الخلاصة| هل يقدر أبلكيشن على حل أزمة الضرائب العقارية؟
خلال الشهر الحالي، وجه وزير المالية، أحمد كجوك، الشكر للمواطنين على تسجيل بيانات أكثر من 2 مليون وحدة على أبلكيشن الضرائب العقارية الجديد بعد انقضاء 100 يوم من إطلاقه في يونيو/حزيران الماضي.
يروج كجوك لهذا العدد باعتباره مؤشرًا على نجاحه في الوصول لفكرة تشجع ملايين المواطنين على الكشف عن بيانات ممتلكاتهم العقارية، بعد نحو عقدين من المحاولات لزيادة حصيلة هذه الضريبة التي بدأت في عهد الوزير الأسبق يوسف بطرس غالي، ولم تُسفر إلا عن حصيلة هزيلة من وراء ثروة عقارية تُقدر بـعشرة تريليونات جنيه.
لا يزال الأبلكيشن في مرحلة اختبار عمَّا إذا كان سيمثل مفتاحًا للولوج لبيانات أصحاب الوحدات العقارية، وبالتالي دمج الثروة العمرانية الهائلة في مصر داخل شبكة الموارد الضريبية، أم سيواجه المزيد من العوائق مع التوسع في الاعتماد عليه؟ ولماذا تراهن عليه الدولة؟ وإلى أي مدى هو قادر على حل عقدة الضرائب العقارية؟
لماذا بادر الملايين بالتسجيل؟
على صوت المطرب الشعبي عبد الباسط حمودة، روَّجت مصلحة الضرائب في الموسم الرمضاني الماضي للأبلكيشن الجديد الذي سيُمكن ملايين الأسر من التعامل مع الضرائب عبر المحمول من خلال حملة إعلانية شرحت أيضًا التيسيرات الجديدة التي يقدمها القانون بعد تعديله مؤخرًا، مثل عدم محاسبة من يفصحون عن بياناتهم على ما مضى من ضرائب بأثر رجعي.
فيديو إعلان ترويجي لمصلحة الضرائب العقارية عن تعديلات القانون المنظم للضريبة
وبعد أن حددت وزارة المالية 30 سبتمبر/أيلول الماضي موعدًا نهائيًا للاستفادة من تيسيرات التعديلات الجديدة للقانون حال التسجيل في الأبلكيشن، قررت -قبل هذا التاريخ بيوم واحد- مد فترة التسجيل لنهاية العام الحالي، في محاولة لجذب أعداد أكبر.
لكن خلال حديث المنصة مع نائب رئيس مصلحة الضرائب العقارية، محمد السيد، حول تجربة الأبلكيشن، لفت نظرنا ما أشار إليه بشأن توقف مصلحة الضرائب العقارية عن تلقي الإقرارات الورقية منذ إطلاق الأبلكيشن، ما يجعلنا نستنتج أن أحد أسباب ضخامة عدد المسجلين يُعزى إلى أنهم لم يكن لديهم بديل آخر، وليس لإعجابهم بفكرة الأبلكيشن في حد ذاتها.
"حتى من سبق له تقديم إقرار خلال فترات سابقة يجب عليه أيضًا التسجيل من خلال التطبيق، إذ يتيح ذلك تحديث بياناته، كما يمكنه تقديم الإقرار، سواء للوحدة السكنية الخاصة أو الوحدات الأخرى، من خلال إقرار واحد عبر التطبيق"، كما شرح السيد لـ المنصة.
الوجه السلبي للأبلكيشن
من عيوب تجربة الأبلكيشن التي تجاهلها وزير المالية في تصريحاته أن قصر تقدم الإقرارات الضريبية على الأبلكيشن قد يمثل عائقًا أمام قطاعات أخرى من المواطنين وليس ميزة، حيث يشير خبير الضرائب، عبد الرسول عبد الهادي، لـ المنصة، إلى المصاعب التي قد تواجه من لا يجيدون استخدام الخدمات الإلكترونية أو لا تتوافر لديهم الإمكانيات اللازمة لذلك.
ويضيف -في السياق نفسه- باحث في الإدارة المركزية للضرائب على المباني في مصلحة الضرائب العقارية، أن المأموريات التابعة للمصلحة استقبلت خلال الأيام الماضية أعدادًا كبيرة من الممولين الذين يبحثون عن مساعدة لحل مشاكل تقنية واجهتهم أثناء استخدام الأبلكيشن لتقديم الإقرارات الضريبية.
ويضيف الباحث -الذي طلب عدم نشر اسمه- أن ازدياد عدد هذه الشكاوى كان أحد الأسباب الرئيسية وراء مد فترة تقديم الإقرارات عبر الأبلكيشن.
مشكلة التسعير لا تُحل بالموبايل
تبذل "المالية" كل هذه المحاولات بهدف حل عقدة "الضرائب العقارية"، فالحكومات المتعاقبة تتحدث منذ 2008 عن تطبيق إصلاحات واسعة في هذه الضريبة لكي تخرج من دائرة الإيرادات الهزيلة التي لا تتناسب مع ضخامة قيمة الضرائب العقارية، لكن كما يظهر من الرسم التالي، حتى مع وضع مستهدفات متواضعة لإيرادات هذه الضريبة، ظل ما يتم جمعه فعليًا أقل من المستهدف.
رسم بياني من تصميم المنصة للفجوة بين إيرادات الضرائب العقارية المستهدفة والفعلية
بناءً على إخفاقات السنوات الماضية في تنمية حصيلة الضريبة، يحذر خبراء من المشكلات التاريخية للضريبة العقارية، التي لا تزال مستمرة وتعوق فرص زيادة الحصيلة.
"من ضمن الأسباب الأساسية لانخفاض حصيلة الضرائب العقارية من وجهة نظري هي مشكلات تقييم العقارات بعد حصرها" حسبما يقول لـ المنصة مصدر سابق رفيع المستوى في مصلحة الضرائب العقارية.
ويشرح المصدر أن "تقييم العقارات في المصلحة يقوم نظريًا على عدد من المعايير من ضمنها الموقع الجغرافي ومساحة الوحدة العقارية والخدمات المتوفرة في المنطقة وغيرها من المعايير المتعارف عليها، لكن عمليًا يلعب التقييم الشخصي الذي يعتمد على الاستعانة بتقييمات سكان كل منطقة على حدة والسماسرة دورًا حاسمًا في التقييم، لأن العاملين في المصلحة ليسوا خبراء تقييم عقاري".
وتميل هذه التقديرات الشخصية إلى تخفيض تقييم العقارات عمومًا، ما يؤثر بطبيعة الحال سلبًا على الحصيلة الضريبية، حسبما يقول المسؤول السابق، مضيفًا "أنا شخصيًا شاهد على تقييم عقاري من قبل مصلحة الضرائب العقارية لم يتجاوز ثلاثة ملايين جنيه لقصر كبير عام 2016".
وربما لهذا السبب، يتزامن العمل حاليًا على إعداد "خريطة تسعير" تحدد التقييم بناءً على موقع العقار وتقلل من التقدير الشخصي للعاملين في مصلحة الضرائب، كما يقول الباحث في المصلحة.
لكن المسؤول السابق يحذر من أن الخريطة السعرية ستصطدم بنقطة الضعف الرئيسية في القانون المرتبطة بالقيود على رفع تقييم العقارات دوريًا، وهو ما يمنع الخريطة الجديدة من أن تمثل تقييمًا واقعيًا للعقارات.
ويقصد بتلك القيود ما يشترطه القانون رقم 117 لسنة 2014 (تعديلات الضريبة العقارية) بشأن عدم زيادة تقييم العقارات كل خمس سنوات بنسبة تتجاوز 30% للوحدات السكنية، و45% للوحدات غير السكنية خلال الفترة نفسها، ما يعني أن القانون يفترض أن ترتفع أسعار العقارات بمتوسط سنوي قدره 6% للوحدات السكنية و9% لغير السكنية، وهو ما يقل عن الزيادات الفعلية في أسعار السوق خاصة خلال السنوات الأخيرة.
ويشير المسؤول السابق إلى أن مصلحة الضرائب العقارية سبق أن طلبت من وزارة المالية تعديل القانون على نحو يسمح بحذف هذا الحد الأقصى للتقييم، وهو ما لم يحدث.
من جهة أخرى، فإن تيسيرات التعديلات الجديدة، التي تروج لها الوزارة بالتوازي مع الأبلكيشن، قد تكون أيضًا عقبة أمام زيادة حصيلة الضريبة، خاصة فيما يتعلق بحد الإعفاء من الضريبة.
فقد شهدت النقاشات البرلمانية حول تعديلات "الضرائب العقارية" جدلًا كبيرًا، بعد أن رفع البرلمان حد الإعفاء من الضريبة ليبدأ من الوحدات التي تتجاوز قيمتها 8 ملايين جنيه، وهو ضعف حد الإعفاء الذي كانت تقترحه الحكومة.
وحذر خبراء، مثل مرصد العمران من أن الحد الجديد يعني عمليًا إعفاء النسبة الأكبر من الوحدات الموجودة في القاهرة، ووفق تقديرات المرصد لا يرتفع متوسط قيم الوحدات عن هذا الحد داخل القاهرة إلا في حي الزمالك.
حل مشكلة نقص العاملين
بعيدًا عن مشكلات التسعير، هناك وجه إيجابي آخر في الأبلكيشن وهو إمكانية أن يساهم في توفير بيانات أكثر عن العقارات الموجودة، أو ما يسمونه بلغة العاملين في الضرائب حصر الثروة العقارية.
ويشرح الباحث في المصلحة أنه قبل الأبلكيشن كان الاعتماد في جمع البيانات عن العقارات يتم بشكل رئيسي من خلال لجان تتجول في المناطق المختلفة وتدون المعلومات، وكانت قدرة هذه اللجان محدودة بسبب نقص عدد العاملين، ما كان يخلف وراءه عددًا كبيرًا من الوحدات التي لا تعرف عنها المصلحة أي معلومات، أو ما اصطلح على تسميته بـ"سواقط الحصر".
ويرتبط تراجع أعداد العاملين في مصلحة الضرائب العقارية ضمن الجهاز الحكومي عمومًا بصدور قانون الخدمة المدنية الذي حد من التعيينات الجديدة مع استمرار تقليص العاملين بشكل روتيني بسبب بلوغ سن التقاعد.
ويقول الباحث إن التطبيق الجديد ربما يساعد قطاعات من الممولين على الإفصاح الذاتي عن ممتلكاتهم، إما بدافع سهولة تقديم الإقرار الضريبي لمن يجيدون استخدام الأبلكيشن، أو رغبة في الاستفادة من التيسيرات التي تقدمها تعديلات القانون الجديد.
قد يبدو تقييم تأثير التطبيق الجديد للضرائب العقارية سابقًا للأوان بطبيعة الحال، لكن السؤال الذي تحتاج الدولة للإجابة عنه ليس مدى كفاءة الأبلكيشن أو مدى القدرة على استخدامه، وإنما فاعلية خطوة -إجرائية الطابع- كتلك في التغلب على عوامل الضعف التي حالت بينها وبين تحصيل تلك الضريبة كما كانت تتمنى، وعلى رأسها هزالة التقييم السعري للعقارات بما يتناسب مع المتغيرات المتسارعة في السوق.