الانتخابات الإسرائيلية.. خلف كل نتنياهو يرحل نتنياهو جديد
في 27 أكتوبر/تشرين الأول الحالي، يتوجه الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع في انتخابات تحولت إلى استفتاء على استمرار رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في الحكم من عدمه، بعد أكثر من 19 سنة قضاها في المنصب على فترات متقطعة، وفي ظل محاكمته في قضايا فساد، والجدل بشأن مسؤوليته عن الإخفاقات التي سبقت هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
لكن السؤال الأكثر أهمية للفلسطينيين ولمصر وللمنطقة بأسرها يمتد إلى ما هو أبعد من المصير السياسي لنتنياهو: إذا رحل عن السلطة، هل ترحل معه "النتنياهوية" -بما تمثله من رفض قاطع لإقامة دولة فلسطينية، وتوسيع السيطرة على الأراضي المحتلة، والاعتماد المطلق على القوة العسكرية الغاشمة؟ أم يواصل خلفه السير على الطريق نفسه؟
خريطة التحالفات
تنقسم الخريطة السياسية بين معسكر نتنياهو الذي يضم حزب الليكود إلى جانب أحزاب اليمين المتطرف "القوة اليهودية" و"الصهيونية الدينية" وأحزاب الحريديم الدينية "شاس" و"يهودية التوراة"، وبين معارضة صهيونية اتفقت أحزابها الرئيسية على التعاون لإسقاط حكومته، ويبرز فيها رئيس أركان جيش الاحتلال الأسبق جادي أيزنكوت، ورئيس الوزراء الأسبق نفتالي بينيت، ورئيس المعارضة الحالي في الكنيست يائير لابيد، ووزير الدفاع الأسبق أفيجدور ليبرمان، ويائير جولان زعيم حزب المحافظين وهو تحالف بين حزبي "العمل" و"ميرتس". حتى الآن، لا تمنح استطلاعات الرأي أيًا من المعسكرين المتنافسين طريقًا سهلًا لتشكيل الحكومة.
ويقف إلى يمين المعسكرين حزب شعب إسرائيل، الذي أسسه العميد السابق عوفر فينتر، الذي أعلن أنه لن يوصي لرئاسة الحكومة إلا بنتنياهو، لكنه يختلف مع حلفائه الحريديم ويشترط تغيير سياسة إعفائهم من التجنيد.
وفي أحدث استطلاع لهيئة البث الإسرائيلية نُشر في 18 أكتوبر، حصل معسكر نتنياهو على 51 مقعدًا، مقابل 52 للمعارضة، و13 للقائمتين العربيتين، وأربعة لتحالف الاحتياط والاقتصاديين، بعيدًا عن أغلبية الـ61 مقعدًا اللازمة لتأمين ائتلاف مستقر.
ما تأثير الانتخابات على الفلسطينيين؟
"إما اليمين وإما فلسطين".. كان هذا أحد أبرز الشعارات الانتخابية لنتنياهو، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، والذي قاد إسرائيل أثناء حرب الإبادة الجماعية على غزة والتوسع الاستيطاني الجنوني في الضفة الغربية.
ومع ذلك، ليس نتنياهو الأكثر تشددًا داخل معسكره. فوزير الأمن القومي إيتمار بن غفير يدعو إلى احتلال غزة وتهجير سكانها وإعادة الاستيطان فيها، فيما دعا وزير المالية بتسلئيل سموتريتش في 12 أكتوبر الحالي إلى "محو غزة". أما فينتر فـقال إن الحل في غزة واحد "هو الهجرة".
في المقابل، تكاد تغيب القضية الفلسطينية تمامًا عن الحملات الانتخابية للمعارضة. ويبدو ذلك متسقًا مع اتجاهات الرأي العام؛ إذ أظهر استطلاع لمعهد دراسات الأمن القومي في أكتوبر 2025 أن 68% من اليهود الإسرائيليين يرفضون إقامة دولة فلسطينية تحت أي ظرف.
ولا يتبنى أيزنكوت أو بينيت أو ليبرمان مقترح إقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة ضمن برامجهم الانتخابية. أما لابيد وغولان فيبدوان أكثر انفتاحًا على تسوية مستقبلية، لكن دون خطة لإنهاء الاحتلال في المدى القريب، على العكس أيَّد ليبرمان ما يسمى "الهجرة الطوعية" من غزة، ووصف الاعتراض عليها بأنه نفاق سياسي وأخلاقي.
ويمتد التقارب بين المعسكرين إلى الاستيطان في الضفة الغربية وإن اختلفت لغة الخطاب. فقد أيد حزب ياشار بناء مستوطنات جديدة، بينما يؤيد تحالف "معًا" توسيع المستوطنات المعترف بها وفق النظام القانوني الإسرائيلي، رغم أن محكمة العدل الدولية أكدت في رأيها الاستشاري عام 2024 أن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة والقدس الشرقية أُنشئت -وتحافظ عليها سلطات الاحتلال- بالمخالفة للقانون الدولي، فيما تفرق السلطات الإسرائيلية داخليًا بين مستوطنات أقرتها الحكومة وبؤر استيطانية أقيمت دون ترخيص رسمي، وتعتبرها السلطات غير قانونية بنص القوانين الإسرائيلية.
وتبرز الفروق بين اليمين والمعارضة أساسًا في طريقة إدارة الاحتلال. فرغم دعمه الاستيطان، عارض أيزنكوت بعض المشروعات الاستيطانية لما تحمله من تكلفة دولية، وحذر من تفكيك السلطة الفلسطينية، وتعهد بمواجهة عنف المستوطنين. ووصف لابيد اعتداءات المستوطنين بأنها "إرهاب يهودي"، فيما تعهد بينيت بإخلاء البؤر غير المرخصة إسرائيليًا. أما غولان، فعلى خلاف ما يطرحه أقصى اليمين، يرفض ضم الضفة، ويدعو إلى انفصال سياسي عن الفلسطينيين مع استمرار ترتيبات أمنية إسرائيلية.
وتنعكس هذه التباينات الإدارية على الحياة اليومية للفلسطينيين. ويقول مصدر سياسي فلسطيني تحدث لـ المنصة، وطلب عدم الكشف عن هويته لاعتبارات أمنية "الحياة لن تكون وردية تحت المعارضة، مع ذلك فهناك السيئ وهناك الأسوأ. فالمعارضة قد تكون أكثر قابلية لتقديم تنازلات لحلفائها الدوليين، تشمل الحد من عنف المستوطنين، وتخفيف المعاناة في غزة وإبطاء المسار الحالي نحو فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية".
وقد تعني هذه الفروق تغييرات ملموسة في الحياة اليومية للفلسطينيين، حتى إذا لم تمس جذور الاحتلال. ويقول علي إبراهيم، وهو ناشط وباحث اجتماعي من غزة طلب تغيير اسم عائلته لاعتبارات أمنية، لـ المنصة "الناس في غزة طبعًا مهتمة بالانتخابات رغم انشغالهم بتأمين احتياجاتهم الأساسية. يعني سكان غزة بيقضوا عشر دقائق يبحثوا عن إنترنت لمتابعة الأخبار، طبعًا بعد قضاء 50 دقيقة للبحث عن المساعدات والمياه وسبل العيش، لكن الأمرين لا ينفصلان عن بعضهما".
وماذا عن مصر والمنطقة؟
تضيق الفروق أيضًا بين المعسكرين المتنافسين فيما يتعلق بمبدأ استخدام القوة العسكرية خارج الحدود الفلسطينية، فبحسب استطلاع لمعهد دراسات الأمن القومي في يونيو/حزيران، أيد 59% من الإسرائيليين مواصلة العمليات العسكرية ضد حزب الله حتى إذا أدت إلى خلاف مع الولايات المتحدة، بينهم 55% من ناخبي المعارضة، فيما أيد 52% عمليات عسكرية إضافية ضد إيران.
وتظهر المواقف نفسها لدى قيادات المعارضة؛ فقد انتقد لابيد عدم استهداف إسرائيل منشآت الطاقة وحقول النفط الإيرانية، بينما اتهم ليبرمان القيادة السياسية بتقييد عمليات الجيش ضد حزب الله، أمَّا أيزنكوت فلا ينتظر منه أي شيء مغاير، فهو مهندس عقيدة الضاحية، الذي ارتبط اسمه بصياغتها عندما كان قائدًا للمنطقة الشمالية، وتقوم على الرد باستخدام قوة نارية شديدة وتدمير واسع للبنية التحتية في المناطق التي تنطلق منها هجمات على إسرائيل، كما حدث في الضاحية الجنوبية لبيروت.
لكن الاختلاف الأكثر وضوحًا بين الطرفين هو العلاقة بالحلفاء. فقد اتهم أيزنكوت نتنياهو بتدمير مكانة إسرائيل الدولية، وتعهد بإصلاح علاقاتها وتعزيز التعاون مع مصر والأردن والتفاوض على ترتيبات أمنية في سوريا ولبنان بضمانات أمريكية.
ويقول دبلوماسي عربي يعمل على ملف علاقات بلده بإسرائيل، طلب عدم الكشف عن هويته بسبب حساسية منصبه، لـ المنصة إن "الحكومة الحالية تحاول إرضاء من على يمينها حتى على حساب استقرار المنطقة، أما حكومة ليس بها سموتريتش أو بن غفير سيكون الحديث معها أكثر عقلانية".
ويتفق معه المحامي والحقوقي الفلسطيني أمل عرابي، ويقول لـ المنصة "الحكومات العربية تفضل التيار الصهيوني التقليدي الذي تستطيع التعاطي معه، مقارنة بالتيار المتطرف الحاكم حاليًا".
لكن حتى حكومة معارضة ستصطدم بملفات شديدة الحساسية لمصر. فبحسب استطلاع أجراه مركز دايركت بولز في يونيو الماضي، يؤيد 73% من اليهود الإسرائيليين تشجيع سكان غزة على "الهجرة الطوعية"، فيما سبق أن اقترح ليبرمان نقل نحو مليون فلسطيني من غزة إلى سيناء.
أما الملف الأكثر حساسية وآنية بالنسبة لمصر، وهو اعتراف إسرائيل بصوماليلاند في ديسمبر/ كانون الأول 2025، وما يفتحه من باب أمام إثيوبيا إلى البحر الأحمر، فلم يدخل باب الجدال بين المعسكرات الانتخابية أصلًا، إذ لم يبد معسكر نتنياهو أي تراجع عنه، ولم تبد المعارضة أي اعتراض عليه.
لماذا يريدون تغيير نتنياهو؟
إذا كانت المسافات بين اليمين والمعارضة محدودة في الملفين الفلسطيني والإقليمي، فإن الانتخابات تدور في الأساس حول قضايا إسرائيلية داخلية حادة.
فتحمل المعارضة نتنياهو مسؤولية الإخفاقات التي سبقت 7 أكتوبر، وتطالب بلجنة تحقيق رسمية مستقلة، وتتهم حكومته بمحاولة تقويض استقلال القضاء، فيما تدور مواجهة أخرى حول إعفاء الرجال الحريديم من الخدمة العسكرية وتمويل مؤسساتهم الدينية.
ويلخص المحامي والحقوقي الفلسطيني أمل عرابي هذه الخلافات لـ المنصة "نتنياهو أشرف على فشل 7 أكتوبر وحاول السيطرة على القضاء وانتشر الفساد في عصره وحاول تنصيب نفسه على قمة هرم السلطة في إسرائيل، وهو ما جعل الانتخابات أشبه باستفتاء على نتنياهو".
ويمثل الحريديم نحو 14% من السكان. وتطالب قوى المعارضة بتوسيع التجنيد ليشملهم، فيما يتمسك حزبا شاس ويهودية التوراة بإعفاء طلاب المعاهد الدينية من الخدمة العسكرية. لكن الانقسام لا يتطابق تمامًا مع معسكري نتنياهو ومعارضيه؛ ففينتر، رغم إعلانه أنه لن يوصي إلا بنتنياهو لرئاسة الحكومة، لكنه يشترط تجنيد الحريديم، مما يعقد حسابات الائتلاف القادم.
هل يحسم الصوت الفلسطيني النتيجة؟
يبلغ عدد فلسطينيِّي الداخل الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية نحو 1.7 مليون نسمة، ويتنافس على أصواتهم أساسًا القائمة العربية الموحدة "رعام" بقيادة منصور عباس، التي شاركت في حكومة بينيت ولابيد عامي 2021 و2022، والقائمة المشتركة بقيادة يوسف جبارين، لكن وزنهما يتوقف على مشاركة الأصوات العربية في الانتخابات. ففي انتخابات 2022 بلغت المشاركة 53.2% بين العرب مقابل 70.6% إجمالًا، بعدما قاربت 65% عام 2020.
والأهم أن الـ13 مقعدًا التي تمنحها الاستطلاعات للقائمتين العربيتين قد تكسر الجمود حسابيًا، لا سياسيًا بالضرورة. إذ استبعد أيزنكوت ولابيد وليبرمان حتى الآن الاعتماد على الأحزاب العربية شريكةً في الحكومة، بينما أعلن منصور عباس أن أولويته إسقاط حكومة نتنياهو، وقال رئيس القائمة المشتركة يوسف جبارين إن قائمته مستعدة لدعم أي حكومة تسقط نتنياهو.
نظريًا قد تصل المعارضة إلى أرقام تكفي لإسقاط نتنياهو، من دون أن تمتلك اتفاقًا سياسيًا يسمح بتشكيل حكومة.
4 سيناريوهات ممكنة
تفتح هذه الأرقام أربعة مسارات، لا يشكل أي منها نتيجة محسومة سلفًا:
الأول
حكومة أخرى بقيادة نتنياهو، إذا تمكن من جمع حلفائه الحاليين وفينتر أو قوى أخرى. عندها يرجح استمرار الاتجاه العام للسياسات الحالية، وقد يفتح تزايد وزن بن غفير وسموتريتش الباب أمام مزيد من الاستيطان ومحاولات فرض السيادة الإسرائيلية على أجزاء من الضفة.
الثاني
حكومة معارضة، إذا نجحت في جذب قوى إضافية خصوصًا حزب الاحتياط. وقد تحتاج إلى دعم الأحزاب العربية من خارج الائتلاف أو إلى حزبي شاس ويهودية التوراة، لكن الخيار الأول يصطدم بالمواقف المعلنة لبعض قادتها، والثاني بالخلاف حول تجنيد الحريديم.
الثالث
حكومة وحدة وطنية تضم أحزابًا من المعسكرين. ففي استطلاع نُشر في 16 أكتوبر/تشرين الأول، قال 55% إنهم يفضلون حكومة وحدة على انتخابات جديدة إذا استمر الجمود. كما شهدت إسرائيل سوابق تراجعت فيها أحزاب عن خطوط حمراء انتخابية بعد ظهور النتائج.
الرابع
انتخابات جديدة إذا استُنفدت محاولات تشكيل حكومة، على أن تستمر حكومة نتنياهو في تصريف الأعمال حتى تشكيل بديل.
وهكذا قد تكون انتخابات 27 أكتوبر حاسمة في تقرير من يحكم إسرائيل وطبيعة العلاقة بين الحكومة والقضاء والحريديم وحلفائها في الخارج، لكنها لا تعرض على الفلسطينيين اختيارًا بين استمرار الاحتلال وإنهائه.
خسارة نتنياهو قد تخفف عنف المستوطنين، وتحد من سياسات أقصى اليمين، وتجعل الحكومة أكثر استجابة للضغوط الأمريكية والعربية والدولية، وهي فروق ليست هامشية بالنسبة لمن يعيشون نتائج هذه السياسات. لكن غالبية القوى المرشحة للحكم لا تطرح إنهاء الاحتلال أو التخلي عن السيطرة الأمنية والاستيطان واستخدام القوة العسكرية باعتبارها أدوات أساسية للسياسة الإسرائيلية.
وكما يلخص المحامي والحقوقي الفلسطيني أمل عرابي رؤيته للمشهد في الأراضي المحتلة فإنه "قد يرحل نتنياهو، لكن النتنياهوية ستبقى".