الحكومة والمصريون بالخارج.. ذبح الدجاجة التي تبيض ذهبًا
مشهد (1)
قبل ثلاث سنوات علمت أن صديقًا تونسيًا سيعود إلى بلده نهائيًا. كان يعمل مدرسًا في إحدى الدول الخليجية وتعرفت عليه عن طريق صديق مشترك ثم توالت لقاءاتنا على المقاهي أحيانًا وفي ملاعب الكرة الخماسية أحيانًا أخرى.
قابلته لتوديعه وسألته عن سبب قراره المفاجئ، فأخبرني بأن القرار لم يكن مفاجئًا بل إنه خطط من البداية للاغتراب عامين فقط، يعود بعدهما إلى تونس حتى يستفيد من الإعفاء الممنوح للتونسيين في الخارج، ويمكّنهم من استيراد سيارة دون جمارك ودون اشتراطات مرتبطة بسعة المحرك، بمجرد قضاء عامين فقط في العمل خارج تونس.
هذه واحدة من امتيازات كثيرة تمنحها تونس لمواطنيها العاملين بالخارج تقديرًا لدورهم في دعم الاقتصاد الوطني.
هل تعلم حجم تحويلات التونسيين بالخارج في 2025؟ 3 مليارات دولار! يراعى طبعًا فارق تعداد السكان بين مصر وتونس.
مشهد (2)
بعد سنوات من الحملات والمطالبات تعلن الحكومة المصرية عام 2023 أنها ستطلق أخيرًا مبادرة لتمكين المصريين في الخارج من استيراد سيارة دون جمارك. يحتفل المصريون المغتربون بهذه الخطوة التي طال انتظارها ويعتقدون أن الحكومة أخيرًا قررت رد الجميل لهم.
تفصح الحكومة عن تفاصيل المبادرة. المغترب سيدفع جمارك السيارة في صورة وديعة بالدولار ويستردها بعد 5 سنوات بالجنيه ودون فوائد، وسيدفع رسومًا أخرى لو كانت السيارة تحتوي على بعض الرفاهيات، من التي أصبحت أساسية في أي سيارة مثل الشاشة والخرائط، والتسهيلات لا تشمل السيارات أكثر من 1600 سي سي.
يكتشف المصريون بالخارج أن المبادرة ليست لدعمهم ولا لرد جميلهم أصلًا، لكن للاستفادة من مدخراتهم في تجاوز أزمة الدولار المتفاقمة وقتها. هل تعلم كم حجم تحويلات المصريين بالخارج في 2025؟ الإجابة 37.5 مليار دولار حتى شهر نوفمبر/تشرين الثاني، أي أن الرقم النهائي قد يكسر حاجز الـ40 مليارًا.
حقيقة (1)
خلال الربع الأول من العام المالي الحالي، ضخ المصريون بالخارج 10.8 مليار دولار في شرايين الاقتصاد المصري بنسبة 35% من إجمالي دخل مصر من النقد الأجنبي. لم يتفوق عليهم في توفير السيولة الأجنبية سوى الصادرات بنسبة ضئيلة لا تتجاوز 1% حيث سجلت في الفترة نفسها 11.1 مليار دولار. وبالمناسبة، جزءٌ كبير من الصادرات المصرية يذهب أصلًا لتلبية متطلبات المصريين المقيمين بالخارج، وقد عشت في دول أوروبية وخليجية ورأيت كيف يبحث المصريون هناك عن اللحوم والخضروات والفواكه وحتى الحلويات والمقرمشات المصرية، ويشترونها بسعر يتجاوز أحيانًا ضعف مثيلاتها في السوق.
في المقابل جلبت السياحة والاستثمار الأجنبي المباشر وإيرادات قناة السويس في الفترة نفسها ما مجموعه 8.9 مليار دولار، ومع ذلك ستقرأ يوميًا أخبارًا عن حوافز ودعم يقدَّم للمُصدّرين ووكالات السياحة وشركات الشحن العالمية، ولن تقرأ شيئًا عن المصريين بالخارج إلا زيادة الجمارك والضرائب والالتزامات ورسوم الخدمات القنصلية.
وأخيرًا تفرض الحكومة على المصري المغترب جمارك على الموبايلات الشخصية له ولأسرته بحجة أن بعض المسافرين والتجار يسيئون استخدام الاستثناء، فلم تجد الحكومة حلًا أفضل من إلغائه بالكامل!
يحب المصريون المغتربون بلادهم فعلًا، لكنهم يبحثون عن دليل على أنه ليس حُبًّا من طرف واحد.
حقيقة (2)
تشير البيانات إلى أن عدد المصريين العاملين بالخارج يتجاوز 11 مليون مواطن، بينما تصل بها بعض التقديرات الدولية إلى 14 مليونًا. هناك 12 دولة عربية من بينها دول كبيرة مثل الأردن والإمارات وليبيا يقل عدد سكانها عن هذا الرقم، الذي يزيد أيضًا على ضعف عدد سكان لبنان.
يعني ذلك أننا نتحدث، من الناحية الكمية، عن شعب كامل وليس مجرد قطاع في مجتمع، ما يستدعي وجود وزارات وإدارات وجيش من الموظفين، دورهم خدمة المصريين في الخارج، وتقديم كل الدعم والتسهيلات الممكنة لهم لضمان استمرارهم في أداء دورهم شديد الحساسية والأهمية.
لكن ما يحدث هو العكس تمامًا، في 2024 أُلغيت وزارة الهجرة وشؤون المصريين في الخارج التي اِستُحدثت قبلها بعشر سنوات، وضُمَّت ملفاتها إلى وزارة الخارجية المثقلة أساسًا بالملفات، في خضم اشتعال الإقليم وتفجر حرب غزة.
الرسالة الواضحة من هذا الخطوة أن هذا الملف لم يعد يُشكِّل أولية، ويمكن إسناده لإدارة هامشية داخل وزارة قائمة، كما تقلص عدد مكاتب التمثيل العمالي في السفارات المصرية بالخارج من 17 مكتبًا في 2011 إلى تسعةٍ فقط في 2024.
كما تجري ملاحقة العاملين بالخارج بقرارات تقييد الإجازات لإجبارهم على الاستقالة أو العودة، كما فعلت وزارة الكهرباء في القرار رقم 74 لسنة 2025، الذي وضع حدًّا أقصى لمدة الإجازة للعمل بالخارج هو خمس سنوات، مع تطبيق القرار بأثر رجعي. وكما فعل رئيس الوزراء نفسه حين أصدر في مايو/أيار 2025 قرارًا بالموافقة على الإجازة دون أجر للعاملين بالخارج بمن فيهم العاملين بالهيئات الاقتصادية وشركات قطاع الأعمال، قبل أن يعود بعدها بشهرين ويستثني هؤلاء العاملين من القرار.
حقيقة (3)
بالتأكيد تتوقع كيف تتعامل تونس والفلبين والهند وغيرها من الدول المصدرة للعمالة مع مواطنيها بالخارج، وكيف تقدم سفاراتها دعمًا حقيقيًا وشرسًا يجعل صاحب العمل يفكر ألف مرة قبل اتخاذ إجراء ضدهم لأنه يعلم أنه سيصطدم مباشرة مع السفارة والدولة نفسها.
نتحدث عن الفلبين كمثال، بحكم أنها شديدة الشبه بمصر رقميًا، عدد سكانها 117 مليون نسمة، وإجمالي تحويلات عامليها بالخارج بين 35 و38 مليار دولار سنويًا.
كل سفارة فلبينية بالخارج تضم قسمًا لتوفير الخدمات الإنسانية للمواطنين، تقدم لهم الدعم في القضايا الجنائية وجرائم الاعتداء، وفي قضايا الهجرة، وفي حالة الترحيل، وفي حالة الوفاة تتولى إعادة الجثامين والمتعلقات الشخصية إلى الفلبين.
هناك مكتب عمالي في معظم سفارات الفلبين يتولى حماية حقوق العمال، وملاحقة أصحاب العمل في حالة التجاوز، والتحقق من عقود العمل وإصدار الوثائق.
وبعيدًا عن السفارات، في الفلبين نفسها تقدم الحكومة برامج دعم اجتماعي للعاملين بالخارج وأسرهم، تضمن لهم إعاناتٍ نقديةً في حالات الكوارث والطوارئ، ولأسرهم دعمًا في حالة وفاة العائل/العامل أو إصابته، ولأبنائهم منحًا دراسية، وبرامجَ تدريبٍ وتأهيلٍ وإعادة دمج بعد العودة إلى الفلبين.
عزيزي القارئ، اسأل صديقك المغترب عن معاناته في استخراج بطاقة رقم قومي من السفارة.
إنذار أخير
تَظهر حملات على جروبات المصريين في الخارج تطالب بقطع التحويلات ردًا على قرار فرض الجمارك على الهواتف، وعلى مجمل أعمال الحكومة معهم.
رد فعل انفعالي لكنه مفهوم، يستدعي أن تتعامل معه الحكومة بطريقة غير ملاحقة أصحاب هذه الدعوات؛ أن تلغي أولًا قرارها الجائر، وأن تعيد النظر ثانيًا في نظرتها وتعاملها مع المغتربين الذين حموا اقتصاد بلادهم من الغرق في سنوات الشدة، وأن تقرأ قائمة التسهيلات والحوافز والدعم التي تقدمها الحكومات الأخرى لأبنائها في الخارج، لتشعر بالخجل مما تفعله هي معهم وبهم.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.