أوله لحمة وآخره عدس.. لماذا لا ينخفض التضخم على مائدة رمضان؟
تنوي سناء عمر اقتطاعَ أكثر من نصف دخل الأسرة الشهري لصالح وجبة الإفطار طوال شهر رمضان، مع ذلك يبدو المبلغ هشًا في مواجهة أسعار الغذاء الحالية.
تعتمد الأسرة، المكونة من خمسة أفراد، التي تقيم في عزبة الهجانة بمدينة نصر، على دخل الأب الشهري في حدود الـ15 ألف جنيه، وهي بمعايير تكاليف المعيشة الراهنة تعد عائلة مستورة، أي لا تضطر للسؤال، لكن دخلها يكفي بالكاد للحد الأدنى من احتياجاتها.
"بطلع كل شهر 2500 جنيه للإيجار، وألف جنيه فواتير الكهرباء والمياه والغاز، و3 آلاف للمواصلات ومصاريف المدارس والأدوية، وبحوش 1500 جنيه على جنب كل شهر، يتبقى حوالي 7 آلاف جنيه معظمهم للأكل والشرب طول الشهر"، تطُلع سناء المنصة على بنود ميزانيتها الشهرية.
قبل أربع سنوات، كان من الممكن أن توفر 7 آلاف جنيه غذاءً جيدًا لأسرة مكونة من أربعة أفراد، لكن خلال الفترة ذاتها شهد تضخم الطعام والشراب قفزاتٍ هائلةً جعلت تكلفة الغذاء معضلةً أمام أصحاب الدخول المحدودة.
ورغم أن رمضان هذا العام يأتي ومعدل التضخم عند مستويات معتدلة تدور حول 10%، فإن ذلك لا يفيد ملايين الأسر في شيء إذا لا يزال الغلاء هو المسيطر، وكما تقدر أربع أسر من مستويات دخل منخفضة، تحدثت معها المنصة، فإن تكلفة أبسط مائدة رمضانية لا تقل عن 6000 جنيه، والبعض لا يستطيع إعداد الإفطار بدون مساعدات أهل الخير. .
اللحمة في أول يوم والباقي عدس وكشري
"بنحاول نخليه شهر بركة مش تبذير"، تجيب سناء على سؤال كيف تواجه مصاريف رمضان بمواردها أسرتها المحدودة، تضيف "بنجيب لحوم بحوالي 1000 جنيه للشهر، وفراخ من مرتين إلى ثلاث مرات في الأسبوع يعني في حدود 1500 - 2000 جنيه للشهر، والخضار يوم بيوم بحوالي 40 أو 30 جنيه في اليوم يعني من 1000 - 1200 جنيه في الشهر، وبحوالي 80 جنيه في اليوم للسحور، يعني ممكن 2500 جنيه في الشهر".
تعدد الأم نفقات مائدة رمضان، وهي تؤكد أنها لا تخلي جهدًا في التقشف والتوفير قدر ما تسطيع؛ "وطبعًا علشان نوفر في الشهر المبارك، بنعمل عصير في البيت سواء تمر أو سوبيا، وبيكون عندي خزين (احتياطي) من الرز والمكرونة والسكر والشاي فبنشتري حاجات بسيطة في رمضان، وبنقلل الكميات على أد الوجبة علشان مفيش حاجة تترمي، وفي يومين في الأسبوع بيكون أكل بدون لحوم، بيكون عدس أو فول أو كشري".
أهلًا مصاريف رمضان
لأنه يعمل محاسبًا، يُقدِّر علي يوسف أن مصروفات الغذاء في رمضان ترتفع عن المعتاد بنحو 20%.
يتقاضي يوسف الذي يرعى أسرة مكونة من أربعة أفراد 10 آلاف جنيه شهريًا، ما يجعل تدبير الغذاء، وفق ما يقول لـ المنصة "معضلة غير هينة".
قبل الدخول في تفاصيل الإنفاق الرمضاني، يوضح يوسف أنه يسدد قسطًا شهريًا لشقة الإسكان الاجتماعي التي يعيش فيها مع أسرته في مدينة حدائق العاصمة بقيمة 1500 جنيه، ويقسم ما تبقى من الراتب على أساسيات المعيشة؛ فواتير بحوالي 700 جنيه، ومواصلات 1000 جنيه، ومصاريف شهرية للتعليم 800 جنيه، ولا يتبق للغذاء إلا نحو 5 آلاف جنيه للطعام، وقد تزيد إلى 6 آلاف في شهر رمضان بشكل استثنائي.
تشبه مائدة أسرة يوسف للمائدة السابقة، فهي تقتصد في اللحوم قدر الإمكان، ومع ذلك لا تتمكن من خفض مصاريف الإفطار اليومية عما يتراوح بين 120-140 جنيهًا في اليوم تحت ضغط تكاليف الخضراوات وباقي البنود الأخرى.
أما فيما يخص السحور، فيقدر يوسف أنه سيتكلف نحو 1500 جنيه ضمن بنود الإنفاق الرمضاني؛ "بناكل عادة فول وبيض وجبنة وعيش بلدي، وأحيانًا بيكون معاهم بطاطس مسلوقة، وطبعًا الزبادي ثابت في السحور، وبكده تكون تكلفة السحور حوالي 1500 جنيه في شهر رمضان".
يحاول رب الأسرة ترشيد الإنفاق والحفاظ على الميزانية عبر شراء معظم احتياجات الشهر مرة واحدة من منافذ التموين ومعارض أهلًا رمضان، و"طبعًا بنقلل العصاير الجاهزة والحلويات".
وأعلنت وزارة التموين أن معارض أهلًا رمضان، التي تُنظم سنويًا، ستقدم تخفيضات تتراوح بين 15-25% عن أسعار السوق.
راح فين رمضان بتاع زمان؟
تسترجع عفاف محمد ذكريات من الماضي القريب عن رمضان ما قبل موجة التضخم الأخيرة، وكيف كان إحساسها بالضغوط المعيشية أقل بكثير من الوقت الراهن.
"الدخل كان زمان كويس جدًا ويكفّي احتياجاتنا ونقدر نجيب حاجات كتير، لكن دلوقتي بقى يا دوب بيغطي الأساسيات، ومع ارتفاع الأسعار بقى صعب نعيش زي الأول"، تقول عفاف لـ المنصة.
تعول الأرملة التي تسكن في قرىة الرغامة غرب بأسوان، ابنتين، معتمدة بالأساس على معاش زوجها المتوفى البالغ 10 آلاف جنيه.
"في السنين اللي فاتت كانت معظم أيام رمضان فيها لحوم، لكن دلوقتي الوضع اختلف، كيلو اللحمة وصل لحوالي 400 جنيه، وكيلو الفراخ بقى من 85 لـ90 جنيهًا، فبقينا نقلل الكميات جدًا سواء في رمضان أو في الأيام العادية"، تتحدث عن تدابير التقشف "بقينا نعتمد أكتر على البقوليات والخضار، حتى الجبن ما بقيناش نجيب كل الأنواع زي زمان، بقينا نختار أنواع محددة ومش على طول، وفي حاجات كتير استغنينا عنها لأنها مش أساسية".
وعن ياميش رمضان، تقول "زمان كنا بنشتريه بكميات كويسة، زي الزبيب والمشمشية وجوز الهند والمكسرات، دلوقتي بنجيب كميات قليلة جدًا أو بعض الأصناف بس، بسبب ارتفاع أسعارها".
من غير موائد الرحمن ما نكمّلش الشهر
لا يمكن أن نصنف أسرة عبد الواحد محمود، المكونة من خمسة أفراد، على أنها فقيرة رسميًا، وذلك لأن الدولة لم تعلن تحديثًا لخط الفقر منذ عام 2020، لكن حديث رب الأسرة عن الفجوة بين الدخل والحد الأدنى للإنفاق كاف لوصف حالهم.
"إحنا ساكنين في شقة صغيرة غرفتين وصالة، ودخلنا الشهري 5 آلاف جنيه، وده بالكاد بيكفي الإيجار ومصاريف الحياة الأساسية"، يقول عبد الواحد لـ المنصة.
يوضح رب الأسرة، الذي يعمل عامل نظافة، أنه يعتمد بشكل أكبر على الصدقات وموائد الرحمن، و"ده بيساعدنا نعدي الشهر ونوفر أكل يكفي البيت".
وتقع الأسر التي لا تقدر على تلبية الاحتياجات الأساسية لبقائها تحت تصنيف "الفقر المدقع"، وحسب آخر أرقام للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في 2020، تصل نسبة تلك الأسر إلى 4.5% من مجمل السكان.
"بطلع 700 جنيه الإيجار من أول الشهر، وبخلي 700 جنيه مصارف تنقلاتي، وبقسم الـ3600 جنيه على الأكل والشرب"، يشرح عبد الواحد كيف يلتهم الغذاء أغلب ميزانية أسرته، ما يجعلها غير قادرة على توفير الدخل الكافي لباقي احتياجاتها.
يوضح رب الأسرة أنه ينفق في حدود 100 أو 120 جنيه يوميًا فطار وسحور؛ "بنشتري حاجات الشهر كله مرة واحدة، طبقين بيض بحوالي 300 جنيه، 4 فراخ بحدود 800 جنيه، الخضار مرتين في الأسبوع بحدود 100 جنيه في كل مرة يعني 800 جنيه في الشهر. وطبعًا في السحور بنعتمد على الفول والبيض والجبنة البيضاء بشكل أساسي. والناس بتساعدنا بكام شنطة رمضان ودول بيوفروا علينا شراء الأرز والبقوليات وأحيانًا بيكون معاهم كيلو لحمة ولا فرختين فبيقلل الضغط على المصاريف".
تحت موجات التضخم الأخيرة، يرى مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية، عبد المنعم السيد، أن حالة التقشف الرمضاني باتت عابرة لأغلب الطبقات؛ "غالبية الأسر المصرية اتجهت إلى التخلي عن شراء كثير من السلع الكمالية، والاكتفاء بالاحتياجات الأساسية، مع البحث المستمر عن بدائل أقل تكلفة لتلبية متطلبات المعيشة"؛ يقول لـ المنصة.
يشير السيد إلى أن هذه الحالة تنبه لضرورة معالجة الفجوة الحالية بين الأجور والأسعار، "لم يعد الراتب، حتى مع زيادته السنوية، قادرًا على شراء نفس كميات الغذاء أو الخدمات كما في السابق"، لتظل مائدة رمضان عبئًا على الأسر المصرية، بالأخص ذات الدخول المنخفضة.