الأثر السلبي لارتفاع الفائدة.. قطاع الأعمال تحت حصار الديون وتكلفة التمويل
في تعليقها على الجدل الواسع حول تراكم مديونية بـ40 مليار جنيه على رجل الأعمال محمد الخشن، قالت شركة إيفرجرو للأسمدة التي يترأسها، في بيان لها هذا الأسبوع، إن أصل مديونياتها الحالية كان 11.8 مليار جنيه في 2021، وتصاعد لأسباب متعددة، على رأسها ارتفاع أسعار الفائدة خلال السنوات الماضية.
بيان شركة محمد الخشن - إن صحَّ- يجعلها ليست الحالة الوحيدة، إذ تعكس نتائج الأعمال الأخيرة ارتفاعًا مستمرًا في الأعباء التمويلية على شركات من قطاعات مختلفة بالرغم من بدء البنك المركزي خفض الفائدة منذ النصف الأول من 2025.
وبينما كانت التحليلات تذهب باتجاه أن يخفف التيسير النقدي من العبء التمويلي على الشركات هذا العام، فإن الحرب الحالية على إيران تدفع نحو عودة الضغوط التضخمية ما قد يؤدي لتباطؤ وتيرة خفض أسعار الفائدة في 2026.
ديون هائلة
في بيانها الأخير، أرجعت إيفرجرو للأسمدة أسباب تفاقم مديونيتها إلى ارتفاع سعر صرف الدولار، الذي يرفع من قيمة الديون الدولارية، إضافة إلى الأزمات التي شهدتها مصر خلال السنوات الأخيرة من كورونا إلى حروب المنطقة.
بجانب العوامل السابقة نوهت الشركة لـ"زيادة نسبة الفوائد البنكية على الدولار من 5.5% إلى 10.5%، وزيادة الفوائد البنكية المطبقة على الجنيه المصري من 8% إلى 30% تقريبًا" في إشارة إلى تأثير سياسات التشديد النقدي خلال السنوات الأخيرة على مفاقمة المديونية.
وتلقي أي زيادة في سعر الفائدة بأعبائها السلبية على الشركات والقطاعات التي تعتمد على الاقتراض، ويوضح مصطفى شفيع، مدير إدارة البحوث المالية في شركة أكيومن لإدارة الأصول لـ المنصة أن معظم الشركات تقترض بأسعار فائدة متغيرة ارتفعت خلال السنوات الماضية من نحو 10% إلى أكثر من 30%.
وبدأ البنك المركزي في رفع أسعار الفائدة بقوة منذ 2022 لاحتواء معدلات التضخم المتفاقمة، وبلغت فائدة الإقراض ذروتها في مارس/آذار 2024 عند 28.25%، وهو ما انعكس أعباء تمويلية على الشركات، حيث كشفت البيانات المالية الأخيرة عن مديونيات ضخمة، وبينما تشير تقارير إلى أن ديون حديد عز زادت بأكثر من الضعف في 2025 لتصل إلى 45.1 مليار جنيه، اضطرت شركة القلعة في 2024 لإعادة هيكلة ديون بـ4.5 مليار جنيه لتخفيف أعبائها.
مع ذلك "يظل العامل الأكثر ضغطًا على نتائج الشركة هو تكلفة التمويل، التي بلغت 7.5 مليار جنيه خلال تسعة أشهر من 2025، وهو رقم يعكس عبئًا كبيرًا على هيكل الربحية"، كما يشرح مصطفي أمين المحلل المالي بشركة برايم لتداول الأوراق المالية لـ المنصة.
نتائج 2025.. العبء مستمر
بجانب تراكم المديونية، زادت المصروفات التمويلية لدى بعض الشركات بشكل لافت خلال 2025، بالرغم من اتجاه البنك المركزي لخفض أسعار الفائدة منذ أبريل من هذا العام بـ7.25%، فيما يعرف بسياسات التيسير النقدي.
وعكست نتائج أعمال شركة جهينة للصناعات الغذائية عن العام الماضي واحدًا من الأمثلة الواضحة على ذلك، حيث ارتفعت مصروفاتها التمويلية إلى 1.169 مليار جنيه بنهاية 2025، مقابل 596.4 مليون جنيه في 2024.
وجاءت زيادة الإنفاق على فوائد القروض ضمن الأسباب الرئيسية لتراجع صافي أرباح شركة جهينة في هذا العام بنحو 30.1% على أساس سنوي لتصل إلى 1.9 مليار جنيه، حسب محللين متخصصين في متابعة الشركة.
ويشير مصطفى أمين إلى أن هذا التراجع في أرباح جهينة لن يرتبط بشكل رئيسي بضعف الطلب، بقدر ما يعود إلى ارتفاع التكاليف التمويلية وزيادة المصروفات التشغيلية، رغم استمرار الأداء الجيد للمبيعات.
يشرح أمين أن تطلعات جهينة للتوسع في قدراتها الإنتاجية تزامنت من أجواء التشديد النقدي، ما ساهم في ارتفاع مصروفات التمويل؛ "الشركة نفذت إنفاقًا رأسماليًا كبيرًا بنحو 2.9 مليار جنيه خلال 2025، بهدف توسيع أسطول النقل وتحسين الكفاءة التشغيلية وتطوير المصانع ورفع جودة الإنتاج".
وتتكرر حالات ارتفاع المصروفات التمويلية في العام الماضي مع عدد من الشركات مثل مجموعة طلعت مصطفى التي زادت هذه المصروفات لديها في 2025 إلى 3.9 مليار جنيه مقابل 1.3 مليار في العام السابق، لكن الشركة استطاعت الحفاظ على نمو أرباحها التي زادت 43% في 2025.
في المقابل زادت المصروفات التمويلية لشركة مصر لإنتاج الأسمدة (موبكو) إلى 89.8 مليون جنيه مقابل 52.4 مليون جنيه في 2024، ولم تستطع الحفاظ على نمو أرباحها حيث تراجعت في نفس الفترة بنحو 25%.
"لا تعمل آلية انتقال السياسة النقدية بكفاءة"؛ تقول محللة الاقتصاد الكلي بشركة ثاندر لتداول الأوراق المالية آلاء أحمد لـ المنصة في إشارة إلى أن خفض المركزي لأسعار الفائدة لا ينعكس سريعًا أو بقوة على تكلفة الاقتراض الفعلية في السوق.
تشبّه آلاء ذلك بالضغط على فرامل سيارة لكنها لا تتوقف فورًا، حيث يحتاج الأمر وقتًا طويلًا حتى يصل أثر سياسات المركزي إلى الشركات والأفراد.
حالات التعثر لا تزال محدودة
تطمئننا الخبيرة المصرفية سهر الدماطي لأن ضغوط رفع الفائدة لم تتفاقم إلى حد انتشار حالات إفلاس الشركات، حيث لم يظهر أثر التشديد النقدي الذي بدأ منذ عام 2022 إلا بشكل محدود على حالات فردية، ولم تتجاوز نسبة التعثر في مصر 2% إلى 3% من إجمالي المحافظ الائتمانية، وهي نسبة "طبيعية" في العمل المصرفي".
وتؤكد على أن "التشديد النقدي لم يكن بدون تكلفة، لكنه أيضّا إجراء ضروري لتجنب تكلفة أكبر قد يدفعها الاقتصاد بالكامل، لا شركات بعينها فقط، في إشارة لضرورة احتواء معدلات التضخم المرتفعة.
وعن تأخر ظهور آثار التيسير النقدي على الشركات، تقول سهر الدماطي لـ المنصة إنها "عملية تدريجية بطبيعتها، فتأثير خفض الفائدة لا يظهر فورًا، بل يحتاج وقتًا لينعكس على تكلفة التمويل والنشاط الاقتصادي".
بينما يرى مصطفى شفيع أن معدلات الفائدة الحالية لا تزال ضاغطةً على قطاع الأعمال؛ "الفائدة ما زالت مرتفعة مقارنة بالمستويات الطبيعية التي تتراوح بين 7 و8% مقابل أكثر من 20% حاليًا على مستوى السوق".
حرب إيران .. إحباط جديد
مع غلق مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط، عادت الضغوط التضخمية لتزيد من التوقعات بتبطئة سياسات التيسير النقدي، ويتوقع مينا رفيق، المحلل المالي بشركة برايم لـ المنصة أن تؤثر الضغوط التضخمية الناتجة عن الحرب على قرارات البنك المركزي في الاجتماعات المقبلة، سواء بتثبيت الفائدة أو رفعها.
وتبلغ فائدة الإقراض لدى البنك المركزي حاليًا 20%، ويُعقد اليوم 2 أبريل اجتماعٌ لحسم أسعار الفائدة في ضوء مستجدات الحرب.
لكن أمين يشير إلى أن الأزمة الأخيرة يمكن أن تنطوي في الوقت نفسه على فرص تخفف العبء عن قطاع الأعمال، فمن المتوقع أن يساهم انخفاض قيمة الجنيه أمام الدولار بعد الحرب في تعزيز الوضع التنافسي للصادرات المصرية، ما يفتح الباب لزيادة إيرادات الشركات المصدرة وتعويض ضغوط المصروفات التمويلية.
وارتفع سعر صرف الدولار لمستويات قياسية منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في مارس 2026، مع خروج استثمارات ساخنة من مصر بوتيرة متسارعة والقلق من تأثير الحرب على إيرادات مصر من النقد الأجنبي.
بات كل شيء يتوقف على الحرب، تتمنى آلاء أحمد أن تنتهي سريعًا، ما يساعد الأسواق على استعادة جزء من الزخم، وتخشى أن تطول، فذلك قد يؤدي إلى موجة تضخمية ممتدة، وتأجيل أي خفض إضافي في أسعار الفائدة.