أثر الفراشة وخرائط "الطوفان" الجديدة
إذا كانت خفقةُ جناح فراشة في قارة، يمكن أن تؤدي لإعصار في قارة أخرى، فما بالك بـ"طوفان الأقصى"؛ ذلك الحدث الذي هز إسرائيل، ثم تجاوزت ارتداداته حدودَ غزة، لتصل إلى قلب المنطقة والعالم؟
ثلاث سنوات مرت، وما زالت مياه الطوفان تتدفق في ميادين القتال، والسياسة، وفي الوعي العام، وربما تمضي تداعياته أبعد من ذلك نحو إعادة رسم خرائط جديدة للإقليم وموازين القوى في العالم.
قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، حذَّر يحيى السنوار إسرائيل من عملية مروعة، "مفاجأة هائلة" و"زلزال"، إذا لم تتوقف هجمات المستوطنين في الضفة الغربية، ويُرفع الحصار عن غزة، ويوضع حد لانتهاكات المسجد الأقصى، ويُفرج عن الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية.
لم تعتد تل أبيب بتحذيرات السنوار، وأعطى بنيامين نتنياهو، الذي كان يواجه ضغوطًا وتوترات داخلية هائلة، ظهره للرسائل التي وصلته عبر وسطاء إقليميين، بل وحتى عبر قنوات اتصال مباشرة مع الحركة.
وحسب تحقيق صحفي نشرته "هآرتس" مؤخرًا تناول التحذيرات التي وصلت إلى إسرائيل من انفجار الأوضاع إذا لم يتحقق تقدم في الملفات التي كانت قيد التفاوض مع حماس، فإن السنوار طلب من مسؤول في حركة فتح كان يؤدي دور الوسيط آنذاك إبلاغ الإسرائيليين برسالة نصها "إن لم تحرزوا تقدمًا، فأنا أعد لكم مفاجأة هائلة.. أبلغهم أن يتوقعوا زلزالًا".
حتمية الطوفان
في نهاية سبتمبر/أيلول 2023، تلقى نتنياهو، حسب تقارير صحفية، رسالة من رئيس دولة الإمارات محمد بن زايد، مفادها أن السنوار يخطط لعملية كبيرة ضد إسرائيل، وأن الأمر قد لا يؤدي إلى إراقة الدماء فقط، إنما إلى زعزعة استقرار المنطقة وتقويض اتفاقات أبراهام.
حث بن زايد رئيس الوزراء الإسرائيلي على أخذ التحذير بجدية، لكن نتنياهو رد بهدوء نسبي، وقال إنه يُقدر أن حماس تعتزم التحرك في الضفة الغربية، وطمأن الرئيس الإماراتي إلى أن إسرائيل مستعدة لأي سيناريو.
تجاهلُ نتنياهو للتحذيرات، ورفضُه العروض التي طُرحت عبر قنوات التفاوض السرية، بالتوازي مع تصاعد التوترات في الضفة الغربية والمسجد الأقصى وإحكام الحصار على قطاع غزة، أكد المؤكد؛ إسرائيل لن تمنح الفلسطينيين شيئًا مهما قدمت المقاومة من تنازلات، ومساراتُ التفاوض السلمي التي بدأت قبل عقود لن تُفضي إلى استعادة أبسط الحقوق، فما بالك بحق إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
بعد معركة سيف القدس، التي خاضتها المقاومة رفضًا لاقتحامات المسجد الأقصى ومحاولات تهجير سكان حي الشيخ جراح في القدس، حذر السنوار إسرائيل من اللعب مجددًا بالنار، وأطلق صيحته الشهيرة: "أقول لكم: والله إن ما خفي أعظم".
السنوار قال حينها: "سنجعل الاحتلال أمام خيارين: إما أن نرغمه على تطبيق القانون الدولي واحترام القرارات الدولية ونحقق إقامة دولة فلسطينية، أو أن نجعل هذا الاحتلال في حالة تناقض وتصادم مع الإرادة الدولية كلها".
أمام الصلف والتعنت الإسرائيلي، نفذ السنوار تعهداته، ووجّه مع باقي فصائل المقاومة أكبر ضربة لإسرائيل منذ قيامها؛ ضربة هزت المجتمع الإسرائيلي ووضعت مؤسساته الأمنية والعسكرية والسياسية أمام فضيحة غير مسبوقة.
لم يتصور أحد أن تتحول العملية التي نفذتها فصائل المقاومة الفلسطينية صباح 7 أكتوبر في مستوطنات غلاف غزة إلى حدث تتجاوز آثاره حدود القطاع المحاصر، وتصبح نقطة فاصلة في تاريخ المنطقة. توقع البعض أن تنتهي العملية بانتقام إسرائيلي يستمر لشهور وتغلق الصفحة بعملية تبادل أسرى وانسحاب لقوات الاحتلال، فإذا بالدولة العبرية تحولها إلى "حرب وجودية"، بهدف استعادة الهيبة وإثبات القدرة على الردع وضمان عدم اندلاع "طوفان جديد".
لم يكن "طوفان الأقصى" الزلزال الذي حذر منه السنوار فحسب، بل هو في حقيقته انفجار لانسداد سياسي استمر عقودًا، فمسار التفاوض الذي وعد الفلسطينيين بدولة مستقلة انتهى إلى مزيد من الاستيطان وتآكل الأرض، فيما تحول قطاع غزة إلى سجن مفتوح يعيش داخله أكثر من مليوني فلسطيني تحت حصار طويل.
كان السابع من أكتوبر، إذًا، محصلةَ عقود من اليأس وفقدان الأمل في المسارات السلمية، ونتاجًا للتخاذل والعجز العربي والتآمر الدولي، ولممارسات يمين صهيوني لا يتورع عن تبني سياسات إجرامية وعنصرية ضد أصحاب الأرض الأصليين.
تصدع إسرائيل
أصابت عملية "طوفان الأقصى" في الصميم ركائز المشروع الإسرائيلي؛ فسقطت صورة الدولة التي لا تُهزم، والجيش الذي لا يُقهر، والمنظومة الأمنية القادرة على منع أي تهديد قبل حدوثه، وأعادت فتح سؤال فناء الدولة العبرية.
وقبل أن يفيق المجتمع الإسرائيلي من صدمة سيطرة عدد من الفصائل الفلسطينية المسلحة، بأسلحة خفيفة، على مستوطنات غلاف غزة، بدأت الأسئلة تتدافع؛ كيف لدولة طالما تغنى قادتها بامتلاكها منظومة معلوماتية واستخبارية هائلة، وجيش يُصنف بين الأقوى في العالم، أن تتعرض لاختراق أمني وعسكري بهذا الحجم؟
ومع مرور الوقت، لم تعد الأسئلة مقتصرة على أسباب الإخفاق وكيفية وقوعه، إنما امتدت إلى الثقة في مؤسسات الدولة وقدرتها على توفير الأمن. ودفع تآكل الشعور بالأمان الإسرائيليين ممن يحملون جنسيات أخرى إلى الهجرة العكسية، في ظاهرة كشفت تضرر صورة الدولة في وعي مواطنيها جراء صدمة السابع من أكتوبر التي لم تكن عسكرية وأمنية فقط.
الشروخ في بنية الداخل الإسرائيلي لم تتوقف عند اتهام نتنياهو وحكومته بالفشل في منع هجوم السابع من أكتوبر، بل امتدت إلى مساءلة الجيش والحكومة عن طبيعة الحرب التي شُنّت على غزة، وما ارتُكب خلالها من جرائم قتل واسعة بحق المدنيين.
ولعل أحدث التعبيرات الصادمة عن ذلك فيلم نازا الإسرائيلي، الذي قدم شهادات لـ24 من الجنود وعناصر الاستخبارات الإسرائيلية المشاركين في العمليات العسكرية في غزة، وكشف عن أنظمة وأساليب استهداف أفضت إلى قتل أعداد كبيرة من المدنيين الفلسطينيين؛ وهو ما أثار عاصفة داخل إسرائيل وخارجها.
فيما عكس تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت لأي مدى تجاوزت المسألة حدود الخلاف السياسي مع نتنياهو، إذ قال صراحةً إن "جرائم حرب ارتُكبت" في غزة، وإن آلاف الأشخاص، بينهم أطفال ونساء ومدنيون، لا علاقة لهم بالقتال "لم يكن هناك داع لقتلهم"، كما حذر من أن ما يجري في الضفة الغربية يرتبط بسياسات تهدف إلى إفراغ الأرض من الفلسطينيين.
من غزة للعالم
يبقى الأثر الأكبر لطوفان الأقصى تداعياته في الخارج، فبعدما نجحت إسرائيل لعقود في تقديم نفسها باعتبارها الديمقراطية التي تدافع عن نفسها في مواجهة محيط معادٍ، جاءت الحرب على غزة لتضع أمام العالم مشاهد الدمار الهائل، وسقوط عشرات الآلاف من الضحايا الفلسطينيين، وتدمير المدن والمستشفيات والمدارس والبنية الأساسية، وهو ما أدى إلى تحول واضح في قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي، الذي انكشفت أمامه الحقائق، فبات على قناعة بأن إسرائيل ما هي إلا دولة إرهابية ترتكب جرائم حرب وتمارس تمييزًا عنصريًّا.
ولم يعد انتقاد إسرائيل مقتصرًا على القوى التقليدية المؤيدة للقضية الفلسطينية، بل أصبح حاضرًا بقوة داخل المجتمعات الغربية نفسها، وفي الجامعات الأمريكية والأوروبية، وبين أجيال شابة باتت ترى الرواية الإسرائيلية بعين مختلفة عما كانت عليه الحال قبل 7 أكتوبر.
في مواجهة تلك الحالة لجأت إسرائيل إلى إنفاق أموال ضخمة في محاولة لاستعادة الصورة التي تآكلت، إذ خصصت في موازنة 2026 نحو 730 مليون دولار لما تسميه "الدبلوماسية العامة" أو "الهاسبارا"، وذلك للتأثير على المحتوى الرقمي وإجابات روبوتات الذكاء الاصطناعي.
ولعل المشهد الأكثر تعبيرًا عن هذا التحول كان في الأمم المتحدة؛ ففي سبتمبر الماضي، غادرت عشرات الوفود قاعة الجمعية العامة أثناء خطاب نتنياهو، وسط صيحات استهجان واحتجاج، في مشهد يعكس اتساع الفجوة بين الحكومة الإسرائيلية وقطاعات واسعة من المجتمع الدولي.
بالتوازي، كشفت الحرب حدود القوة الأمريكية، فواشنطن التي ظلت لعقود اللاعب الأكثر تأثيرًا في المنطقة، وجدت نفسها أمام أزمة مركبة؛ حماية حليفها الإسرائيلي، ومحاولة منع توسع الصراع، والحفاظ على صورتها الدولية، في الوقت الذي تزداد فيه الانتقادات لسياساتها وللدعم السياسي والعسكري الذي تقدمه لإسرائيل.
ولا يمكن فصل الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، وما سبقها وتلاها من تطورات إقليمية، عن البيئة التي خلقها "طوفان الأقصى"، فالمعركة المستمرة منذ أكثر من سبعة أشهر هي أحد تجليات ذلك اليوم الذي لم تنته تداعياته العسكرية والسياسية والجيوسياسية بعد.
وبينما لا تزال نتائج الحرب الإيرانية ومساراتها مفتوحة وجبهاتها تمتد من مضيق هرمز إلى باب المندب، ومن العراق إلى اليمن مرورًا بالخليج العربي، فإن طول أمدها نفسه يكشف حدود القدرة الأمريكية على فرض نهاية سريعة وفق الشروط التي أعلنتها واشنطن في بدايتها.
هكذا لم يعد الصراع يدور فقط حول ما يحدث في غزة، ولا حتى في الضفة الغربية أو الداخل الإسرائيلي، بل حول أسئلة أكثر تعقيدًا؛ أي شرق أوسط سيولد بعد هذه الحرب؟ وأي عالم يتشكل؟ وهل يستمر النظام الإقليمي الذي عرفناه لعقود، أم أن موازين القوى التي زعزعها "الطوفان" ستخلق واقعًا جديدًا؟ وهل سيكون لدولة الاحتلال مكان في ذلك العالم، أم أن مسار زوال المشروع الصهيوني قد بدأ بالفعل؟
بعد ثلاث سنوات، يبدو واضحًا أن طوفان الأقصى لم يكن مجرد عملية عسكرية ضمن جولات الصراع الممتد منذ نحو قرن، بل زلزال كشف هشاشة كثير من المسلمات التي سادت لعقود.
قد يختلف الناس في تقييم النتائج الآنية والمباشرة لذلك اليوم، وقد تتغير خرائط المعارك والتحالفات، لكن المؤكد أن السابع من أكتوبر غيّر كثيرًا من المسلمات في المنطقة والعالم، وفتح الباب أمام سيناريوهات ربما لم تكن مطروحة قبل ذلك اليوم.
بعض الطوفانات لا تنتهي بانحسار المياه، بل تترك وراءها خرائط جديدة.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.