DALL·E 3
مبارك والسادات

رئيسان والسنوات الفاصلة بينهما

منشور الأربعاء 11 شباط/فبراير 2026

كلاهما رحل، مبارك، قبل 15 عامًا، والسادات قبل 45 عامًا. شهدتُ رحيل كل منهما، لحظتان عنوانهما رحيل الرئيس، لكنَّ أحدهما لا تشبه الأخرى.

أتذكر بوضوح تلك اللحظة يوم 11 فبراير/شباط 2011؛ ظهر اللواء عمر سليمان، رئيس جهاز المخابرات المصرية، على شاشة التليفزيون المصري، وبصوته العميق ونبرته المهيبة قال بكل وقار إن حسني مبارك تخلّى عن منصبه رئيسًا لجمهورية مصر العربية.

الساعةَ السادسةَ ودقيقتين مساءً، شاهدتُ ذلك على شاشة تليفزيون صغيرة في شقة أحد الأصدقاء بوسط القاهرة على بُعد بضع مئات من الأمتار من ميدان التحرير. فتحتُ الباب واندفعتُ هابطةً دورين إلى الشارع، لألتحق بعشرات الآلاف من المصريين الذين انفجروا فرحًا.

ركضتُ إلى ميدان التحرير. رقصتُ وغنّيتُ وهتفتُ مع الجموع، ثم صعدتُ إلى شقة صديق تُطلّ على الميدان لأرى الميدان من الأعلى. وعندما دخلتُ الشقة وجدتُ نفسي وجهًا لوجهٍ مع ليلى، والدة خالد سعيد. كانت تبتسم بهدوء، احتضنتُها وسألتُها عن شعورها، قالت إنها تشعر أخيرًا بشيء من السكينة والاطمئنان. خرجتُ إلى الشرفة ونظرتُ إلى واحدٍ من أعظم المشاهد في حياتي. كنتُ مفعمةً بالأمل.

لم يكن أحدٌ يعرفُ على وجه الدقة ما الذي يجري لكنهم سمعوا ضابطًا يقول إن جميع القوات في حالة تأهّب قصوى

لحظة فرح وانفراج. كنتُ أمضيتُ أسبوعين عاصفين أُخيّم في محيط ميدان التحرير. شهدتُ كثيرًا من العنف، وعشتُ أكثر لحظات حياتي وحدة. في ذلك الوقت، آمنتُ بأن تنحّي حسني مبارك يكون نهايةَ طغيان النظام الفاسد. ولم أدركْ أن الأمرَ ليس سوى مرحلة انتقالية تمهّد لبداية أزمنة بالغة الصعوبة.

يوم اغتيل السادات

أقارنُ تلك اللحظة بيوم اغتيال الرئيس أنور السادات. كنتُ في التاسعة عشرة من عمري، أقضي إجازةً في الغردقة مع إحدى صديقاتي. ونحن نستعد لتناول العشاء بعد يوم على الشاطئ، ظهر أخي فجأة في الفندق الذي نقيم فيه. من المفترض أنه ذاهب لرحلة صيد وإبحار تستمر أربعة أيام، لذا فوجئتُ برؤيته. شرح لنا أن خفر السواحل سحبوا تصاريح الإبحار فجأة، وأن جميع القوارب مُنعت من مغادرة الميناء.

لم يعرف أحد على وجه الدقة ما الذي يجري، لكنهم سمعوا ضابطًا يقول إن جميع القوات في حالة تأهّب قصوى، وغير مسموح بالإبحار حتى إشعار آخر. حاولنا متابعة الأخبار عبر الراديو، لكننا لم نتمكن من التقاط أي محطة إذاعية مصرية. فقط وصلتنا محطات من السعودية والأردن وسوريا تحتفل بـ"سقوط طاغية مصر" على أيدي "جنود مصريين شجعان".

وبينما نحن ونزلاء الفندق المصريون وإدارته متحلّقون حول الراديو نحاول فهم ما يحدث وما ينبغي علينا فعله، دخل المدير العام للفندق وأعلن أن الرئيس قُتل، وطلب من أحد مساعديه التوجّه إلى المنتجع المجاور "كلوب ميد" لمعرفة ما إذا كانوا سيقيمون سهرة الكباريه تلك الليلة، مضيفًا أنه ليس من اللائق المضي قدمًا في ليلة الديسكو التي خطط الفندق لها.

في تلك اللحظة، تقدّم عدد من السائحين الإيطاليين إلى المدير العام لتقديم التعازي وإبداء الاحترام لرحيل قائد عظيم. عندها قلتُ لأخي إنه ينبغي علينا محاولة الاتصال بوالدينا في القاهرة لمعرفة ما حدث وما علينا فعله. عندما نجحنا أخيرًا في الوصول إلى والدتي، قالت إن والدي في غرفة العمليات يُجري جراحة لأحد المصابين في موقع الاغتيال، وأضافت أنه يريدنا أن نبقى في الغردقة، لأن ذلك أكثر أمانًا. شعرتُ بالارتياح لأننا لن نضطر إلى قطع إجازتنا. كنتُ صغيرة السن، ومنفصلة عن الشأن العام.

لقد نضجتُ وتطوّرتُ كثيرًا في السنوات الفاصلة بين اغتيال السادات وتنحّي حسني مبارك. تولّدت لديّ مخاوف واهتمامات، وأصبحتُ أكثر انشغالًا بمستقبل بلدي. وأعتقد أن ذلك كان، إلى حدّ كبير، من أجل عائلتي. ففي عام 1981 كنتُ طليقة البال، لا أفكّر إلا في اللحظة الراهنة. أما في عام 2011، فكنتُ أطمح إلى وطنٍ أفضل يعيش فيه أطفالي. 

لقد أصبحتُ شخصًا آخر.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.