محاكمة الطوفان بأثر رجعي.. أن يفتي قاعد لمُحاصَر
الزمان: 6 أكتوبر /تشرين الأول 2023
المكان: قطاع غزة - فلسطين
الحدث: يوم عادي تمامًا كباقي أيام القطاع المحاصر.
يبحث 64% من الأهالي ممن يعيشون تحت خط الفقر عن طريقة لتوفير احتياجاتهم الأساسية. يوجد 60% من الشباب في الشوارع بدون عمل. ينتظر ثمانية من كل عشرة أشخاص المساعدة التي تأتيهم من إحدى الجهات المانحة وإلا قد يموتون جوعًا. ينتظر الجميع الكهرباء التي لا تتوفر إلا في متوسط 11 ساعة يوميًا لشحن هواتفهم وغسل ملابسهم والحصول على نسمة هواء باردة من المروحة أو التكييف. يحظى 5% فقط بمياه نظيفة ويضطر الباقون لشرب مياه خطيرة حتى على الحيوانات.
لا يعرف أحدٌ متى تأتي الحرب التالية، ولا متى تُفتح المعابر، ولا متى يستطيع المريض السفر للعلاج، ولا متى يستطيع الطالب الخروج للدراسة.
يوم عادي من أيام اللايقين واللاأمل.
لم يعشه أهل غزة ليوم ولا أسبوع، بل أعوامًا وعقودًا.
الحكمة بأثر رجعي
هناك شيء مغرٍ جدًا في الحكم على 7 أكتوبر بعد ثلاث سنوات. نحن نعرف الآن ما لم يكن أحدٌ يعرفه في صباح ذلك اليوم. نعرف الذي حدث بعد الساعات الأولى، وكيف امتدت الحرب من غزة إلى لبنان واليمن وإيران، وحجم الخراب الذي تركته وراءها، وكم تغيرت المنطقة منذ ذلك الصباح.
من هنا يصبح من السهل القول: كان يجب ألا يحدث هذا. ربما يكون ذلك صحيحًا، لكن الحكم على قرار تاريخي بأثر رجعي، بعد أن نعرف نتائجه، لا يكفي لفهم لماذا اتُّخذ القرار في لحظته.
لا يمكن اختزال 7 أكتوبر في يوم واحد. ولا يمكن فهمه من خلال ما حدث في الساعات الأولى منه فقط. كانت هناك غزة قبل 7 أكتوبر. هناك حصار، وحروب متكررة، وتصعيد، ووساطات، وصفقات تتعطل، ووعود لا تكتمل، وواقع سياسي فلسطيني مسدود، ومسار إسرائيلي فلسطيني لا يتحرك إلا بين الحرب والحرب.
في الشهور التي سبقت 7 أكتوبر، جرت اتصالات غير مباشرة بين إسرائيل وحماس، عبر وسطاء، بهدف الوصول إلى ترتيبات تتعلق بالأسرى والمعتقلين وتخفيف الحصار وتحسين الأوضاع في غزة. وكان السنوار نفسه طرفًا فيها.
حسب روايات ظهرت في إسرائيل خلال الأسابيع الأخيرة، نقل وسيط فلسطيني رسائل بين السنوار والجانب الإسرائيلي. وفي سبتمبر 2023، وبعد تعثر المفاوضات، نقل الوسيط رسالةً من السنوار إلى الإسرائيليين يحذر فيها من "زلزال" إذا لم تتقدم المفاوضات.
ثم وصلت الرسالة أيضًا عبر قناة إماراتية، بينما كانت القاهرة، في الوقت نفسه، تنقل تحذيرات بشأن خطورة الوضع في غزة واحتمالات انفجاره.
السنوار، الذي سيصبح بعد أسابيع العقلَ المدبرَ لهجوم 7 أكتوبر، كان في الوقت نفسه يرسل رسائل تطلب التقدم في ترتيبات من شأنها تخفيف الضغط على غزة.
هذا يقول لنا إن التاريخ، قبل أن يتحول إلى تاريخ، يكون مجموعة من الاحتمالات المفتوحة. في سبتمبر/أيلول 2023 لم يعرف أحد أنه بعد ثلاثة أسابيع سيأتي 7 أكتوبر. كان هناك مسار تفاوضي يمكن أن ينتهي باتفاق، وهناك احتمال للتصعيد، وهناك رسائل وتحذيرات واتصالات، وكل طرف يقرأها وفق تقديراته ومعلوماته ومصالحه. ثم وقع الحدث.
فجأة أغلق التاريخ كل الاحتمالات الأخرى. من هذه النقطة تبدأ مشكلة "الحكمة بأثر رجعي".
هل كان الخيار الوحيد؟
نحن اليوم نعرف النتيجة، لذلك تبدو مقدمات كثيرة أكثر وضوحًا مما كانت عليه في وقتها.
نعرف أن 7 أكتوبر أدى إلى حرب هائلة، وأن إسرائيل ردت بحرب مدمرة على غزة. نعرف حجم القتل والدمار والنزوح، وأن المنطقة دخلت في سلسلة من المواجهات لم تتوقف عند حدود غزة، وأن القضية الفلسطينية نفسها دفعت ثمنًا هائلًا.
كل ذلك يجعل من السهل أن ننظر إلى صباح 7 أكتوبر ونقول: كان القرار خطأ فادحًا، لكن السؤال التاريخي لا يتوقف عند النتيجة، لأنك إذا أردت أن تفهم الحدث، عليك أن تعود إلى اللحظة التي لم تكن فيها النتيجة معروفة. أن تضع نفسك، ولو للحظة، داخل تلك الغرفة. ما الذي كان يعرفه أصحاب القرار؟ ما الذي يعتقدونه ويخشونه؟ ما البدائل التي أمامهم؟ ما الذي جعلهم يعتقدون أن البديل الذي اختاروه يستحق كل هذه المخاطرة؟
الأحداث الكبرى لا تبدأ يوم وقوعها. الحرب لا تندلع بإطلاق الرصاصة الأولى، أحيانًا تبدأ قبل ذلك بسنوات؛ في انسداد طريق، أو فشل تفاوض، أو حصار طويل، أو حساب خاطئ، أو شعور متراكم بأن لا شيء يتغير.
ثم يأتي يوم يقرر فيه أحد الأطراف أن يقلب الطاولة. هنا يمكن أن تكون النتيجة كارثية حتى لو كان صاحب القرار يعتقد، في لحظته، أنه يملك أسبابًا كافيةً للمغامرة.
ربما كانت هذه هي المأساة الأكبر في 7 أكتوبر. ليس فقط أن قرارًا واحدًا فتح بابًا للجحيم. بل أن هذا القرار اتخُّذ في عالم لم يُعرف بعد إلى أين يقود. نحن نعرف الآن، وهذا يجعل مسؤوليتنا، ونحن نحكم على الماضي، أكبر لا أصغر. لأن المطلوب ليس ممارسة الحكمة بعد وقوع الكارثة.
المطلوب أن نفهم كيف فشل الجميع في منع اللحظة التي أصبحت فيها الكارثة ممكنة، وأن نسأل: ما الذي كان يمكن فعله قبل أن يصبح الانفجار الخيار الوحيد؟
هذا السؤال أهم من أن ننتصر في جدال حول 7 أكتوبر. التاريخ لا يحتاج إلى مزيد من الأحكام التي تأتي بعد النهاية، إنما يحتاج إلى أن نفهم، قبل النهاية، كيف كان يمكن أن تكون هناك نهاية أخرى.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.