تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
الواجهة الجديدة لـ"الحديقة الدولية" بمدينة نصر.

حياتنا العارية.. التاريخ المؤسف لحيونة الإنسان

منشور الثلاثاء 5 أيار/مايو 2026

البوابة التي تحمل لافتة "حديقة المهرجانات الدولية" لم تزل قائمة في مكانها، ومعها بضعة أمتار من السور الحديد عن يمينها وشمالها، تشير إلى المكان الشهير اختصارًا بـ"الحديقة الدولية" في مدينة نصر، شرق القاهرة. باقي محيط الحديقة احتلته مطاعم ومحال تجارية من جهات ثلاث، لأن الرابعة صودرت، من قَبل، بمول وندر لاند المأسوف على شبابه.

بهذا التدبير "البيزنسي" الحكيم، صارت هناك فرصة للقاء شعبي القطرين (مصر وإيجيبت) في مكان واحد صغير، الأمر الذي يحل عجز المصريين عن السفر إلى الساحل، ويمنح الإيجيبتيين فرصةً لرؤية مصر بعد أن كانوا محاصرين في جغرافيتهم الضيقة بالساحل ومولات التجمع والشيخ زايد.

عبقرية الحديقة/الجاردن

رغم تآكلها، يتوافد الفقراء على الحديقة خصوصًا في الأعياد. ومن جهة أخرى استطاعت المطاعم الجديدة أن تجذب فئات المال الجديد التي استهدفتها، المنجذبة للأنوار الصاخبة كالفضيحة، والواجهات الشفافة لتكون النعمة مرئية، واللافتات الضخمة بالإنجليزية لزوم الوجاهة، وقد نال الزبون ما طلب حتى إن التغريب لم يقتصر على أسماء المطاعم، بل صارت هناك بوابة جديدة اسمها "ذا جاردن".

تصلح الحديقة رمزًا لوحدة الشعبين. المصريون بسيماهم وحركة أجسادهم ونوعية ملابسهم، يغادرون الأوتوبيسات والميكروباصات ويتجهون صوب البوابة، يستقبلهم صفَّان من الباعة يعرضون الترمس والفول السوداني والبالونات من البلاستيك المعاد تدويره. يشتري الزائر كيس الترمس ويمرق إلى ما تبقى من أشجار وعشب خلف المطاعم، حيث يرى جدرانها الخلفية المتقشفة، والجانب المظلم الذي لا يحب الإيجيبتيون أن يروه، مثل خزين احتياجات المطعم من أقفاص الطماطم والكوسة وأجولة البطاطس وكراتين المياه والمشروبات وحاويات القمامة.

انفردت مصر بين دول الشرق والغرب في التنكر للترتيب العالمي للحق في الشارع، بحسب الأضعف فالأقوى

زبائن المطاعم، يتركون سياراتهم في عهدة السياس ويتجهون إلى "ذا جاردن" من أجل غداء أو عشاء، تبدو الصحة وسعة الرزق في الملبس والجسد.

رغم هذا التباين، فالأرض تحت أقدام الجميع واحدة. أكياس البلاستيك تتطاير في الهواء، وتحت القدمين طبقة كثيفة من الأتربة وحفر في الأرض وبقايا خرسانة متكلسة، وفوق هذا خطورة مناورات الموتوسيكلات والسيارات والحافلات.

عندما عصف تطوير العنوة بالمكان، أزيلت أرصفة المشاة؛ فلم يبقَ من رصيف الحديقة الذي كان المتريضون يستخدمونه في السابق سوى أقل من متر، يكفي بالكاد لتدعيم السور وليس للاستخدام الآدمي. وقبل أن تنتهي مرحلة إنشاء المطاعم كانت الحواجز الحديدية والسلاسل قد وضعت واتخذ السُيَّاس أماكنهم، بما يكشف عن استراتيجية تحويل الشارع إلى ساحة انتظار، وليس توسعة لوظيفته الأساسية، وهي عبور السيارات. وقد انفردت مصر بين دول الشرق والغرب في التنكر للترتيب العالمي للحق في الشارع، بحسب الأضعف فالأقوى، أي الأولوية للمشاة ثم راكب النقل العام ثم السيارة، وذهبت للفئة الأخيرة مباشرة!

رسوم نظافة الشعبين

صورة متداولة على فيسبوك لأعمال هدم في الحديقة الدولية بمدينة نصر، القاهرة

اتسع المشهد لجيفة قطة ماتت في عمر الزهور ولم يكرمها أحد بالدفن. ومن الوارد أن يدهسها سهوًا كوتشي صيني ثمنه ثلاثمائة جنيه أو حذاء بكعب عالٍ ثمنه مائة ألف جنيه. ويمكن أن تعلق بها حاشية ثوب بالة من الوكالة ثمنه مائة جنيه أو فستان بعشرات الآلاف.

ما يدعو للتأمل، أن العابرين من بوابة المهرجانات والعابرين من بوابة "ذا جاردن" والباعة الذين يستهدفون الطرفين وقادة الموتوسيكلات جميعهم يدفعون للحكومة إجباريًّا رسوم نظافة في فاتورة الكهرباء، ولا أحد من الشعبين يعرف أين تذهب هذه الرسوم، علمًا بأن وجود الرصيف الآمن النظيف ليس سوى ملمح واحد مما يُسمى جودة الحياة التي يعيشها الناس في بلد ما، وهو معيار لا غنى عنه للفقير والغني. الملياردير الذي يمتلك طائرة تحت تصرفه يحتاج إلى شارع جيد يصل عبره إلى المطار.

تتسع معايير الحياة الجيدة لتشمل العديد من المبادئ، بينها عدد ساعات العمل الكافية للإنسان كي يعيش إنسانًا (ولم نعد نتذكر هذا أبدًا) ووجود التعليم المجاني، والتأمين الصحي الحقيقي، ومستوى الأمن العام وحياد الدولة وقدرتها على أن تكون حكمًا موثوقًا من خلال قوانين واضحة وأدوات تطبيق نزيهة، وتحقيق أمن المرأة والفئات الضعيفة، والحقوق السياسية للجميع.

تركنا كل هذا وراء ظهورنا، وصار الرغيف قضيتنا. وأقصد بنون الإشارة هنا، جميع الفرقاء على الأرض التي تُسمى مصر بحدودها المميزة تاريخيًّا: المواطن الغني والفقير، النظام، ومنظومة الأمنعلام التي تتولى ترويض المواطن.

الرغيف قضيتنا الكبرى

الخبز، شيء بديهي في شرق العالم وغربه، لكنه قضية كبيرة في مصر وحدها، والأمر لم يبدأ في العقدين الأكثر حزنًا، بل منذ فجر سلطة يوليو. وزرع القلق على الرغيف بدأه خالد الذكر نفسه. لكننا لم ننتبه، لأننا شعب يحب ويغفر لمن يحب.

كانت صيحة ناصر في ميدان المنشية "أنا علمتكم العزة، علمتكم الكرامة" أسوأ إهانة تلقاها المصريون في تاريخهم الحديث، لأنها تهيل التراب على كفاحهم، منذ بداية القرن التاسع عشر على الأقل، عندما فرضت ثورتهم على الإمبراطورية العثمانية تعيين محمد علي واليًا، مرورًا بالثورة التي خلقت مصرية مصر في 1919.

كان على الزعيم أن يأتي بالكرامة والخبز لهذا الشعب العاطل. ومن يراجع خطابات ناصر اليوم سيكتشف أن جلب الكرامة كان أسهل من توفير الخبز، للأمانة لم تكن لناصر نظرة الكراهية للشعب العالة. كان الأب المهموم يشكو لأبنائه أن الدولة توفر التعليم والوظيفة واللحمة. قال ناصر "إحنا بنتعامل مع 8 دول عشان نجيب لكم اللحمة واحنا بلد لا يمكن يكتفي ذاتيًّا" ما المعجزة في استيراد ما ينقصنا؟ ومن الذي قرر أننا لا يمكن أن نكتفي ذاتيًا بهذه البساطة؟


مراجعة خطابات السادات تجعلنا نكتشف "الغل" في سجالاته، لكنه لم يستهدف كل المصريين. في خطابه حول ثورة الخبز عام 1977 حرص على تصوير الشعب في جانب والحرامية والشيوعيين المغرضين في جانب آخر، منكرًا الصعوبات التي أوجدت الثورة. وفي 1981 وبخ وزراءه علنًا واتخذ قراره الدراماتيكي بمنع بيع اللحوم، معتبرًا أن الأزمة مصطنعة من التجار وليس الشيوعيين هذه المرة.

ومع مبارك عرف التبسيط السياسي مجده، وصارح الأب أبناءه في خطابات المصطبة أن الرغيف يأتي من الخارج وأنه يبني صداقات ويدخرها لوقت الحاجة. "أرفع التليفون على الرئيس الفرنساوي أقول له إزيك وأنا مش عاوز حاجة، بس هحتاجه" ويشرح للمواطن كيف "زرجن مع البنك الدولي" والبنك "زرجن معاه" وفي الآخر انصاع، لأنه تمسك بموقفه رافضًا أن يقتل الفقراء بتخفيض العملة 30% مرة واحدة.

أن يكون الرغيف معيارًا للحياة وشاغلًا أبديًا أمر مخجل، يرد الإنسان إلى حاجاته البيولوجية المحضة

بدا رغيفنا مرهونًا بالخارج بشكل أوضح لكنه أمر مفاوضة وليس أمر تسول ولم يقل "مش قادر" وكانت هناك ثروات تتوحش تحت عيني الرئيس المهموم برغيف الشعب العالة. وللمفارقة فقد صارت خطابات المصطبة المباركية حجة على الوضع الحالي، يتداولها النشطاء الآن.

أن يكون الرغيف معيارًا للحياة وشاغلًا أبديًا أمر مخجل، يرد الإنسان إلى حاجاته البيولوجية المحضة، وأن يكون معيارًا في بلد فيه هذا العدد من مليارديرات الظاهر والباطن فهو الغش بعينه. وقد نحت الفيلسوف الإيطالي جورجيو أجامبن مصطلح الحياة العارية ويعني به الحياة في حدها الأدنى كالحيوان، دون أن يتمتع الفرد بحقوق سياسية أو قيمة اجتماعية أو اعتراف قانوني، ويمكن العدوان على حياته وهدرها دون اهتمام.

كم حادث انتحار مفجع مر بنا خلال الشهر الماضي فقط ومضى دون أن يتوقف أمامه أحد باعتباره هدرًا للحياة يجب معرفة المتسبب فيه.

لنتخيل صورتنا من فوق

لنتخيل مراقبًا من الخارج تفرغ لمتابعة مصر خلال شهر أبريل/نيسان فقط. هل يمكن أن يستعيد في مايو/أيَّار حالته العقلية التي كان عليها في مارس/آذار؟

ضياء رشوان في المؤتمر الصحفي لمجلس أمناء الحوار الوطني، أرشيفية

استبقت الحكومة الأطراف المتحاربة في الخليج وأعلنت عن تقشف بسبب الحرب، ووعدت بالمزيد، وأعلنت في الوقت نفسه عن تدشين مدينة جديدة عملاقة، ومضت ترفع ترام الرمل عنوة لإحلال آخر مكانه على كباري ومحطات نازلة السلالم، وصدرت عن مسؤول في الدولة، مقارنة بين عدد أرغفة "خبز الباجيت" التي يوفرها الحد الأدنى للأجور في فرنسا وعدد أرغفة العيش البلدي بالبطاقة التي يتيحها الحد الأدنى للأجور في مصر.

بوسعنا غض الطرف عن إغفال الحديث عن الحد الأدنى للمعاشات. وكان من الواجب تذكر المحالين للتقاعد بحد أدنى مخجل، وهم يحيون بالخبز أيضًا.

تبدو المقارنة وليدة متلازمة الرغيف التاريخية، لكنها عجيبة؛ فالفرنسي لا يحتاج الخبز إلا كزينة على المائدة بسبب وفرة الغموس. ولو وقع رغيف الباجيت في يد المصري صاحب الحد الأدنى من الرواتب لاستخدمه غموسًا للرغيف البلدي!

وقد نال ضياء رشوان ما لا أرضاه له من تعليقات مستخدمي السوشيال ميديا. لكنني في الوقت نفسه لا أستطيع أن أخفي ذهولي من تصريحه، لأن الرجل قبل كل شيء باحث استراتيجي في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، وهذه لافتة وازنة لا يمكن لمن وقف عمره تحتها أن يلجأ إلى العامية السياسية الرائجة.

هناك تصريحات كثيرة لوزراء ونجوم أمنعلام قليلي الشأن استخدمت أسلوب المقارنات القاصرة، لكن المقبول من هؤلاء ليس مقبولًا من مثقف.

المترو مقيّمًا بالبيض

في 2017 اختار هشام عرفات، وزير النقل السابق، تقييم تذكرة المترو بين باريس والقاهرة بالبيض. وتوصل إلى أن تذكرة مترو القاهرة تساوي ثمن بيضة ونصف، بينما تذكرة مترو باريس بسبع بيضات!

لو أردنا مقارنة أمينة من داخل قطاع النقل نفسه، ينبغي أن نخبر الناس بالتفاصيل الأخرى في فرنسا وأوروبا. في كل تلك البلاد شبكة النقل العام كثيفة تغطي المدن بالكامل والتذكرة صالحة للاستخدام خلال مدى زمني وفي أكثر من وسيلة، و هناك فئات مستثناة من دفع البيضات السبع كطلاب المدارس والمتقاعدين.

وبخلاف ذلك تضع بريطانيا، وربما دول أخرى حدًا أقصى لما يجب أن يدفعه المواطن للمواصلات العامة. لذلك يجب على الراكب استخدام كارت ائتماني واحد، لأن ذلك يتيح معرفة إجمالي ما يدفعه في الأسبوع، حيث ترد شركة النقل المبلغ الزائد عن الحد الأقصى إلى حسابه. واختصارًا لهذه التفاصيل، فمتوسط ما ينفقه الأوروبي في النقل العام يتراوح بين 2.5% و3% من دخله.

 كل مقارنة بين بلد وبلد يجب أن تضع في اعتبارها القوة الشرائية للعملة في بلدها، ونوعية الحياة التي يحصل عليها المواطن في البلدين

في المقابل لا تمتد تذكرة المترو المصري لوسائل أخرى، وتلاميذ المدارس غير معفيين، فإذا كانت عائلة من أربعة أفراد تتحرك ويستخدم كل منهم أكثر من مواصلة فإن الفرد من هذه الأسرة يدفع بيضة ونصف في المترو مع أربع بيضات في الميني باص، ما يعني أن الأسرة قد تدفع كرتونة بيض يوميًّا.

لا توجد لدينا إحصائيات لما ينفقه المصري صاحب الدخل الأدنى على مواصلاته، لكننا نحسبها بالبلدي: 30 جنيهًا ذهابًا ومثلها عودة أي 60 جنيهًا، في خمسة أيام عمل في الأسبوع يكون الموظف قد دفع انتقالًا لنفسه فقط بواقع 1200 شهريًا، وهو ما يوازي 17% وكسور لرب العائلة وحده، بدون حساب انتقالات أبنائه القُصَّر.

الخلاصة أن كل مقارنة بين بلد وبلد يجب أن تضع في اعتبارها القوة الشرائية للعملة في بلدها، ونوعية الحياة التي يحصل عليها المواطن في البلدين. لا يمكن أن نعزل سعر تذكرة المترو وحدها أو الخبز وحده ونغفل أن الفرنسي لا يدفع علاجًا ولا تكاليف تعليم أولاده حتى الثانوية، وعندما يتقدمون للجامعة لديهم فرصة للعمل بجانب الدراسة، ورسوم الجامعة تتراوح بين 175 إلى 600 يورو سنويًا، وأمامه شاطئا نهر السين والحدائق والغابات، فلا يضطر لدفع تذكرة في ممشى "أهل فرنسا" لكي يتريض أو يرى النهر، بخلاف الفعاليات الثقافية المجانية والمتاحف وأيام التخفيض في المسارح.

حصار المواطن في مربع "الحياة العارية" سلوك سياسي يفتقر إلى النزاهة ويضر بصورة الفرد في بلده وبالقدر نفسه يضر بصورة الدولة في الإقليم والعالم. والإيهام بأن القروض والمساعدات تأتي من أجل الرغيف عمل يجافي الحقيقة، لأن معظمها يأتي موجهًا إلى مشروعات بعينها، والكثير منها مبالغات عمرانية محل جدل، بينما يكرر المواطن دفع ضرائبه مرة في شكل ضرائب ومرة في شكل صدقات توجه لأبواب هي من صميم عمل الدولة.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.