تصميم: أحمد بلال، المنصة 2026
ثورة يناير

سطوة الرواية.. ماذا سيقول أحفادنا عن سنواتنا العجاف؟

منشور الأربعاء 28 تشرين الأول/أكتوبر 2026

يلازمني الملل حتى قبل بلوغ الستين، فيضيق خُلقي بقراءة كلمات أنهكها الاستخدام. الاستخدام لا الاستعمال. يدهشني أن يصرُّ عليها البعض، سواء الواعون بركاكة التكرار والغافلون. يعثر أحدهم على كلمة في لسان العرب أو غيره من المعاجم، وتمنحها الجدَّة طزاجة وحيوية تغري مقلدين كسالى، لعلهم لصوص أساليب، يعتصرون الكلمة حتى تجفَّ.

في الستينيات سخر يحيى حقي من فعل "دلف". الكاتب الغيور على اللغة استنكر أن "يدلف" الكثيرون وينصرفوا عن كلمات بديلة. وفي الآونة الأخيرة اكتشفوا كلمات منها: الإسناد، التعاطي، "النظام الفلاني يتولى إسناد حزب الله، ويتعاطى بمسؤولية مع المقاومة". أما "السردية"، على ألسنة محدثي السياسة ومحدثي الكتابة، فتفوح منها رائحة السردين.

لا أعرف كم عُمر "السردية". يزيد عُمر "الرواية"، بالمعنى الأدبي، على أربعة قرون، منذ كتب ثربانتس دون كيخوتي. لكن اصطلاح الرواية، بالمعنى الأشمل، أقدم بكثير، منذ ابتدع المؤرخون الرسميون تاريخًا للمنتصرين من ملوك وأنبياء وفقهاء وقديسين ومقاتلين ولصوص، وتاريخًا آخر ينال من المهزومين وخصوصًا الثائرين.

وقبل رواج فن الرواية، وربما قبل نشر أول رواية عربية، رأى المسرحيون تسمية المسرحية "رواية". ولا يزالون يسمُّون المسرحية رواية، وتخلوا عن كلمة "المرسح"، وهي تسمية صحيحة للمسرح. ربما استقر في لا وعيهم أن العمل المسرحي هو رواية للمؤلف، رؤية فنية لبطل أو أحداث، وتختلف عن موضوعية مؤرخ يتحرى الدقة، ويتسلح بالوثائق والمصادر والمراجع كلما أمكن.

صراع على الذاكرة

يمكن للمصريين، الذين صانوا ذاكرتهم من الأعطاب، أن يتركوا لأحفادهم أدلَّة براءة من عجين سياسي نأوا عنه، ولم يدْعُهم أحد إلى المشاركة فيه. من أدلَّة البراءة توثيق شهاداتهم على السنوات العجاف التالية لفشل ثورة 25 يناير 2011، ورفضهم تصريحات رئاسية تستهدف تثبيت رواية محددة، كتحذير عبد الفتاح السيسي في اجتماع رسمي أذاعه التلفزيون مباشرة، في فبراير/شباط 2016 "بتحبوا مصر صحيح؟ أنا باقول لكل المصريين: اسمعوا كلامي أنا بس. بس". توجد وقفة أدائية بعد الأنا وقبل "بس" الأولى، ووقفة ثانية بعدها. ألا تذكّرك سطوة الحقيقة بالخوف من انتقام شعبي، عابر للزمن، تجاوب مع ابن مماتي في مسخرة رجل الدولة القوي قراقوش؟

السلطة الهشَّة تصادر مقالًا يوثّق رواية. وترهن الموافقة على عرض فيلم سينمائي بتعديل العنوان المصرح به قبل التصوير. في عام 2007، اشترطوا إضافة علامة استفهام إلى عنوان فيلم "هي فوضى"، ليصير هي فوضى..؟ رعبٌ من إقرار الفيلم حقيقة يعرفها ضحايا الفوضى وصانعوها.

الحقيقة الشفاهية تسقطها الذاكرة، وتليها حقيقة أخرى. لكن التوثيق يُثْبت وضعًا، يثبِّت حالة قابلة لتراكم قد يشعل حريقًا شعبيًّا. والخوف من الرواية قد يلاحق قاتلًا خارج الحدود. في فيلم عمر المختار، يسأل ضابطٌ قائده وهما يمارسان قتل "المتمردين": ألا تخشى أن يذكر لنا التاريخ ارتكاب هذه الصغائر؟ أجاب القائد بأن الخوف أن تنساهما روما. وقد انتصرت رواية الضحايا.

من تجليات رسوخ الرواية الرسمية الادعاء بأن معاوية، وهو الطليق، أحد كتبة الوحي. ومن الضحايا مسلمة الحنفي. أتأسى على تاريخ مهمّ فاتنا، وجرى طمسه بالسيف والقلم، لِطيّ صفحة رجل سمُّوه مسيلمة ولقَّبوه بالكذاب. فالسلطة، رغم هيمنتها، تستمرئ عملية الشيطنة.

أمر عبد الله بن مسعود بقتل مَن قال، في مسجد لبني حنيفة بالكوفة، إن مَسلمة كان يدعو إلى الرحمن. قضى ابن مسعود بردّة القائل، واستتابة أصحابه، وما كان لهم أمام السيف إلا التوبة. هم أقلية، وسيف الدولة لا يكسره إلا تسونامي شعبي، فالسادات وصف انتفاضة الخبز في يناير/كانون الثاني 1977 بأنها انتفاضة حرامية، وأمام الحقيقة ألغى قرار رفع الأسعار الذي أشعل الانتفاضة.

استعادة التاريخ

محمد علي، وريث معاوية، استهوى رحالة ومؤرخين أجانب لكتابة رواية محددة يريد توثيقها. تلك الرواية الوحيدة احتفظت بسطوتها، وامتد عمرها أطول من حكم الأسرة العلوية بنحو نصف قرن، وعدواها أصابت مدرسة التأريخ المصرية، حتى نقضها خالد فهمي بدراسات بدأها بكتابه كل رجال الباشا، وفيه يقوّض مسلَّمات رددها حفيده الخديو إسماعيل، أنه جاء إلى مصر فوجدها "خالية من أي مظاهر للمدنية".

وبقراءة مصادر إنجليزية وتركية ومصرية قدم خالد فهمي قراءة اجتماعية لجيش محمد علي تتفادى السقوط "في فخ إعادة إنتاج خطاب السلطة لهذا الجيش". من وجهة نظر مجند، مفترض، من المصريين الكارهين عبوديةَ التجنيد، تكشف رواية الصامتين تصدُّعات في رواية السلطة.

لو بعث محمد علي لأصابه جنون فوق جنون سنواته الأخيرة؛ لشروخ ظنَّ أنها تتحدى الزمن، ولا أظن حفيده أحمد فؤاد الثاني معنيًّا بها قدرَ فرحه بمجاذيب يلقبونه بالملك؛ لأن أباه فاروق الأول والأخير تنازل له عن العرش، في يوليو/تموز 1952، وعيَّن الضباط الأحرار مجلس وصاية على العرش. أما لقب "الملك" فيُستحق بعد حلف اليمين الدستورية. اصطنعوا للرجل حكاية، والناس من دون الحكايات أموات.

هناك مشاهير حملتهم روايات إلى جماهير تعشق الحكايات. لولا حكايات مأساوية عن فان جوخ، سبقت عبور أعماله خارج أوروبا، ما نال المكانة الباقية إلى الآن. وفريدا كاهلو تغذّي ذكراها حكاياتٌ يتداخل فيها الفني بالسياسي، بتروتسكي، وزوجها دييجو ريفيرا.

محمد علي، بدهاء السياسي الدامي، انتهج نهجًا ناعمًا في ترسيخ وجه مقصود للحقيقة. أعداؤه من المماليك، وأهله العسكر الألبان، فقدوا وسائل كتابة رواياتهم؛ فاستقرت روايته وتناسلت. ولم تعدم من ينقضُها بعد نحو مائتي عام من صعوده اللئيم.

لا أظن عمر مكرم كتب شهادته؛ ليفسّر مسؤوليته عن اختيار تاجر الدخان حاكمًا، ولعله لم يعلم بالانقلاب النابليوني على الضفة الأخرى للمتوسط. هل سلوك محمد علي، وما جرى في مصر بعد 2013، انقلاب نابليونيّ؟ أسجّل اختلافًا مهمًّا، فنابليون المنقلب على مبادئ الثورة الفرنسية لم يدمن الثرثرة في المؤتمرات والاجتماعات لاعنًا الثورة. لكن ثورة 25 يناير تُشيطنها الرواية الرئاسية، وتحمّلها المسؤولية عن الفشل والرعونة.

رواية الحاضر

سيعلم أحفادنا أن جمعة الغضب "حالة" لم ينضج الشرط الموضوعي لاستعادتها، وأن الأفراد أعجز من التصدي للدبابة. قد يعذروننا، ويقدّرون ضعفًا تقترن فيه القدرة على البقاء بالبطولة، والحفاظ على الحد الأدنى من الحياة مرهون بتوثيق روايةِ حقيقةٍ يطارَد مالكوها، اعتقالًا واكتئابًا. ويكفي ناجٍ واحد لتوثيق الخراب. في رواية مائة عام من العزلة، راهن جابرييل جارثيا ماركيز على هارب من مذبحة كبرى لكتابة القصة الحقيقية. خوسيه أركاديو الثاني قام من بين القتلى، استيقظ في الظلام والصمت، تحسس شعره المتماسك بدم جاف، واكتشف أنه في قطار لنقل البضائع يحمل جثث أكثر من ثلاثة آلاف وأربعمائة من الرجال والنساء. وفوق عرباته جنود مسلَّحون.

خوسيه أركاديو أخذ الاتجاه المعاكس، فوصل إلى ساحة المحطة، ولم يجد أثرًا للمذبحة. استراح في بيت امرأة تعرفه، وأنكرت وجود موتى. وأخوه لم يصدق "قصة المذبحة ولا كابوس القطار المحمل بالموتى". كرَّست السلطة رواية تؤكد انصراف المتظاهرين آمنين. والعكس بالليل ينتزعون المشتبه بهم من فراشهم "في رحلة بلا عودة". وخوسيه أركاديو استطاع الاختباء، واهتم بتوثيق المذبحة. وانتقلت الرواية شفهيًّا إلى ابن أخيه أوريليانو الثاني، فسمعوه يتكلم عن "مذبحة المحطة". وظل الناجي يوصي بتذكُّر عدد الضحايا. وحفظ الجيل الجديد الروايةَ الموثَّقة، فأوريليانو الحفيد ردَّ على استفهام تليفوني بالإنجليزية لامرأة محزونة، قائلًا إن إضراب العمال انتهى بقتل ثلاثة آلاف ألقوهم في البحر.

سيعلم أحفادنا أننا أفضل حالًا من خروتشوف، ومن رفيقٍ لامه. تقول الحكاية إن خروتشوف انتظر ثلاث سنوات، بعد موت ستالين، حتى أدان استبداده في اجتماع رسمي، فمرر إليه أحدهم سؤالًا عن مسؤوليته، باعتباره شريكًا: "أين كنت حين ارتكب ستالين هذه الجرائم؟". طالب خروتشوف صاحب السؤال برفع يده. ولم يجرؤ أحد على الرد. فأجاب خروتشوف: "كنت أجلس في مكانك". لم يعلن ذلك الرفيق عن نفسه، وهل ندم على خيار الصمت؟ وأحفادنا سيدركون أثمان تجاوُز الستالينية البائسة، منزوعة الإنجازات. أي استبداد سلبي مكشوف العورة، لا تسعفه اللغة، ولا تدعمه الرواية، يبحث عن عدو فإن افتقده اخترعه. كم كتبنا، تصريحًا وتلميحًا. فهل يعذروننا؟

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.