حاضر لا يعرف مستقبله.. لماذا ننجذب إلى الصحف القديمة؟
مضت شهور منذ اشتركت بإحدى مجموعات بيع وتبادل الصحف والمجلات القديمة على فيسبوك. اكتفيت خلال هذه الشهور بمطالعة الأعداد التي يعلن عنها البائعون تحت عنوان "بند مميز" أو "عدد حصري لهواة البنود النادرة" أو غيرها من العناوين التي تخاطب عشاق التراث فيكتبون في التعليقات كلمة "حجز" كإشارة لرغبتهم في اقتناء هذه الصحيفة أو تلك المجلة التي استطاعت الصمود أمام رياح الزمن.
ظل الحال هكذا حتى وقعت عيناي في أحد الأيام على منشور يعلن فيه البائع عن نسخة من عدد جريدة الأهرام الذي صدر عقب اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات. لا أعلم السبب الذي دفعني هذه المرة إلى سؤال صاحب المنشور عن أعداد الأهرام الأخرى التي يمتلكها. أجابني بأنه يملك مجموعة من الأعداد المميزة لهذه الجريدة العريقة مثل الأعداد التي تغطي وفاة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، والأعداد التي واكبت يوميات حرب أكتوبر، إضافة إلى العدد الذي صدر بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، والعدد الذي قدم تغطية شاملة لأداء مبارك اليمين الدستورية خلفًا للرئيس السادات. اخترت هذا الأخير وطلبت حجزه.
تعجب البائع من إصراري على شراء هذه القطعة رغم امتلاكه أعدادًا أخرى تغطي أحداثًا مفصلية في تاريخ مصر، كانت القطعة تضم في صفحتها الأولى صورة كبيرة لمبارك في مجلس الشعب وهو يقول "تعالوا نوحد كلمتنا ونضم صفوفنا ولنبني مصر بالحب والأمل والعمل". أعتقد أن سبب هذا الإصرار كان يكمن في رغبة داخلية في جمع أجزاء صورة مبتورة. لقد عاصر جيلي نهاية عصر مبارك عام 2011، لكنه لم يعاصر بدايته ولم يتابع أحداثه من نقطة الصعود إلى نقطة الهبوط. على كل حال، ها هو العدد أخيرًا بين يدي مقابل 150 جنيهًا فقط.
هذه صحيفتي
حمل الاتصال الأول مع عدد الجريدة شعورًا غريبًا لا يمكن وصفه بسهولة، حيث تستقبلك هذه القطعة الصحفية الهاربة من عقد الثمانينيات برائحة مميزة وملمس خاص، ناتج عن تدهور مكونات الورق وتحلل أليافه بفعل الحرارة والرطوبة والهواء. بدأت في تأمل الخطوط ومراقبة تأثير الحبر الذي لا يقتصر دوره على تكوين جمل ونصوص تمنح القارئ نافذة على أهم الأخبار، بل يشمل أيضًا خلق مساحات شخصية مرتبطة بالخبرات المعرفية والعاطفية والاجتماعية.
تناقش دراسة أجراها نيك ماثيوز الباحث في كلية هابارد للصحافة والاتصال الجماهيري بجامعة مينيسوتا الأمريكية مفهوم "البصمة المطبوعة/Print Imprint" الذي ينص على أن الصحيفة الورقية تثير مشاعر الملكية واللمس والحنين التي تعد مكونات أساسية للإحساس بالذات.
اعتمدت هذه الدراسة على استطلاع آراء جمهور جريدة أسبوعية أغلقت أبوابها في مقاطعة ريفية في الولايات المتحدة الأمريكية، وأشار بعضهم إلى تراجع الإحساس بالذات نتيجة فقدان منتج صحفي ملموس كان يترك آثارًا من الحبر على أصابعهم.
تتطرق الدراسة أيضًا إلى نوع خاص من الحنين يعرف بـ"الحنين إلى ثقافة الإعلام السابقة وتكنولوجيته"، ويبدو أن هذا الحنين أحد الأسباب الرئيسية التي تدفعنا إلى مطاردة الإصدارات القديمة، فنحن نبحث عن الصحف والمجلات التي اجتاح اللون الأصفر صفحاتها أملًا في استعادة شعور "هذه صحيفتي" الذي اختفى تدريجيًا في عصر المنصات الرقمية المملوكة للجميع، كما نفتش عن شرائط الكاسيت المغطاة بالتراب رغبة في حيازة أصل فني مادي في زمن الأصول الفنية المجردة على الإنترنت.
بشكل عام، يمكن القول إن الرائحة الفريدة والملمس الاستثنائي دفعاني أكثر إلى البدء في تقليب صفحات الجريدة، والحقيقة أن الدور الذي يلعبه هذان العنصران ليس غريبًا في عالم التراث، حيث قرر معهد الآثار الرقمية/IDA الذي يعد مشروعًا مشتركًا بين جامعتي هارفارد وأكسفورد ومتحف المستقبل في دبي أن يوسع اهتماماته لتشمل دراسة روائح الكتب والمطبوعات باعتبارها مدخلًا لفهم التاريخ.
المثير أن المعهد يشير إلى أن البيئة المحيطة قد تُكسب الأصل الورقي ملامح عطرية معينة، ويضرب مثالًا على ذلك بكتب الكنائس التي تحمل رائحة البخور، فهل تتشبع هذه الجريدة التي بين يدي برائحة منزل أو متجر صحف أو درج مكتب على سبيل المثال؟
يومٌ يرنو لغده
مبارك يقود طائرة كُتب على مقدمتها كلمة "المستقبل"، وفي أسفل الصورة عبارة "يالله ... طيران!" هكذا رسم صلاح جاهين في الصفحة التاسعة من عدد الأهرام الذي تناقلته أيدي الجمهور صباح يوم 15 أكتوبر/تشرين الأول 1981، وأصبح بين يدي الآن.
ينتمي هذا الكاريكاتير إلى حالة أوسع يمكن دراستها اليوم ضمن مجال بحثي يعرف باسم "تاريخيات المستقبل"/ Histories of the future. يهتم هذا المجال الحيوي بدراسة المستقبل كما كان يبدو في لحظته التاريخية، فهو يناقش كيف كان الناس في الماضي يتصورون المستقبل المجهول والمفتوح. ولا شك أن الصحف القديمة تعد أحد أهم مصادره.
يمتلئ مجال تاريخيات المستقبل بالعديد من المفاهيم والعلاقات، ومنها العلاقة الخاصة بين الزمن والسلطة. تؤكد هذه العلاقة على أن تصورات المستقبل ليست محايدة دائمًا، إذ يمكن للسلطة السياسية والمؤسسات التابعة لها تحديد المستقبل الذي يبدو ممكنًا أو مرغوبًا. وبالنظر إلى عام 1981 في مصر، سنجد أن الحرص على رسم صورة المستقبل المستقر الذي يحمل علامات البناء والتنمية إحدى أبرز أدوات الخطاب العام للصحف القومية.
يظهر ذلك بوضوح في العدد الذي بين أيدينا، بدءًا من العنوان العريض الذي يؤكد على أن "مصر بقيادة مبارك تواصل مسيرة السادات بالحق والعدل والمصلحة"، مرورًا بمقالات الرأي وافتتاحية الأهرام التي تؤكد على ضرورة تجاوز محنة اغتيال الزعيم الراحل والاتحاد تحت راية مبارك دعمًا للاستقرار، وانتهاءً بكاريكاتير صلاح جاهين وغيره من الرسائل التي تبشر بالمستقبل الواعد وتزف التهاني للرئيس الجديد.
لكن ثمة شيء أكثر جاذبية في هذا العدد التاريخي، وهو قدرته على الجمع بين طبقات زمنية متعددة، حيث يشير مفهوم "التعددية الزمنية" الذي يعد أحد أبرز مفاهيم تاريخيات المستقبل إلى أن المجتمع يتعامل مع مستقبليات متنوعة في اللحظة نفسها، فالفرد يمكن أن يحمل تصورًا عن نهاية الزمان يستند إلى معتقدات دينية، وتصورًا آخر عن المستقبل السياسي القريب، وتصورًا ثالثًا عن المستقبل الشخصي وما يتضمنه من مخاطر يومية.
يبرز هذا المفهوم بين أوراق الصحيفة، فهي تحمل تصورات عن المستقبل العام للبلاد التي كانت تقف في مفترق طرق وتنتظر إتمام الانسحاب الإسرائيلي من أرضها المحتلة، كما تحمل إشارات لمستقبليات أصغر تظهر في أمثلة مختلفة، مثل خبر موعد بدء الدراسة في جامعة الإسكندرية، وخبر آخر يتحدث عن استئناف مكاتب التليفونات تحصيل قيمة الفواتير عن شهر أكتوبر خلال أيام بعد توقف العمل نظرًا لظروف اغتيال السادات، إضافة إلى صفحة الإعلانات المبوبة التي تتضمن إعلانات توظيف تخاطب الراغبين في بناء حياتهم ورسم مستقبلهم المحدود.
في دراسة بعنوان State of the field: Histories of the future، يختم ستة باحثين من جامعة أنتويرب البلجيكية حديثهم بالإشارة إلى سبب زيادة الاهتمام بتاريخيات المستقبل في العصر الحالي. يرى الباحثون أن السبب يعود إلى قلقنا الدائم من المستقبل في عصر يشهد أزمات حادة مثل تغير المناخ والركود الاقتصادي والحروب.
بمعنى آخر، يسأل الباحثون: هل نهتم بدراسة تصورات الراحلين عن المستقبل من أجل فهم أفضل للماضي، أم لأننا نحن أنفسنا نعيش عصرًا يشهد أسئلة ملحة بشأن المستقبل؟ يمثل هذا السؤال الدائري عنصرًا أساسيًا في تجربة تصفح الأعداد القديمة التي ننظر إليها من الخارج بعد أن عرفنا نهايات ما تحمله من بدايات.
على هامش الضجيج
تحت عنوان "Additional History: Headlines You Probably Missed" تقدم الكاتبة الأمريكية "تيفاني كلارك" بودكاست جذابًا تقوم فكرته على استخراج الأخبار الصغيرة الهامشية من قلب الصحف القديمة التي صدرت في الأيام التاريخية الشهيرة. يستعرض البودكاست قصص الجرائم والألغاز والحكايات الإنسانية التي نشرت في الصحف صباح اليوم التالي لغرق تايتانيك أو انتهاء الحرب الأهلية الأمريكية أو صعود الإنسان للقمر على سبيل المثال.
تعتمد هذه الحلقات الإذاعية الذكية على مبدأ عام يقف خلف جزء كبير من سحر الصحف القديمة، هو المصادفة. فنحن نتصفح الأعداد التاريخية بهدف التعرف على تعامل وسائل الإعلام مع حدث مركزي مهم مثل اغتيال السادات أو اختيار مبارك رئيسًا للجمهورية أو زلزال 1992، لكننا نصادف على هامش الحدث أخبارًا وشكاوى وأعمدة وصورًا توسع مساحة النافذة التي نطل منها على الماضي.
بجوار الصفحات التي خُصصت لتفريغ خطاب مبارك في مجلس الشعب واستعراض التهاني وبيانات التأييد الصادرة عن الشركات والمؤسسات المختلفة، صادفت عمودًا يحمل عنوان "التلفزيون اليوم" ويستعرض برنامج عمل الشاشة الفضية التي قرر القائمون عليها إذاعة فواصل دورية بين نشرات الأخبار والأفلام التسجيلية تحت عنوان "من أقوال الزعيم الراحل"، كما صادفت عمودًا يعلن عن أختام ووثائق مفقودة يخلي أصحابها مسؤوليتهم القانونية عن استخدامها بواسطة أي شخص مجهول.
لكن المصادفات الأكثر تأثيرًا كانت من نصيب صفحة الوفيات التي حملت رسائل إنسانية رقيقة مثل تلك التي وجهها أب وأم إلى ابنتهما الراحلة: "يا أحن قلب للعطاء. طلبت لك الشفاء فلبيت نداء السماء. سنظل نتذكرك بعد أن تركتينا نقاسي مرارة البعد لفراقك. عزاؤنا أنك مع القديسين".
توضح هذه الأمثلة وغيرها الكثير قيمة المصادفة التي تخلق أسئلة جديدة عن شكل الحياة قبل عقود طويلة. واللافت أن جاذبية الصحف القديمة الناتجة عن ارتفاع احتمالية حدوث المصادفات ترتبط في الأساس بالطبيعة المميزة للجريدة الورقية.
يشير مقال لـ إيثان زوكرمان أستاذ السياسات العامة والاتصال بجامعة ماساتشوستس أمهرست الأمريكية إلى أن الصفحة الأولى للصحف اليومية تعد أحد أفضل مصادر المصادفة، فهي تعتبر وسيلة لإبراز بعض القصص الجانبية التي توجه القارئ إلى موضوعات محددة لم يكن يعرف أنه بحاجة لقراءتها. بل تتطرق دراسة نُشرت عام 2016 بجامعة ويسترن أونتاريو في كندا إلى دور اللمس المادي للوثائق التاريخية في تحفيز الإلهام الذي يساعد الباحثين على تحقيق اكتشافات مصادفة.
هل تصمد صحفنا؟
على منصة Reddit، سأل أحدهم عن أفضل طريقة للحفاظ على صحف قديمة وجدها في جراج جده. رأيت السؤال وأنا في انتظار استلام أول قطعة في أرشيفي الخاص فوجهته إلى البائع عندما قابلته، لكنه اكتفي بالقول إن الصحيفة كانت بين أوراق مختلفة في درج المكتبة، وها هي قد صمدت لمدة تزيد على أربعين عامًا.
تذكرت ذلك الحديث وأنا أغلق الجريدة بعد أن وصلت إلى الصفحة الأخيرة التي تحمل صورًا متنوعة تغطي أحداث اليوم الأول من قصة طويلة امتدت إلى ثلاثين عامًا. طويت الورق الهش وأنا محمل بالعديد من الأفكار والمشاعر ثم وضعته في ظرف بلاستيكي للحفاظ عليه وأنا أسأل نفسي أسئلة لا إجابات لها.
يا ترى لكم من السنوات الإضافية ستبقى هذه القطعة؟ من سيحملها بعدي؟ والأهم، لكم ستبقى صحف العصر الحالي بعد أن نرحل جميعًا ويغطينا التراب؟ كيف سينظر القادمون إليها في عصر الذكاء الاصطناعي؟ وماذا سيقولون عنا بعد أن يطالعوا أعمدتها وأخبارها وصورها عن طريق الصدفة مثلما نفعل نحن اليوم مع صحف السابقين؟
أعتقد أن هذه الأسئلة تظهر دائمًا في الخلفية كلما جلسنا نتصفح الأرشيف، وربما هي من تدفعنا دون أن ندري للتفتيش في وثائق الماضي المزدحم الذي حمل الكثير لتلك الأرض الصاخبة ذات الحاضر المتشابك والمستقبل الغامض.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.