"التكويت" يضع المصريين على كف عفريت
"نحيطكم علمًا بأن وزارة التربية بصدد إنهاء العقد الثاني المبرم معكم أثناء سريانه عملًا بالبند الرابع مكرر من العقد الثاني مع مراعاة فترة الإنذار المقررة"؛ وصل هذا الإخطار على هاتف فاطمة زكي(*) مدرسة اللغة العربية التي تعمل في الكويت، عبر تطبيق "سهل" الحكومي، في الساعة الثالثة مساء الثامن من سبتمبر/أيلول الماضي؛ أي بعد يومين فقط من بدء الدراسة في المدارس الكويتية، لينهي مسيرة من العمل في البلد الخليجي امتدت 22 عامًا.
كان لدى فاطمة، البالغة 50 عامًا، علمٌ مسبقٌ بوصول مثل هذه الإخطارات لإنهاء الخدمة، حيث وصل عددٌ منها إلى زملاء لها، وبدأت في الظهور يومي 6 و7 سبتمبر، "لمعلمين بيشتغلوا في الكويت من التسعينيات وفيه منهم من 2011 و2015"، كما تقول لـ المنصة.
ما أثار دهشة فاطمة وزملائها من المدرسين الذين انتهى تعاقدهم حصولهم في نهاية العام الدراسي السابق على ما يفيد تجديد عقودهم للعام الدراسي 2026-2027. وهو تعاقد مباشر مع وزارة التربية الكويتية، دون وسيط.
توضح مدرسة اللغة العربية أن وضعهم يختلف عن "المدرسين اللي جايين إعارة من الحكومة المصرية"، وهو نفسه ما أصدر شادي زلطة، المتحدث الرسمي باسم وزارة التربية والتعليم، توضيحًا بخصوصه من أن المعلمين المصريين المنهي تعاقدهم في الكويت "لا يتبعون وزارة التربية والتعليم المصرية"، وأن المعارين للعمل في الكويت من خلال الوزارة مستمرون في عملهم وفقًا لقرارات الإعارة.
تكويت التعليم
في السابع من سبتمبر 2026 أعلنت وزارة التربية الكويتية بدء تنفيذ خطة تدريجية لمعالجة فائض الكوادر التعليمية، بعد دراسة أعداد الهيئة التعليمية واحتياجات المدارس في مختلف التخصصات والمراحل والمناطق التعليمية.
وقالت الوزارة إن إجمالي أعداد الهيئة التعليمية يبلغ نحو 91,761 معلم ومعلمة، من غير شاغلي الوظائف الإشرافية، تمثل الكوادر الوطنية بينهم 70.6%، بينما تبلغ نسبة المعلمين الخليجيين والمقيمين بصورة غير قانونية 10.1%، والمعلمين المقيمين من جنسيات عربية وأخرى مختلفة 19.3%.
وأظهرت دراسة القوى العاملة، بحسب الوزارة، وجود فائض فعلي يقدر بنحو 33,268 معلم ومعلمة في تخصصات تتجاوز أعداد العاملين فيها الاحتياجات الفعلية للمدارس.
وأعلنت الوزارة عن المرحلة الأولى لإحلال المدرسين الكويتيين وتقضي بإنهاء خدمات نحو 7,019 معلم ومعلمة من الكوادر التعليمية المتعاقد معها من جنسيات عربية وأخرى مختلفة، على أن يتم إخطار المشمولين عبر تطبيق "سهل"، متوقعة أن تحقق وفرًا سنويًّا يقدر بنحو 42 مليون دينار كويتي من بند الرواتب فقط.
وبينما لم يتضمن بيان وزارة التربية رقمًا تفصيليًّا لأعداد كل جنسية على حدة، بما فيها المصريون، فإن فاطمة توقعت أن يزيد عدد الذين أنهي تعاقدهم من المدرسين المصريين عن نسبة الـ70% من إجمالي الجنسيات، قياسًا على أعداد زملائها.
الخروج من الكويت
لم تقف تبعات إنهاء التعاقد مع المدرسين على فقدان وظائفهم، لكنهم باتوا مهددين بما هو أكبر، فما أثار الدهشة وسبب الارتباك اختيار وزارة التربية الكويتية بداية العام الدراسي لإنهاء عملهم بعدما عادوا من إجازتهم واستعدوا لبدء عام جديد.
تشير فاطمة إلى أن إنهاء التعاقد قد يعقبه الخروج من الكويت ؛"عشان الإقامة مرتبطة بالوضع الوظيفي". فحسب القواعد المنظمة للإقامة تمنح مهلة 3 أشهر من أجل الالتحاق بوظيفة أخرى وإلا فيجب مغادرة البلاد.
لا يقتصر الأمر على قطاع التعليم، فمحاولات خفض الميزانيات تمتد إلى قطاعات أخرى بينها قطاع الصحافة الذي يعمل فيه زوج فاطمة والذي تقلص راتبه ؛ "جوزي شغال صحفي ومع ذلك برضه راتبه ضمن خطة لتقليص المرتبات، فمن ناحية خسرت شغلي وكمان مرتبه نزل"؛ تقول مدرسة اللغة العربية.
هذا يتوافق مع الإعلان عن وقف إصدار تصاريح عمل جديدة للعمالة المصرية إلى الكويت، مع وضع ضوابط جديدة للاستقدام وإعطاء الأولوية للتخصصات التي يحتاج إليها سوق العمل الكويتية.
وانخفض حجم العمالة المصرية في الكويت إلى نحو 468.8 ألف عامل وعاملة في نهاية 2025، وفق بيانات سوق العمل المنشورة في الكويت، مقابل أكثر من 477 ألفًا في نهاية 2024، ما يعني تراجع عدد العمالة المصرية في الكويت بنحو 8.3 ألف عامل وعاملة خلال عام 2025.
هذا الانخفاض تؤكد عليه عدد من مكاتب السفر والتوظيف التي تواصلت معها المنصة، وفيما أفاد مكتب "الاتحاد الخليجي" بأن تأشيرات المصريين إلى الكويت متوقفة منذ نحو عام وثمانية أشهر، وأن بعضًا ممن لديهم تأشيرات واجهوا مشكلات في الدخول، أشار مكتب "عزيز" إلى أن الأمر لا يقتصر على المعلمين، بل يشمل "مختلف المهن"، فيما وصف مكتب "الطارق" سوق العمل الكويتية بأنها أصبحت من الأسواق الصعبة أمام المصريين، بعدما كانت من واحدة من الوجهات التي تستقبل أعدادًا كبيرة من العمالة المصرية.
فرق عملة
يمتد أثر إنهاء عقود المعلمين في سوق العمل الكويتية بدوره إلى تحويلات المصريين في الخارج، وهو ما تؤكد عليه حنان رمسيس، الخبيرة الاقتصادية وخبيرة أسواق المال؛ "نظرًا إلى قيمة الدينار الكويتي، البالغ حوالي 175 جنيهًا"، وبغت تحويلات المصريين في الكويت 2.1 مليار دولار في 2023/2024، حسب الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.
"تحويلات المصريين لا تعتمد على الكويت وحدها أو على المعلمين فقط، ومع ذلك فإن عودتهم من الكويت ستنعكس على حجم التحويلات"؛ تقول حنان لـ المنصة، قبل أن تستدرك "أفتكر الوضع ده مؤقت".
تشير خبيرة أسواق المال إلى أن انتقال العمالة المصرية من دولة إلى أخرى حدث في أوقات سابقة، مستشهدة بحالات في ليبيا والجزائر.
لكن وزير القوى العاملة الأسبق كمال أبو عيطة يشير لواقع العمالة المصرية في الخليج بشكل أعم؛ فالأمر لا يقتصر على المعلمين أو على الكويت وحدها؛ "أنا عارف مصريين انتهت علاقات عملهم في دول خليجية بعد عودتهم من الإجازات، وفيهم مهن كتير مش معلمين بس"، يقول لـ المنصة.
وبينما لا تنعكس ملاحظة القيادي العمالي على تحويلات المصريين العاملين في الخارج إذ ارتفعت تحويلات المصريين في الخارج بنحو 11 مليار دولار خلال 2025-2026 مسجلة نحو 47.2 مليار دولار مقابل نحو 36.4 مليار دولار في العام المالي السابق له، لكنه يشدد على ضرورة الانتباه لتأثير الظروف الجيوسياسية من امتدادات الحرب على إيران إلى جانب تداعيات حرب اليمن على العمالة المصرية في الخليج.
يدعو أبو عيطة لـ"فتح أسواق عمل جديدة أمام المصريين، وربط التعليم والتدريب باحتياجات أسواق العمل المحلية والخارجية"، أما بالنسبة للمعلمين "فعلى الحكومة بحث إمكانية الاستفادة منهم داخل المدارس المصرية فالدولة تعاني بالفعل من عجز في أعداد المدرسين، مع تحسين أجورهم".
وتواصلت المنصة مع عبد الوهاب خضر، المتحدث الإعلامي باسم وزارة العمل، ومع شادي زلطة المتحدث الإعلامي لوزارة التربية والتعليم، غير أنها لم تتلق ردًا من أي منهما حتى موعد النشر.
سريعًا تنفد مدة الثلاثة شهور القانونية للإقامة في الكويت دون عمل، وفاطمة لا تجد حلًا يسمح لها بتجاوز تداعيات القرار، ولم تعثر على عمل بديل يعوضها راتبها الذي تنفق منه على تعليم ابنها الطالب في كلية الطب.
(*) اسم مستعار بناء على طلب المصدر