 54 جنيهًا.

يحذر عادل من أنه مع استمرار توقعات بقاء التضخم عند مستويات مرتفعة، قد يؤدي استئناف دورة التيسير النقدي إلى إضعاف العوائد الحقيقية وتقليص شهية المستثمرين الأجانب تجاه أدوات الدين الحكومية المصرية، في ظل ارتفاع أسعار الفائدة العالمية.

قد يكون تثبيت الفائدة سيد الموقف، ليس فقط هذا الشهر لكن لبقية العام، وسط اقتصاد يكافح بيئة دولية تتسم بعدم اليقين، مرهونةً بما سيقرره ترامب والنظام الإيراني لهذه الحرب.