تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2025
حرب غزة بددت أوهام السلام في المنطقة وعادت إسرائيل توصف بالعدو

السابع من أكتوبر: طوبى لشيء لم يصل!

منشور الأربعاء 7 تشرين الأول/أكتوبر 2026

السفح أكبر من سواعدهم..

ولكن، حاولوا أن يصعدوا!

والأرض أضيق من تصورهم..

ولكن، حاولوا أن يحلموا!

طوبى لشيء غامض!

طوبى لشيء لم يصل!

فكوا طلاسمه، ومزقهم!

فأرخت البداية من خطاهم..

وانتميت إلى رؤاهم..

محمود درويش، العُرس الفلسطيني


صبيحة السابع من أكتوبر استيقظت متأخرًا عن الحدث لساعات، ولم أستوعب تمامًا ما تراه عيني في وابل التسجيلات التي أطلقها إعلام المقاومة للهجوم على المواقع العسكرية الإسرائيلية حول غزة. كنت في ذلك كالجميع، فالأمين العام حسن نصر الله نفسه فوجئ بالعملية التي لم يكن على علم مسبق بها.

لا شك أن نصر الله احتاج وقتها أن يتصل بمساعديه وأن يفكر فيما يفعله. أما أنا، القابع في منزلي في ضواحي القاهرة مجردًا من القدرة على الفعل السياسي والعسكري، فكان ما يشغلني هو الفهم لا الفعل، محاولة استيعاب معنى كل هذا الذي يجري.

المقاومة.. ميلاد يتراكم

تبدأ المقاومة، أي مقاومة، كأفعال فردية ضد المحتل. ما زال الناس على السوشيال ميديا في مصر يتداولون مشهد خالد علوان وهو ينفذ عملية الويمبي من فيلم بطل من الجنوب للمخرج محمد صلاح أبو سيف (2000)، بعد احتلال العاصمة اللبنانية سنة 1982. كان خالد دون العشرين عندما نفذ تلك العملية. أطلق النار على جنود إسرائيليين في المقهى فقتل أحدهم، وأصاب آخرين. يحفظ المشهد السينمائي الرواية الشعبية عن الواقعة؛ بينما ركض رواد المقهى مفزوعين من صوت الرصاص، سار المراهق ببرود غريب عائدًا إلى منزله.

انتمى خالد علوان إلى جبهة المقاومة الوطنية (جمول)، وهي جبهة مقاومة شكلها الحزب الشيوعي اللبناني مع منظمة العمل الفلسطيني. هكذا تتطور المقاومة، مقاومون أفراد، يجتمعون في تنظيمات تستلهم غالبًا أيديولوجيات وطنية أو دينية أو أممية. وعندما تدفع عملياتهم الفردية المحدودة العدو إلى إخلاء أرض لهم، تتحول المقاومة إلى جيش صغير أو ميليشيا.لم تشكل جمول ميليشيا، فقد قطع الطريق عليها صعود حزب الله، الذي بدأ هو أيضا طريقه عبر مجموعة من المقاومين الأفراد. يقول الباحث اللبناني بشار اللقيس إن فؤاد شكر كان مراهقًا تعاهد مع مجموعة قوامها عشرة شبان في ضاحية الأوزاعي في بيروت على قتال إسرائيل حتى الموت، قبل أن ينخرطوا في معركة خَلدة الشهيرة أثناء حصار بيروت. بعد عقود، أصبح فؤاد شكر قائد أركان ميليشيا يتجاوز حجمها وعتادها بعض الجيوش النظامية.

انخرطت مجموعات مرتبطة بالحزب الناشئ في اغتيال عدد من قيادات الحزب الشيوعي ومنظمة العمل بتحريض من النظام السوري وبدافع من التطرف الديني، وذلك قبل أن يتقارب الشيوعيون اللبنانيون مع الحزب نفسه على أرضية المقاومة ونضج الحزب من غلواء تطرفه الاجتماعي.

تشكلت حركة فتح عبر النسق نفسه. مجموعة من الطلاب الفلسطينيين في المنافي العربية، وهجمات فدائية محدودة في الأراضي المحتلة منذ عملية عيلبون يناير/كانون الأول 1965.

بعد ذلك بسنوات قليلة، تحولت قوات العاصفة ومعها سائر الفصائل الفلسطينية التي تشكلت في ذلك الوقت باختلاف المشارب الأيديولوجية وجهات الدعم والتمويل إلى جيش منتشر في جنوب لبنان، حصل على أسلحة ثقيلة من بينها دبابات مجرية استخدمت في حرب 1982.

حماس على نفس الطريق

هكذا أيضا بدأت حركة حماس في قطاع غزة. مبادرة من الشيخ أحمد ياسين في مطلع الثمانينيات بعد أن التف حوله عدد من شباب القطاع، سرعان ما انتهت بضربة أمنية إسرائيلية، قبل أن تتجدد مع اندلاع الانتفاضة الأولى في نهاية 1987، وبدعم من الإخوان المسلمين في الأردن الذين شكلوا عام 1985 "جهاز فلسطين"، الذي سيُشكِّل لاحقًا الجسد السياسي لحركة حماس خارج قطاع غزة.

حمل الجناح العسكري لحماس اسم كتائب القسام سريعًا في مطلع التسعينات، ولكنه بقي يعمل بنظام الخلايا السرية حتى انتهاء الانتفاضة الثانية، عندما بدأت ملامح الميليشيا المنظمة تظهر في قطاع غزة قُبيل الانسحاب الإسرائيلي أحادي الجانب عام 2005.

في مذكراته حياة غير آمنة: جيل الأحلام والإخفاقات، يروي الأكاديمي الفلسطيني شفيق غبرا ذكريات التحاقه بحركة فتح وجناحها العسكري في بيروت.

سنوات قضاها الأكاديمي الشاب بعد عودته بشهادة في علم السياسة من الولايات المتحدة في موقع متقدم على الجبهة اللبنانية الجنوبية مع إسرائيل كضابط في الكتيبة الطلابية. تداعبه أحلام التحرير وتنهشه الشكوك حول الآفاق في ظل قيادة مترددة وأوضاع سياسية مناوئة وتوازن عسكري مختل مع العدو، وبطولات أسطورية يخجل أمامها المقاتل من مجرد شكّه.

قرر شفيق غبرا إنهاء خدمته العسكرية قبل عام واحد من الغزو الإسرائيلي للبنان وحصار بيروت سنة 1982.

تنمو المقاومة الفردية إلى خلايا سرية، ثم تجتمع الخلايا السرية في المناطق المحررة لتشكل ميليشيات تراكم أسلحة متوسطة، وأحيانا ثقيلة، وخبرة عسكرية، وتشكيلات ورتب. وعندئذٍ يصبح من الصعب إبعادها من ميدان القتال لوقت طويل، وإلا تفككت أو انشقت.

حتمية الطوفان

لم يكن أمام حماس في غزة، وقد طوّرت ميليشيا عسكرية كبيرة، خيار سوى الحرب أو الانشقاق، كما لم يكن أمام حزب الله من خيار بعد السابع من أكتوبر سوى الانخراط في الحدث أو الاضمحلال الذاتي على غرار ما جرى لفتح. لكن الإمكانات العسكرية والسياق السياسي الإقليمي والدولي لم يسمحا بذلك، ولذلك تطلب قرار السابع من أكتوبر كثيرًا من الأحلام وقليلًا من الواقعية.

لم يكن للسابع من أكتوبر أن يقود إلى التحرير، كما لم يكن من الممكن أن تستمر غزة معقلًا لميليشيا مقاومة. كان السابع من أكتوبر ذروة ونهاية في آن لنموذج المقاومة الميليشياوية في غزة وجنوب لبنان، كما كان الاجتياح الإسرائيلي لبيروت في 1982. نموذج الجيوش الصغيرة التي لا يمكنها الاكتفاء بمواقعها الدفاعية، ولا يمكنها في الوقت نفسه أن تخوض معارك تحرير بقواها الذاتية، ولذلك ينتهي مسارها إلى حروب ملحمية ذات تكاليف مرتفعة.

هل كان السابع من أكتوبر إذن خطأً استراتيجيًا؟ لقد كتبت في ديسمبر/كانون الأول 2023 بعد مرور أقل من ثلاثة أشهر على معركة غزة المجيدة أن "للسابع من أكتوبر وجهين: وجه العملية العسكرية التي ستظل زمنًا طويلًا موضوعًا للمراجعة والنقد وربما حتى الاتهام، ووجه آخر هو وجه ثورة المقاوم الفلسطيني، الذي يبدو معه السابع من أكتوبر كحدث فريد لعبت الإرادة الإنسانية فيه دورًا يفوق كثيرًا معطيات السياق التاريخي ويتعالى عليها".

في ذهني هنا مفهوم الفيلسوف الفرنسي آلان باديو للحَدَث. فليست كل واقعة حدثًا، وإنما الحدث هو شيء جديد أشبه بقطعٍ في نسيج التاريخ يليه واقع لا يشبه ما يسبقه. أمام الحدث، لا أعتقد أن المفيد أو العقلاني كما يذهب كثير من الواقعيين العرب اليوم، هو المراجعة الاستراتيجية للإدانة أو التمجيد، بل وعي القطيعة والتسليم بها والانطلاق منها.

لا يحتاج المحلل جهدًا كبيرًا ليدرك أننا نحيا لحظة إقليمية بدأت في السابع من أكتوبر، بل إن السابع من أكتوبر بشكل ما مثّل لحظة كشف لحقبة جديدة على صعيد دولي، ربما يمكن تلمس جذورها أبعد قليلًا في غزو العراق أو الأزمة المالية العالمية أو صعود الترامبية واليمين الجديد.

لن يكون مفيدًا هنا إدانة يحيى السنوار أو حسن نصر الله، أو مراجعة ما جرى يوم السابع من أكتوبر. فما حدث حدث، ونحن أمام عالم جديد ولد في السابع من أكتوبر، وعلينا أن نتعاطى معه.

في هذا العالم الجديد، سقط نموذج المقاومة الميليشياوية، ولكن هذا لا يعني أن المقاومة نفسها ستنتهي. تحلم إسرائيل بذلك عبر التهجير والمناطق العازلة، ولكن كل سياسة إسرائيلية لسحق المقاومة تخلق جدليًا مفاعيل من شأنها أن تستثير قوى ونماذج جديدة للمقاومة. لنرَ مثلا السلوك الإسرائيلي في سوريا ولبنان، ونتصور ماذا يمكن أن يقود إليه هذا السلوك سوى استفزاز مقاومة البلدين.

ربما يتكرر التاريخ من جديد، مبادرات فردية فخلايا سرية فانسحابات إسرائيلية فميليشيات أو جيوش صغيرة تملأ فراغ الانسحاب الإسرائيلي، وتساجل إسرائيل حتى لحظة صدام جديد. وربما نرى واقعًا إقليميًا جديدًا مع الخض العنيف الذي تعيشه أنظمة المنطقة بأسرها، يضع العرب وإسرائيل وجيران الإقليم في مواجهات أكثر جذرية.

لكنني قررت في السابع من أكتوبر أن أستعيد كلمات محمود درويش في قصيدة العرس الفلسطيني، أن أؤرخ لبداية اللحظة الراهنة من خطى المقاومين في ذلك اليوم.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.