بين الزنزانة والحبسخانة.. طُرف من أيام محاكمة عبد الخالق فاروق
في أيام انعقاد جلسات محاكمة الخبير الاقتصادي المرموق عبد الخالق فاروق استئنافيًا كنت أراه. أذهب صبحًا مع بعض أصدقائه ومحاميه، لكنهم يضعونه دومًا في رقم متأخر بجدول من ينظر القضاة في أمرهم (الرول)، مرة رقم 248، وأخرى 219 ، والثالثة كانت 245، وهكذا.
نسأل عنه بعض أمناء الشرطة، ممن نعرف أنهم أتوا من سجن العاشر من رمضان، فيقولون: موجود تحت في الحبسخانة. لا يصعدون به مقيدًا إلا قُبيل موعد جلسته. نسرع نحوه، لكن الضابط يشير إلينا بالابتعاد، فالاقتراب من سجين سياسي أمر قد يضعه محل مساءلة.
نتغافل عن أمره ونقترب من سجيننا، فيشير إلينا، وحين يدخلون به من باب القاعة، تكون هناك فرصة لمصافحته سريعًا. أفعل هذا وأنا أقول للضابط "هذا فعل إنساني لا يوجد قانون يحول دونه". يتغاضى قليلًا، وهو يتمتم بكلمات لا نسمعها، ثم يعلو صوته: لو سمحتم، ممنوع.
مناورات اللقاء الخاطف
في الجلسات الثلاث كانوا يأخذونه إلى غرفة المداولة، ولا يُسمح بدخولها إلا لمحاميه، فننتظره مع من تبقى من أصحاب القضايا، جنايات متعددة من جرائم وجنح ومخالفات، وهو وحده في هذه الجلسة المحبوس على ذمة الرأي والسياسة.
وحين يُخرجونه بعد تداول أمره، لا يكون هذا من باب القاعة، إنما من باب غرفة المداولة، فنهرول إليها لنراه وهو ينسحب معهم، مقيدة يمناه في يسرى أمين شرطة، نحدثه ونحن نمشي خلف جمع يأخذه إلى السجن من جديد، وعند أول درجة في السلم الهابط، حيث عربة الترحيلات التي دار محركها في فناء المحكمة، يستدير الضابط، ويقول لنا في حسم: كفى، توقفوا هنا، لو سمحتم.
في مرة رابعة أدخلوه القفص الحديدي، مع الجنائيين، على اختلاف أعمارهم وقضاياهم. كانت فرصة لأستمع إليه. جلست في آخر مقعد، أمام القفص تمامًا، ونظرت إلى رجل كان يقف خلفي، وقلت له: لو سمحت بدل مكانك مع عبد الخالق.
امتثل الرجل، فقلت سريعًا لسجيننا بعد أن صار واقفًا خلفي تمامًا: تكلم لأسمعك.
قال كلامًا كثيرًا عن تصوره لمجرى القضية، التي كان قد قضى حكمها الابتدائي بسجنه خمس سنوات، بتهمة "نشر أخبار كاذبة"، ورأيته يتوقع تثبيت الحكم في الاستئناف. وكنت أشاطره التوقع، لكن نطقي خالف معتقدي، فقلت له: تفاءل، فربما يُخفف الحكم، أو تُبرأ.
ثم سألته عن أحواله الصحية، فقال عبارته التي لا تزال جاثمة على صدري: أنا أموت ببطء.
قلبٌ يقاوم
أدركت وقتها أن ثباته لا يُهديه إليه جسده المنهك، المسكون بأمراض مزمنة طالت رجلًا يقترب عمره من السبعين، إنما هي إرادته الصلبة، وإدراكه العميق لما يحيط به، وما استطاعه من ترويض منتظم لأيام الحبس القاسية.
كان المحامون قد اتفقوا على رد المحكمة، ورغم أن بعضهم استبعد أن يُفضي هذا الإجراء إلى شيء، لكننا اعتبرناه سبيلًا لإطالة أيام محاكمته، لن يصنع لنا سوى بعض فرص قليلة أو حتى فرصة واحدة لرؤياه. فزيارته في السجن لا تتاح إلا لأقربائه من الدرجة الأولى، وإن سُمح لغيرهم بزيارته، بعد الحصول على إذن النيابة، فإن هذا سيُخصم من حق القريب في الزيارة.
هذا القريب هو زوجته، فابناه هاجرا خارج مصر، وهي تَعُد الثواني في انتظار لقائه، آخذةً له بعض ما يُؤكل ويُلبس، ويُطلق عليه في السجن "الطبلية"، ولأن لهفتها أكبر من أن تصمد أمامها رغبة أي منا في زيارته، فنحن نتغاضى عن طلب الزيارة، مكتفين بطلّات أيام المحاكمة، وهي سريعة عجلى، والكلمات المتبادلة خلالها متناثرة، لا تُشكّل معنى مستقرًا أو تجلب طمأنينة، بل تثير قلقًا شديدًا.
يحدوني أمل عريض أن يأتي حكم النقض لصالحه، أو يصدر عفو رئاسي، فموته في سجنه سيكون خطأً كبيرًا
في إحدى الجلسات أدخلوه القفص، فانحشر مع أجساد الواقفين، الكتف في الكتف، والقدم في القدم، ولم تكن صلاة، إنما انتظار جلوس القضاة على المنصة. تزاحم حوله المتهمون، عن اليمين واليسار، من الخلف والأمام، فشعر باختناق شديد، تحامل بعض الوقت بأنفاس مبهورة، لكنه لم يقدر، فما إن جلس القضاة مكانهم، حتى قال بصوت جهوري، سكت له كل الحاضرين: أنا أكاد أختنق.
عندها هرع المحامون إلى المنصة، ليستأذنوا القضاة في أن يسمحوا بخروجه من القفص، ليشارك الجالسين على قلق جلستهم، فأشار رئيس الجلسة إلى الضابط أن يًُخرجه فخرج، وقتها همس الدكتور عبد الجليل مصطفى في أذني: أنا خائف على عبد الخالق، هذا رأيي كطبيب يعرف جيدًا ما يعانيه الرجل، إن ما بجسده من أمراض يحرمه القدرة على الوقوف طويلًا في القفص، بل البقاء في السجن.
في كل مرة كنا نخطف شيئًا مما هو متاح بكانتين المحكمة لنمده إلى يده، يأخذه منا، بينما حراسه ينظرون إلينا في غيظ. نقول لأنفسنا: حتى لا يعود إلى رفاق الزنزانة بيد فارغة.
أخبرتنا زوجته الفنانة التشكيلية نجلاء سلامة، أنه يوزع ما نعطيه له على رفاقه فعلًا، وقد باتوا ينتظرونه منه، ليس لسد جوع، ولا تفريج كربة، ولا لتسلية وتزجية، إنما لأنه شيء من رائحة بضائع تباع خارج الأسوار، لعلها تحمل أي قدر من حرية، قد يكون عرق أيدي أمسكت به، أو ألوانه التي تختلف عن ألوان ما يباع في السجن، أو غبار الطريق من المحكمة إلى السجن، أو بعض الهواء الطليق.
في المرة الخامسة نظروا أمره سريعًا، وأخرجوه من باب المداولة دون إخباره بالحكم، الذي عرفنا فيما بعد أنه ثبت سنوات السجن الخمس، وهي أقصى عقوبة للتهمة التي علقوها في رقبته. وصلت يومها إلى المحكمة متأخرًا، معتقدًا أن هناك ساعات سأقضيها مع المنتظرين كالعادة حتى يأتوا به ونراه، لكن عند باب المحكمة جاءنا اتصال هاتفي يقول: أخرجوه إلى عربة الترحيلات.
وداعٌ إلى حين
وقفنا أمام الباب الخارجي، وكان موصدًا، تطل أسياخ حديده علينا، متجهمة كوجوه الذين يسحبونه مع شريكه في القيد إلى جوف العربة. رأيناه يهم ليصعد الدرجة الأولى من سلمها الذي طالما وطأته أقدام الضائقين بالسجن، الحالمين بالحرية. ناديت عليه بصوت مرتفع، غير عابئ بأمين شرطة يتقدم نحوي ليبعدني. وصله صوتي، فوقف مكانه، والتفت إليَّ، ونادى اسمى، ثم رفع يسراه ملوحًا لي، فبادلته التلويح، حتى غاب.
وقفنا ننتظر خروج العربة، فخرجت مسرعة، غير ملتفتة إلى لوعة المنتظرين، وكنا نحسب أنه سيطل علينا من شبكتها الحديدية، التي تنشطر لها الوجوه والرؤوس، فتشوه معالم الناظر إلينا، فيرانا كما نراه، وربما يتمكن من رؤية اللهفة الساكنة عيوننا. لكنه لم يُطل. ربما جلس سريعًا يلهث، ليستريح من عبء ساعات قاسية، تمر بين خروجه من الزنزانة وعودته إليها.
هرعت خلف العربة أناديه، لكن صوتي ضاع في زمجرتها، وشحيرها العالي، وعجيج التراب الذي تهيله إطاراتها العريضة. أخذوه لتكون آخر مرة أراه فيها، ولم يعد أمامي من سبيل سوى مهاتفة زوجته كلما زارته، لأطمئن عليه. تحدثني عن ثباته، وإيمانه بأقدار الله، ورفضه لما يقدره البشر ويقررونه.
نتداول في هذه الأيام آراء حول طلب عفو رئاسي عنه، وهو من الناحية القانونية يجب أن يكون لقريب من الدرجة الأولى، فتقول لنا زوجته: أنا لا أكسره. وأقول لها إن العفو الرئاسي لا انكسار فيه، إنما هو حق قانوني ينتظر من يقره، ولا سبيل لرفضه إن صدر. وقد رأيناه مع آخرين، واستملحنا صدوره، ولا نكف عن طلبه لسجناء الرأي والسياسة، لكنها تقول: ننتظر النقض.
قدم محاموه مذكرة النقض طالبين نظرها سريعًا، فالرجل لا تكف الأمراض التي تسكن جسده عن مهاجمته ليل نهار، هو يقاومها، ونحن ندرك أن للمقاومة حدودها، وأن سجنه تبقى منه الآن ثلاث سنوات ونصف، يقول عنها د. عبد الجليل: أطول من أن يتحملها. فأقول له: يحدوني أمل عريض أن يأتي حكم النقض لصالحه، أو يصدر عفو رئاسي عنه عما قريب، فموته في سجنه سيكون خطأً كبيرًا. ويقول أحدنا: ما أصعب أن يفاوض على تفادي الموت.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.

