IMDB
مشهد من فيلم Hunger للمخرج الإنجليزي ستيف مكوين، الذي يناقش إضراب السجناء عن الطعام

جلال البحيري يضرب عن الحياة!

منشور الخميس 1 يونيو 2023 - آخر تحديث الجمعة 2 يونيو 2023

"ضد الحياة الجَبْر.. والسجن القبر.. ضد ألوان حيطان الزنزانات.. ضد منطق الحديد.. ضد إحساس الشمس من خلف القضبان والسلك الحديد.. ضد السُّتْرة الميري والأكل الميري.. ضد النور الوالع 24 ساعة في الزنزانة ميري.. ضد 20 دقيقة في الشهر، الوقت المسموح فيه بالزيارة الميري.. ضد منع الورق والأقلام.. ضد منع الولّاعات.. ضد منع أي لون غير الأبيض.. ضد الأبيض.. ضد 1912 ليلة ما شفتش فيها القمر غير مرة واحدة، صدفة.. ضد كل حلم بيموت مع الوقت.. وبينضم لكل أحلامي المهدورة.. بالحب.. بالبيت.. بتكوين أسرة.. بوجودي جنب أختي الصغيرة في كل خطوة صعبة بتاخدها في بحر الحياة.. برقصتي معاها في ليلتها الكبيرة.. بوجودي جنب أمي وأبويا في وقت ما العمر بينهشهم بشويش..

ضدي أنا، في كل يوم ببتعد من الإنسان اللي جوايا خطوة.. وبتحول لكيان خرساني، في مكان خرساني، بقانون خرساني..

ضد كل دا..

وعشان أحافظ على اللي باقي.. يوم 1 يونيو الجاي .. ح ابدأ إضراب عن الحياة من أجل نيل الحياة".

جلال البحيري


هذا نص رسالة الشاعر جلال البحيري، الذي بدأ إضرابه عن الطعام في الخامس من مارس/آذار الماضي، في الذكرى الخامسة من بداية محبسه. وقد أرسلها في مايو/أيار المنقضي للإعلان عن تصعيده في إضرابه الذي لم يحرك ساكنًا، حتى الآن.

منذ 5 مارس، زادت حالة البحيري سوءًا. فهو مريض بالقلب، أجريت له جراحة كبيرة في مستشفى مجمع سجون وادي النطرون المطور في العام الماضي، وهو مريض بالاكتئاب أيضًا. لم يلتفت إلى معاناته أحد، وكأن ثلاث سنوات في السجن، ثم تدويره لمدة سنتين حتى أتم الخمس سنوات، ليس كافيًا. وكـأن إضرابه عن الطعام وعن العلاج لما يقرب من ثلاثة أشهر ليس كافيًا كذلك.

يقول جلال إنه سيبدأ إضرابًا عن الحياة من أجل نيل الحياة. وهو ما يعني باللغة "الميري" تصعيد إضرابه ليكون شاملًا، عن السوائل وعن المياه نفسها. وهو أمر يختلف عن الصيام، ولا يمكن تخيله لمن لم يجربه.

بروفة ذاتية

جرّبتُ الانقطاع التام عن الطعام في السجن، من غير الإجراءات الرسمية للإضراب، أكثر من مرة. كل مرة امتدت لعدة أيام. أطولها امتد لأكثر من 11 يومًا، وكان إضرابًا اكتئابيًا بسبب تطورات في شؤون شخصية وقفت عاجزًا في أصفادي عن اتخاذ ما ينبغي اتخاذه من خطوات إزاءها.

قبل تلك المرة، فعلت الشيء ذاته لفترات أقل، ما بين 3 أيام وأسبوع في كل مناسبة. وفي كل مرة، يكون السيناريو واحدًا تقريبًا. فالإحساس بالجوع يُفقد بعد تكراره وشدته، والصداع والخمول يصيران ملازميْن للشهيق والزفير. والعذاب، كل العذاب، في رائحة الطعام.

في الإضراب سلاح عزيز مكلّف بشدة لمن يقاتل به

قضيت أغلب فترة سجني في سجن مزرعة طرة، حيث لا كاميرات ولا "إنتركم". فإجراءات الإضراب كانت تقليدية؛ تبدأ بمحضر "رفض نصيحة" يُثبت فيه أن النزيل رفض نصيحة اثنين من الضباط، أصغرهما برتبة رائد، ثم يتم عزل النزيل.

في العزل الانفرادي، يدخل إليه التعيين (الوجبات المقررة) بعد تسجيل الوزن وعدد الأرغفة (الجراية). وفي اليوم التالي يتم استلام الطعام المرفوض بالوزن والعدد أيضًا، ويسجل ذلك في دفتر يومية الأحوال، مع تسجيل المؤشرات الحيوية (النبض وضغط الدم والسكر).

بعد 48 ساعة من العزل المسجل في محضر رسمي، وليس قبل ذلك، يتم إخطار النيابة العامة. يتوجه وكيل النائب العام التابع لسلطته الجغرافية موقع السجن، ويسجل أقوال المضرب ليتحمل مسؤوليته القانونية عن إضرابه، ولتسجيل أن إدارة السجن لم تمنع عنه أسباب الحياة الضرورية.

في المعتاد، ليس للإضراب أي مردود إلا إذا صاحبته ضجة إعلامية. لذلك، لا ينبغي أن يبدأ السجين إضرابه من دون إبلاغ أهله ومحاميه ومن يُتوقع منهم دعمه وإعلان التضامن معه.

رأيتُ في الإضراب سلاحًا عزيزًا مكلّفًا بشدة لمن يقاتل به. وقد التقيت، قبل سجني، بواحد من أصحاب أطول الإضرابات عن الطعام في العالم، وعلمت أن إضرابه الطويل كانت له آثار صحية خطيرة. وهو في الوقت نفسه سلاح لا ينبغي خفضه بعد إشهاره، لأنه يفقد قيمته وقوته فورًا. فمن يُضرب عليه أن يصمد ويستمر حتى تحقيق مطالبه، أو جزء منها.

لهذه الأسباب، ولغيرها، آثرت تعزيز ذلك السلاح وعدم ابتذاله. وحقيقةً، كانت ظروف محبسي أفضل كثيرًا من غيري، فاستحييت أن أصعّد طلبًا لما يعدّ في حق الآلاف غيري من الرفاهيات. لكني، ولأسباب قوية أيضًا، وددت الاقتراب من التجربة بالانقطاع عن الطعام فقط، دون الشراب والعلاج، من دون تسجيل شكوى محددة ولا إبلاغ أهلي في الزيارات.

كان اكتئابًا عَرَضيًا، أو "موقفيًا" بالمصطلح الطبي، وكان سلوكي فيه واعيًا بجسدي، وبتأثير الصمت في المحيط الذي كان له دور مباشر في توفير عوامل ذلك الاكتئاب، الذي لم أكن سأتعامل معه بالانقطاع عن الطعام لو حدث لي خارج السجن.

ولأني تعرفت على جلال البحيري بعد نقله من مستشفى سجن وادي النطرون، حيث كان يتعافى من الجراحتين اللتين أُجْريتا له، إلى سجن بدر 1، حيث تم نقل كل السجناء السياسيين من مزرعة طره مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2022، فإني أشعر به شعورًا عميقًا.

عذاب مضاعف

جربت الانقطاع عن الطعام، وليكن اسمه "الإضراب غير الرسمي"، حين كانت نمرتي (مكان نومي) بجوار المطبخ، أي المكان الكاريكاتيري الذي يجهز فيه السجناء طعامهم، كما جرّبته في أبعد نقطة عنه في الغرفة ذاتها. ودون مبالغة، كانت المعاناة مضاعفة حين كنت جوار المطبخ.

كانت رائحة الطعام وأصوات الأطباق تجعلني أحلم بأصناف المأكولات التي جرّبتها أو تطلعت إليها في حياتي. كنت أحلم بما سآكله حين أخرج من السجن، وأضع سيناريوهات للولائم والمآدب والأكلات التي يشد لها الرحال.

أستيقظ لأواجه، بإصرار يصل إلى درجة العناد، كل محاولات نُصْحي والضغط العاطفي عليّ من زملاء الغرفة/الزنزانة. لذلك، كان البعد عن المطبخ ورائحة الطعام يهوّن عليّ نصف المعاناة؛ لتقتصر على الجوع والهبوط والصداع والدُّوار والضعف العام.

ربما يكون في وحشة العزلة في زنزانة انفرادية ما يقوّي عزيمة المضرب، ويقلل من معاناته التي تذوي مع مرور الوقت حتى يفقد الإحساس بالطعام من حوله، وربما يرغم نفسه على التوقف عن التطلع إلى الوجبات التي يشتهيها حين يفك إضرابه.

لذلك، أعرف أن معاناة جلال البحيري قاسية، لأنه مضرب طيلة تلك الفترة وهو في الغرفة/الزنزانة نفسها، محاط بنزلاء يأكلون ويشربون ويدخنون، وربما لا يكفّون عن نصحه بالتراجع أو عن النظر إليه بشفقة، وهو شيء أقسى من رائحة الطعام نفسها.

أعترف أني منذ إصابتي بداء السكري، حزنًا على رحيل أمي التي حُرمتُ من رؤيتها ومن جنازتها في منتصف السنة السادسة من سجني، لم أفكر، مجرد تفكير، في الانقطاع عن الطعام، لا كإضراب رسمي ولا غير رسمي.

بوعي، أقول إني أثبّت المتغيرات وأتجنب إيذاء نفسي. وبصدق، أقول إني لا أريد زيادة آلامي، ولا التسبب في أضرار مزمنة يصعب تداركها في المستقبل. وأظن أني لم أكن لأقدم على هذه الخطوة شبه الانتحارية إلا إذا كنت في يأس تام وغضب عارم وحزن عميق.

فمن شاء فليضرب ومن شاء فليأكل

هذه المفترسات الثلاثة هي ما أؤمن بأن جلال البحيري واقع بين براثنها؛ فهو يائس تمامًا من الآليات والإجراءات القانونية الشكلية التي يجدد له بها الحبس. وغاضب وحزين للدرجة التي تنقلها كلماته في الرسالتين اللتين صدّرت بهما المقال الأول  وهذا المقال.

جلال مريض قلب، وهو محب للحياة. فهل يمكن أن نتفهم حجم الشعور بالظلم واليأس اللذين يدفعان بصاحبهما إلى ذلك الإضراب الاحتجاجي الانتحاري؟

لماذا يعاند من بيده الأمر؟

إجرائيًا، يمكن أن تحتمي وزارة الداخلية بالتقنية الحديثة التي أدخلتها في السجون المطورة لتبرئ نفسها أمام القضاء إذا حدث ما لا يحمد عقباه. فالكاميرات تسجل أن الجراية والتعيين يدخلان في مواعيدهما المنتظمة يوميًا، وأن بقية نزلاء الغرفة يتناولون طعامهم، عدا الذي اختار الإضراب بإرادته.

لكني لا أظن أن ذلك هو السبب في عدم اتباع الإجراءات التقليدية في التعامل مع الإضرابات عن الطعام والشراب في السجون. فالسياسة المتبعة منذ سنوات طويلة هي "فمن شاء فليضرب ومن شاء فليأكل!"

لا يريد الجهاز الأمني تسجيل سابقة قابلة للتكرار أو لإلهام آخرين. وربما يكون أحد الأسماء قريبًا من الخروج، ثم يُجمّد القرار إذا أضرب. فالإضراب نوع من "الشغب" و"سوء السلوك" في المنظور الأمني الأبوي. في المقابل، فإن أحدًا لا يمكنه أن يصدق وعدًا بالخروج شريطة فك الإضراب.

وقد رأينا تأخير بدء جلسات الحوار الوطني لشهور عديدة نتيجة جدلية "تعالوا ليخرج المعتقلون! .. أخرجوهم حتى نأتي! .. تعالوا فنخرجهم! .. لن نأتي حتى يخرجوا!". فانعقد الحوار في غياب كثير من الأسماء التي كان يُرجى حضورها ومشاركتها. والجدلية نفسها تنطبق على حالة البحيري، أو غيره مع بعض الاستثناءات النادرة.

لو وُعد جلال بالخروج إذا فك إضرابه، فكيف له أن يصدق؟ ومن ناحية أخرى، ما الذي يمنع اتخاذ قرار خروجه؟ فحتى من الناحية الأمنية والسياسية، بغض النظر عن الحيثية القانونية، فإن خمس سنوات و3 شهور فترة أكثر من كافية كقرصة أذن اقتلعت الأذن نفسها وانتزعتها من مكانها. فلا بد أن يكون الإضراب مسموعًا ومؤثرًا حتى لا تذهب معاناة صاحبه هباءً.

الفارق الرهيب بين تأخير الحوار الوطني وتأخير خروج جلال البحيري، هو أن أحدًا من المدعوين إلى الحوار الذين لم يذهبوا ليس معرضًا لخطر الموت بسبب التأخير، كما هي حال الشاعر الأسير.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.