تصميم سيف الدين أحمد، المنصة 2025
طوفان الأقصى

ضد العالم ومع فلسطين

منشور الاثنين 5 تشرين الأول/أكتوبر 2026

أنا مصرية.

أعرف من تاريخ مصر كيف يقدِّم الناس دماءهم فداءً لأوطانهم. أنا مصرية. لا أنتمي إلى شعوب الدَّعة، ولم يركن أهل بلادي إلى الراحة يومًا. أعرف المعاناة، وأعرف الكفاح، وأعرف غلاء تراب الوطن. 

لذا كنتُ ممن تحمسوا واحتفلوا بطوفان الأقصى؛ بهدف إنقاذ الأسرى الفلسطينيين، ومن بينهم نساء وأطفال، شيوخ ورجال، أبرياء، وكلهم أصحاب الأرض. 

ثمَّ هل كان الفلسطينيون في العموم، وأهل غزة خصوصًا، يرفلون في النعيم والدعة والاستقرار والحياة الهانئة قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول، وهل استيقظت فصائل المقاومة ذات صباح، فعنَّ لها أن تشن عمليةً على "الأبرياء" من الصهاينة، دون أن تحسب تبعات خطوتها.

حقائق لا تغيب

إذا تغاضينا عن احتلال قائم منذ عام 1948، ثم ما قاساه أهل فلسطين بعد هزيمة 1967، وخروج مصر من المعادلة بسلامٍ مع الاحتلال الصهيوني، وتصريح الرئيس الراحل أنور السادات بأن إسرائيل حقيقةٌ قائمةٌ لا يمكن تغييرها، في محاولةٍ لقطعِ الأمل على أصحاب الأرض بنيل حقوقهم الشرعية في وطنهم، فإن عام 2023 سجل أعنف اعتداءات متباينة على الفلسطينيين، في مختلف القطاعات والمواقع.

أولًا، في الفترة ما بين يناير/كانون الثاني 2023 وحتى سبتمبر/أيلول في العام ذاته، وثق مكتب أوتشا أكثر من 800 اعتداء من قبل المستوطنين الصهاينة ضد السكان الفلسطينيين، بمعدل ثلاثة اعتداءات في اليوم. بخلاف الهجمات الاستيطانية الجماعية تحت حراسة الجيش الصهيوني في بلدات حوارة، وترمسعيا، وأم صفا، وعوريف، وبرقة، وقصرة، وتنوعت أشكال الاعتداءات ما بين حرق المنازل، والمساجد، وإطلاق الرصاص الحي، وتعطيل شبكات الكهرباء والمياه، وتهجير أكثر من 1100 فلسطيني من منازلهم تحت تهديد السلاح. 

لا أعرف ذا كرامة يخرج من بيته دون مقاومة، وقد عمد الفلسطينيون إلى السبل "الشرعية" بتقديم شكاوى ضد الهجمات الاستيطانية، وحفظت كافة الشكاوى دون البت في واحدة منها، وذلك حسب تقارير الهيئات الإسرائيلية ذاتها.

ثانيًا، شهدت باحات المسجد الأقصى اعتداءات متتالية، تصاعدت وتيرتها في أبريل/نيسان 2023، واعتقال المصلين، هذا بخلاف الإغلاق القسري للمنازل، وهدم البيوت، وإلغاء تصاريحها، وإغلاق كافة المؤسسات الأهلية بما فيها المدارس والمستشفيات بدعوى أنها كيانات إرهابية.

ثالثًا، سجلت الضفة الغربية الحصيلة الأعلى من الشهداء منذ الانتفاضة الثانية، وشهدت البلدات والأحياء ارتفاعًا في وتيرة الاقتحامات والاعتقالات، وارتفع عدد الأسرى في ذاك العام إلى 5200 أسير، منهم معتقلون بدون تهمة أو محاكمة بلغ عددهم 1200 فرد، من بينهم نساء وأطفال وشيوخ. 

رابعًا، هنا غزة، حيث تصل البطالة إلى ما يقرب من نصف تعداد السكان، ويعتمد 80% منهم على المساعدات، ويعاني 63% من التهديد الغذائي. وحيث انقطاع الكهرباء لمدة تتراوح ما بين 12 إلى 16 ساعة يوميًّا، ونقص حاد في الأدوية وقصور في القطاع الطبي تصل نسبته إلى 40%.

هذه حقائق لا تغيب عن أحد. كل من يسكن كوكب الأرض يعلم أن فلسطين هي البقعة الوحيدة التي تعاني من الاحتلال الكلاسيكي، وأن السكان يتم التنكيل بهم. لكن العالم يبتسم ويواصل حياته غير عابئ، ولو أن سكان فلسطين كانوا جرذانًا لهبت جمعيات حقوق الحيوان لنجدتهم. 

لا أحد يحبنا يا أمي

العالم يغض الطرف عن هذا العار الذي يكلله من رأسه حتى أخمص قدميه، ويحدثنا عن حماس، أنهم إسلاميون، ينتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين، ويفرضون الحجاب على الفتيات، ويغلقون المقاهي، ويمارسون سخافاتهم الإسلاموية على سكان القطاع. 

كأن أعضاء حماس هبطوا من السماء، كأن بيوت غزة لا تعرفهم، وليسوا من أبنائها. كأن الشاب الواعد الذي حقق تفوقًا مستحيلًا في مدارس الأونروا وأراد أن يخرج ليستكمل دراسته، فمنعته قوات الاحتلال، تُرك له اختيار آخر غير المقاومة. 

يجدر بنا السؤال عن الشروط التي يضعها المتخمون بالدعة ليجيزوا للفلسطينيين حق المقاومة المنصوص عليه في القوانين الدولية. 

أفيضوا علينا بعلومكم وضعوا شروطكم؛ ما هي الصورة المثلى للمقاوم الذي يكافح ويضحي بحياته من أجل حقه في أرضه؟ طويل القامة أم قصيرها؟ أبيض أم أسمر؟ إلى أي تيار ينتمي؟ 

لا تحبون التيار الإسلامي؟ ولا أنا. 

لكنني لم أسمع من قبل عن مقاوم ليبرالي! لم يعد الاتحاد السوفيتي قائمًا كي يمول التيارات اليسارية ويسلحها، ثم إنكم لا تحبون اليسار، ثم ما هذه الجدلية بالأساس؟ ما هذا؟ الناس تحت الاحتلال تموت. 

"نريد السلام". 

هيا بنا، أعطوهم السلام. أجلسوا المحتل على طاولة المفاوضات إن استطعتم!

ما بال الناس تلومهم

لماذا تتحمل حماس وفصائل المقاومة وحدها الوصم بـ"عدم العقلانية"؟

الحق أن عملية طوفان الأقصى هي من أقوى العمليات النوعية التي قامت بها المقاومة الفلسطينية منذ نُكبوا بالاحتلال. 

سبقت العملية خطةُ خداع استراتيجي استمرت عدة سنوات، حتى أن مهاجمي حماس بسبب طوفان الأقصى كانوا يشنون عليها هجومًا مماثلًا في الحدة، معاكسًا في الاتجاه: "أهذه هي المقاومة؟ أين المقاومة؟"، وكان ذلك حسنًا. فقد ركن العدو إلى التفاهمات الاقتصادية، فيما كانت الحركة تدرب عناصرها سرًا. القطاع ضيق، يماثل حيًّا كبيرًا من أحياء القاهرة، مترع بالسكان المتكدسين، لا تخفى فيه خافية، لذلك، فحين نقول سرًا، فنحن نقول ضمنًا إن السر كان محفوظًا في صدور أغلب سكان القطاع. 

لم تفصح كتائب القسام عن ساعة الصفر، ولا حتى للمكتب السياسي. ثم بدأت هجمتها برشقات صاروخية مكثفة، واستهداف الدرون والرادارات وتعمية شبكات المراقبة، أعقب ذلك تدميرٌ للسياج باستخدام عبوات تفجيرية، وهجوم متعدد الأبعاد برًا وبحرًا وجوًا. كما قامت الكتائب بتحييد فرقة غزة وتفكيك قيادتها. 

بعد النجاح المدوي في عملية الاختراق والتفكيك التي قامت بها كتائب القسام، انضمت إلى العملية كافة الفصائل الفلسطينية المسلحة، مثل الجبهة الشعبية، والجهاد، وكتائب شهداء الأقصى. 

غير أن شيوع الأخبار وانتشارها، وانهيار الحدود ودفاعات العدو، حدا بالسكان من المدنيين إلى الانضمام إلى العملية، بشكل غير منظم، فدخل كل من بيده سلاح، أو سكين، أو عاري اليدين إلى الداخل الصهيوني، ما أدى إلى فوضى نتج عنها احتجاز أشخاص غير الذين كانت تستهدفهم كتائب القسام؛ وأفضل الموت على أن أصفهم بـ"المدنيين" كما وصفهم البعض. هم، وإن كانوا محتلين وعسكريين ومعتدين ويستحقون كل ما جرى عليهم، فإن الكتائب لم تكن تستهدفهم في إطار عمليتها العسكرية التي ترمي إلى تحرير الأسرى. 

لكن الكتائب لم تلق باللوم على المدنيين من سكان القطاع، الذين رنت قلوبهم إلى زيارة أراضيهم المسلوبة، والانتقام ممن حرمهم منها. 

لم يند عن أي مسؤول في الكتائب عبارة توبيخ، أو لوم، أو تقريع مفادها: "ما شأنكم بعملية عسكرية لستم طرفًا فيها؟ لماذا لم تمكثوا في بيوتكم ريثما ننتهي من عملنا؟" فما بال الناس تلومهم وهم لا يلومون المتخلي، ولا المتدخل في غير موضع، ولا الضارب صفحًا عن معاناتهم؟ 

غربان ينعقون بأنشودة المحتل

حرب إبادة كما نعلم. وقد صمدت فصائل المقاومة مقدمة صفها الأول للشهادة، وانتصر يحيى السنوار في مشهد قتله؛ يجوب القطاع وسط أهله غير مختبئ، يواجه العدو بكل سلاحه، حتى إذا ما نفدت طلقاته، قاومه بالعصا، ثم ترجل الفارس. 

ولا أفهم أولئك المرددين كالببغاوات عبارات ممجوجة مثل "المقاومة مختبئة في الأنفاق"، إلا في إطار أنهم يعملون لصالح المحتل، ويرغبون في تسهيل مهمته في القبض على عناصر المقاومة. 

ثلاث سنوات تزف غزة سكانها إلى سمائها، وعملاء الاحتلال ينعقون كالغربان يغنون أنشودة المحتل التي لم يعد يغنيها غيرهم. 

ماذا حدث بعد 7 أكتوبر؟

حدث موت لشعب يموت بالفعل، ويطلبون منه أن يموت صامتًا. 

حدث خراب في أرض خربة بالفعل، ويدعون أهلها للعيش تحت الخراب وهم يرفلون في النعم والأمن. 

حدث أن جاب علم فلسطين كل أصقاع الأرض، يرفرف وحناجر البشر تهتف بالحرية لشعبها. 

حدث أن الصهاينة هرب بعضهم من الأراضي التي استلبوها، وأصبح البعض الآخر منبوذًا، لا يحل بمطار إلا وتطارده لعنات الدم. 

حدث أن وقف ذلك المأفون، الهارب من العدالة الدولية، الصادر بحقه أمر بالاعتقال، اللص، السفاح، في قاعة الجمعية العامة بمقر الأمم المتحدة في نيويورك، فهب ممثلو أغلب الدول الأعضاء مغادرين، في مشهد غير مسبوق، حتى فقد القاتل أعصابه، وأخذ يهدد ويتوعد أولئك الذين مكثوا في القاعة ينصتون إليه، فلقوا منه ما يستحقون من تدنٍ أخلاقي، وإهانة تليق بقاماتهم القزمة وأيديهم الملطخة بدماء الأبرياء. 

حدث أن لم يعد هناك من يمكنه التذرع بعدم المعرفة، أو عدم الفهم، أو الانشغال، أو It is complicated، "الأمر معقد".

لم يعد معقدًا. 

لأول مرة منذ تاريخ امتداد هذا السرطان في جسد منطقتنا، تنادي العواصم الأوروبية والولايات الأمريكية بفلسطين حرة من النهر إلى البحر، وإزالة هذا المشروع الاستعماري الذي زرعته القوى الإمبريالية لخدمة مصالحها. 

ولم أزل فخورة بطوفان الأقصى. 

ولم يزل الفلسطينيون منصورين، رغم فداحة الأثمان. 

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.