يوميات صحفية برلمانية| ما هو أبعد من لون وتسريحة شعر النائبات
"معاكسات الشوارع" هو ما يمكننا أن نصفَ به ما أصابَ النائباتِ من النساء من تعليقاتٍ لا تليق؛ بدأت مع أولى جلسات مجلسي النواب والشيوخ، وبالذات في جلسة القسم، لكنها لم تمتد لترصد ما فعلن تحت القبّة، كممثلات عن الشعب.
في الشيوخ نُصب "فرح" لكل من النائبة ريم حسين التي أعادت القسم مرتين والنائبة إيفا ماهر نصيف، بسبب عبارة "ووحدة وسلامة أراضيه"، وكلمة "أرعى"، رغم أن نوابًا رجالًا وقعوا في نفس الأخطاء تقريبًا. ومع أن المشهد بدا في أولى جلسات مجلس النواب نسويًا بامتياز، حيث قادت الصدفة ثلاث نساء لترؤس الجلسة الإجرائية الأولى للمجلس، فإن التعليقات تجاوزت أي نقد سياسيّ للنائبات، إلى السخرية والحديث عن لون وتسريحة شعورهن، بالإضافة إلى تجميل أظافرهن وملابسهن.
وفقًا للائحة الداخلية للمجلس يترأس الجلسة الأولى من الانعقاد البرلماني أكبر الأعضاء سنًا، ويعاونه أصغر عضوين سنًا، لتترأس تلك الجلسة النائبة عبلة الهواري بصفتها أكبر الأعضاء سنًا، بمعاونة النائبتين سامية الحديدي وسجى عمرو هندي، الأصغر سنًا.
بدت حملات السخرية التي استهدفت النائبات خير تعبير عن حالة رفضٍ لوجود النساء في أي مجال وممارستهن أي دور مجتمعي أو سياسي. الآن، وفي ذروة الانشغال بقضايا وملفات أخرى انشغل الساخرون بها، وبعد مرور نحو ثلاثة أشهر على أداء النواب لليمين الدستورية، هدأت الموجة قليلًا على النساء، بينما سجلت النائبات في مجلسي النواب والشيوخ حضورًا مختلفًا بطرحهن اقتراحات وإثارة قضايا تمس حياة الملايين في ملفات اجتماعية وصحية ونفسية.
بنك للأنسجة وليس لسلخ الموتى
جدل كبير أثاره الاقتراح الذي تقدمت به عضوة مجلس الشيوخ أميرة صابر، لإنشاء بنك أنسجة بشرية، والسماح من خلاله بالتبرع بالجلد بعد الوفاة، لإنقاذ آلاف من مرضى الحروق.
لم ترد أميرة من مقترحها، الذي ما إن نطقت به حتى نالتها عاصفة عاتية من الهجوم، إلا تحقيق ثلاثة أهداف؛ إنقاذ ضحايا الحروق والمرضى المنتظرين لمتبرعين لإجراء عمليات تجميل وترقيع الجلد، وتوفير فاتورة استيراد الجلد البشري من الخارج، وكذلك فتح الباب أمام إعادة النظر لملف زراعة ونقل الأعضاء البشرية والتبرع بها، ما يعني إنقاذ الآلاف المنتظرين لمتبرع لينقذ حياتهم.
لم تدعُ نائبة الشيوخ لسلخ جلد الموتى أو إجبار أحد على التخلي عن أنسجته، كما انتشر ضمن ترند الهجوم عليها، أو لاستحداث قانون لتنظيم زرع أو نقل الأعضاء، لكنها فقط طالبت بتطبيق قانون زراعة الأعضاء رقم 5 لسنة 2010، الذي ينظم عمليات نقل وزرع الأعضاء والأنسجة البشرية منذ 16 عامًا، ولائحته التنفيذية من 15 عامًا، وعلى الرغم من ذلك لم تظهر بنية تحتية جادة لبنك زراعة أعضاء بشرية حتى الآن.
لم تقف أميرة عند حد تقديم المقترح، ولكنها أعلنت أنها ستكون أول متبرعة بجلدها وأعضائها بعد وفاتها، وأنها كتبت وصيتها بذلك، وستوثقها قريبًا، وبالفعل نجح مقترحها في إعادة فتح باب النقاش حول التبرع بالأعضاء البشرية بشكل عام. ورغم الهجوم عليه، فإنه خلق حالة مضادة من التضامن معها، وتعززت المطالب بضرورة إنشاء بنك الأنسجة، بالأخص وأن مصر بها مئات الآلاف ممن تستدعي حالاتهم الإسراع في توفير الجلود وغيرها من الأعضاء.
حل لأزمة رسوم الموبايل
مؤخرًا فوجئ مئات الآلاف من المصريين العاملين في الخارج بقرار فرض ضريبة ورسوم جمركية على التليفونات المحمولة على أي مصري قادم من الخارج.
هذه الرسوم التي تصل لآلاف مؤلفة من الجنيهات أثارت ثورة غضب لدى المصريين العاملين بالخارج وعززت الشعور لديهن بأن الدولة تنظر لهن على أنهم بئر لا تنضب من الأموال. إزاء هذا الغضب تقدمت عضوة مجلس النواب آمال عبد الحميد بمقترح لإعفاء المصريين المقيمين بالخارج وأفراد أسرهم من دفع هذه الضرائب والرسوم، شريطة تقديم مستند رسمي يثبت تحويل مبلغ لا يقل عن 5 آلاف دولار أمريكي عبر القنوات المصرفية الرسمية للدولة خلال العام.
تعتبر آمال عبد الحميد أن هذا الإجراء "استثمار وطني" من شأنه تشجيع المغتربين على استخدام القنوات الرسمية في التحويل بدلًا من الطرق غير الشرعية، وسيوفر سيولة دولارية تستفيد منها الحكومة.
ورغم وضوح مقترحها، فإنه فُهم خطأ وتصور البعض أنه يحمل المغتربين وذويهم أعباء إضافية، وأمام حالة الغضب والسخرية على السوشيال ميديا، عادت آمال لتؤكد أن مقترحها لا يعني أن هذه المبالغ تؤول إلى خزينة الدولة، بل ستظل أموالًا شخصية يحولها المغترب لذويه أو لحساباته الخاصة داخل مصر، لكنها تستهدف أن يتم تحويلها عبر الجهاز المصرفي الرسمي وليس خارجه.
بافتراض حسن نية النائبة، ورغم عدم اشتباكها مع الانتقادات التي تشير إلى طبقية هذا المقترح كونه يختص بالإعفاء من يستطيعون تحويل مبلغٍ معيّن، ما يعني عمليًا فرض الضريبة على الشرائح الأفقر، فقد كان ممكنًا العمل على تطويره لتحفيز المصريين في الخارج على تحويل أموالهم بالطرق الشرعية؛ خاصة مع ارتفاع تحويلات المصريين العاملين بالخارج خلال عام 2025 بنسبة 40.5% مقارنة بعام 2024، حيث وصلت المبالغ المحولة بالدولار إلى 41.5 مليار دولار مقابل 29.6 مليار دولار في 2024.
منهج مدرسي عن التحرش
بعدما انكشفت عدة حوادث متتالية لاعتداءات جنسية على تلاميذ في المدارس، أبرزها حادثة الطفل "س" وحادثة مدرسة سيدز بالقاهرة وحادثة المدرسة الدولية بالإسكندرية، تحول التحرش في المدارس لكابوس أسود لا بد من قهره.
ووفق بيانات سبق وحللتها المنصة عن خرائط الاعتداءات في الفصول وحولها؛ شهد عام 2025 أكبر عدد من حالات التحرش والاعتداء الجنسي على الأطفال بـ28 حادثة، فيما وقعت 30% من الحالات عام 2021، وجاء عام 2024 في المركز الثالث بـ20% من إجمالي 71 واقعة تم رصدها.
ولأنها حاصلة على دكتوراه في علم الاجتماع من جامعة أسيوط، وكونها أيضًا امرأة تعرف الأم الذي تتركه الاعتداءات الجنسية في نفوس ضحاياها؛ قررت فاطمة عادل أن يكون أول اقتراح لها كنائبة هو إعداد برنامج وقائي يُعرّف الأطفال بحدود السلامة الجسدية، ويمكنهم من التمييز بين السلوك الآمن وغير الآمن، وكيف يطلبون المساعدة وطرق الإبلاغ.
وجهت فاطمة عادل مقترحها إلى محمد عبد اللطيف وزير التربية والتعليم، وخالد عبد الغفار وزير الصحة، ومايا مرسي وزيرة التضامن الاجتماعي، على أن يستهدف البرنامج التوعوي مراحل التعليم الأساسية الثلاث، من خلال منهج تعليمي للتوعية بأشكال وممارسات التحرش وتخصيص ما بين 6 لـ10 ساعات تعليمية سنويًا دون الإخلال بالخطة الدراسية.
في مذكرتها الإيضاحية قالت فاطمة إن "تكرار وقائع العنف والإساءة ضد الأطفال يستدعي تدخلًا وقائيًا مؤسسيًا داخل المدارس"، مشيرة إلى أن الدراسات الدولية تثبت فعالية برامج التوعية المبكرة في تقليل معدلات التعرض للاعتداء وزيادة نسب الإبلاغ المبكر، وطالبت بإحالة المقترح إلى لجنة مشتركة من لجنتي التعليم والبحث العلمي والتضامن الاجتماعي والأسرة، لمناقشة ووضع الأطر التنفيذية لتطبيقه.
سيب التليفون وقوم ذاكر
يمكن الربط بين المقترح المقدم من النائبة جيهان شاهين عضوة لجنة التعليم بمجلس النواب، وصورة الأم التي تأمر ابنها بأن يترك الهاتف ويلتفت لمذاكرته. قلق الأم من هدر الوقت على التعلق بالهواتف وتعرض العقول الصغيرة لمشاهدة محتوى غير مناسب لأعمارهم هو ما جعل جيهان تقترح تنظيم استخدام الهواتف الذكية للأطفال والمراهقين.
وتتعدد الدراسات التي تحذر من مخاطر إفراط الأطفال في استخدام الهواتف وأثر ذلك على سلامتهم النفسية والاجتماعية، وحذرت دراسة دولية حديثة من أن الأطفال الذين يستخدمون الهواتف الذكية قبل سن 13 أكثر عرضة للإصابة بمشكلات مثل ضعف احترام الذات، واضطرابات النوم، والعزلة عن الواقع.
في مقترحها، حذرت جيهان من أن الانتشار الواسع للهواتف الذكية بين النشء خلال السنوات الأخيرة "أفرز تحديات حقيقية تمس المنظومة التربوية والنفسية والاجتماعية"، مشيرة إلى تصاعد ظواهر التنمر الإلكتروني، والتعرض لمحتوى غير ملائم للأعمار الصغيرة، إلى جانب حالات الإدمان الرقمي، والقلق والعزلة والاكتئاب، وتراجع مهارات التواصل الإنساني وضعف التحصيل الدراسي.
وأكدت أن غياب ضوابط استخدام السوشيال ميديا ساهم في تفاقم آثارها السلبية، فضلًا عن مخاطر انتهاك الخصوصية ومحاولات الاستغلال غير المشروع للأطفال عبر الفضاء الرقمى، بما لا يتسق مع القيم المجتمعية ويهدد سلامة الأجيال الجديدة.
من أجل الرُضع
ليس لقاحا الروتاريكس والمكورات الرئوية من اللقاحات التكميلية، هذان اللقاحان أساسيان بل وضروريان لحماية آلاف الرضع، فالروتاريكس يحمي الأطفال دون الخامسة من الفيروس العجلي الذي ينتشر ويسبب الإسهال والجفاف الشديدين مما يؤثر على سلامة الرضع، كذلك يحمي المكورات الرئوية من البكتريا المسببة للاتهاب الرئوي والسحائي.
لهذا تقدمت النائبة مي كرم جبر بطلب إحاطة إلى المستشار هشام بدوي رئيس مجلس النواب موجهًا إلى وزير الصحة، حول عدم إدراج لقاحي ضمن منظومة التطعيمات المجانية المقررة للأطفال الرضع حتى سن ستة أشهر.
تؤكد مي على أن اللقاحين يمثلان ضرورة صحية ملحة في ظل التطور النشط للفيروسات وسرعة انتشارها، ولهما دور مهم في حماية حياة الرضع والحد من المضاعفات الخطيرة، وهذا يصب في مصلحة الوزارة فتحسين حالة الرضع الصحية سيؤدي لتقليل الضغط الواقع على المستشفيات ووحدات الحضانات نتيجة الحالات الحرجة.
ولا تخرج الصحة من قائمة أولويات النائبات. النائبة ميرال الهريدي، تقدمت بمقترح لإنشاء شبكة تحذير مبكر للصحة العامة والأورام تكون أداة استشرافية تستخدمها الدولة لتوجيه الموارد الصحية بشكل استباقي، والحد من انتشار المرض قبل وقوعه، بدلًا من الاكتفاء بالتدخل العلاجي بعد تفاقم الأعباء.
وفق مقترح ميرال، تجمع الشبكة معلومات وبيانات ضخمة يمكن استخدامها في تحليل المؤشرات الصحية وربطها بالمؤشرات البيئية والسلوكية، مقترحة إنشاء برنامج ذكي باسم "نبض صحي" يعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة لتحليل المؤشرات الصحية اليومية الواردة من المستشفيات والعيادات والجهات الصحية المختلفة، وربطها بالمؤشرات البيئية والسلوكية.
قد لا تكون هذه المقترحات كافية للكشف على حجم أداء النساء في البرلمان، وربما بالمقابل قد لا تناسب حجم تمثليهن بنسبة لا تقل عن 25% في البرلمان، أو تكون على مقدر المأمول منهن في ظل القضايا التي تثار يوميًّا وتتطلب تحركًا برلمانيًا نشطًا بقضايا النساء، وبمعاناتهن تحت وطأة الظروف والصعوبات الاقتصادية الضاغطة والتضييق المجتمعي والضغط الأسري، لكنها مجرد مؤشرات على أن الفعل البرلماني النسائي يمكن النظر له بعدسة أخرى غير تلك التي لا ترى فيهن إلا زينةً اللافت فيهن مجرد تسريحات الشعر والملابس ولون العيون وتجميل الأظافر.


