تجربة "حزب الله".. المراجعة التي لم تحصل
أخبرني مرّة الشيخ الراحل حافظ سلامة، المعروف بـ"قائد المقاومة الشعبية" في السويس ضدّ الاحتلال الإسرائيلي، أنه بعد حرب تموز 2006 الإسرائيلية على لبنان، احتجّ على تنظيم مجموعة لبنانية مؤيدة للمقاومة زيارةً تضامنيةً له يلتقي خلالها شخصيّات رسميّة لبنانية مناوئة لحزب الله، إلى جانب لقائه بقيادات من الحزب، في سياق مساعٍ لتقريب وجهات النظر.
قال سلامة يومذاك إنه لم يجتمع سوى بمن كانوا "إلى جانب المقاومة في الحرب" بشكل صريح، مؤكدًا بصرامةٍ دعمه هذا الخيار الذي يتبناه كثرٌ من أصحاب رأس المال الرمزي في البيئات المعادية لإسرائيل في العالم العربي. كان ذلك على هامش مقابلة أجريتُها معه عام 2012، أي تمامًا حين بدأ حزب الله يصرف من الرصيد الذي راكمه في حرب 2006، ويُستنزف معنويًا في سوريا مطلع الربيع العربي، مع بداية تداخل الثورات الشعبية بالحروب الأهلية.
هذه خاطرة أستذكرها اليوم بعد نحو عامين على اغتيال الأمين العام للحزب، حسن نصر الله، وثلاثة أعوام على عمليّة طوفان الأقصى التي أطلقت تفاعلات لم تنتهِ بعد.
أستذكرها لأن تلك اللحظة تُحيل إلى إحدى أكبر معضلات الحزب والخطاب الذي مثّله، التي قرّر يومذاك التعامل معها بإيلائه الأولوية للصراع مع إسرائيل والوقوف بناءً على ذلك إلى جانب النظام السوري السابق، وكذلك للقراءة الاستراتيجية التي تفرضها هذه الأولوية.
بعد هذا الزمن الطويل، لم تتعرّض تجربة حزب الله إلى مراجعة جدّيّة. إذ تبدو اليوم مراجعة كهذه، في ظلّ الاحتمالات المفتوحة والظروف الميدانية القاسية، ترفًا لا قدرة له عليه. كما أنه في الغالب لا يمتلك أدوات هذه المراجعة، خصوصًا في ظل غياب من لديه مشروعية إجرائها أو رعايتها، وعلى رأس هؤلاء زعيمه التاريخي حسن نصر الله.
مراجعات انتقائيّة
يتعامل حزب الله اليوم بغريزة البقاء مع ظروفه الاستثنائية والضربات الهائلة التي لا يزال يتلقّاها. يحاول عبور هذه الظروف عن طريق استثمار عامل الوقت وتقنين المواجهات وتقليص الجبهات (بما في ذلك السياسية)، أملًا بترميم ما أمكن من بنيانه التنظيمي. كلّ هذا مع إدراكه التام أن إسرائيل، وخصومه في الداخل والخارج، يلعبون اللعبة نفسها، حيث يستثمر كلٌ منهم عامل الوقت نفسه لتكثيف عملية استنزافه بشريًّا وماديًّا، أو معنويًّا بالحد الأدنى.
في المقابل، فإنّ القوى اللبنانية التي تقدّم نفسها بديلًا عن حزب الله ومشروعه في لبنان، ولا تقرأ السنوات الماضية إلا من زاوية تفنيد سرديّة الحزب وأدائه، جملةً وتفصيلًا ومن ألِف التجربة إلى يائها، لا تقدّم "مراجعة" حقيقية، بل تقتنص فرصة الانقضاض على تنظيم جريح خاض أكبر عدد من الحروب المباشرة مع إسرائيل في تاريخ الصراع معها، وأمّن، برغم ذلك، أطول فترة استقرار لجنوب لبنان في تاريخ هذا البلد.
من هنا فإن هذا "البديل"، على المستويين الوطني/الحكومي أو التمثيلي المحلي، الذي يستحضر تجربة الحزب بوصفها أُمّ المشكلات في لبنان، لا ينقض التنظيم ولا "مشروعه" بقدر ما ينقض فكرة عدم التسليم لإسرائيل من حيث المبدأ؛ إما تجنبًا لتكاليفها المحتملة، كما يراها، أو لأن تكلفة التسليم لا تطاله مباشرةً بخلاف حال غالبية أهل جنوب لبنان وبقاعه مثلًا، أو لأنه يجد أنّ عملية التسليم تتيح لحضوره السياسي فرصةَ التمدّد.
منطق "المراجعة" الانتقائية هذا ينسحب على خطاب بعض القوى الوازنة خارج لبنان أيضًا، دون أن يكون خطابها اليوم عدائيًّا بالضرورة. فالنظام السوري الوليد، مثلًا، أبدى استعداده على لسان رئيسه الانتقالي أحمد الشرع، ببراجماتية لافتة، لفتح صفحة جديدة مع حزب الله، واضعًا نفسه في خانة المنحازين إلى "منطق الدولة"، وواضعًا الحزب على النقيض منه. طبعًا لا يجد المرء هنا صعوبةً في ملاحظة التناقض بين حاضر المكوّن الرئيسي لسلطة دمشق الجديدة، وماضيه مُمَثّلًا بـ"هيئة تحرير الشام" وقبلها "جبهة النصرة".
لكنّ الإشكالية هنا ليست في "عبور" التنظيم المذكور إلى الدولة بحد ذاته، إذ هذا حال الكثير من الجماعات المقاتلة بعد انتفاء سبب وجودها، بل تكمن الإشكالية أساسًا في مدى قدرة قوى تمتلك سلطة على جماعات أهليّة في المشرق العربي على الانخراط في مراجعات غير انتقائية لا تستثني أحدًا، ولا تُحمّل أطرافًا مُنكفِئة بسبب انقلاب موازين القوى، كحزب الله، أكثر مما يُفترض أن تحمله من مسؤوليات، تحت وطأة الدعاية وعمليات تنظيف السجلّ الذاتي.
إنصاف قبل المراجعة
الحال أن "منطق الدولة" المذكور هو واحد من الشعارات البرّاقة التي كثر لوكها على مدى سنوات حتى كادت تُفرغ من مضمونها، شأنه شأن شعارات أخرى كـ"السيادة" و"الواقعية" و"التنمية" وخلافها.
لا يُعفى حزب الله من الكثير من المسؤوليات في هذا الشأن، سواء في لبنان أو في المنطقة. غير أنّي أزعم أن المسؤولية الأساس على عاتقه سابقة على 7 أكتوبر 2023، وصعبٌ تحميله إياها بعد هذا التاريخ في أي قراءة مُنصفة، بخلاف ما تقوله الآلة الدعائية المناهضة له اليوم.
إذ يصعب تصوّر جريان الإبادة في غزة من دون تدخّل تنظيم عقائدي تقوم فلسفته كلها على الدعوة لمواجهة "استكبار" إسرائيل. ويصعب تخيّل مدى التحريض الطائفي الذي كان ليحصل لو حافظ الحزب على "حياده" في ظلّ المقتلة في غزة، علمًا بأن هذا التحريض قائم منذ لحظة تحرير غالبية جنوب لبنان عام 2000 على أقلّ تقدير.
كما يصعب تصوّر أن إسرائيل، التي تجد نفسها في لحظة ولادة ثانية بعد 1948، كانت ستقف عند حدود غزة، وأنها ما كانت ستخوض حربين ضد إيران وتُعدّ الآن لاحتمالات حربٍ ثالثة، لولا "حرب إسناد" حزب الله التي عبّدت لها هذا الطريق.
هذه هرطقة يصعب هضمها، وتشبه هرطقة التعامل مع الحزب وأدواره المحلية والإقليمية بعد عام 2000 كما لو كان مُشاغبًا في منطقة تعجّ بمشاريع التنمية ويسودها الاستقرار، لا كطرف مستهدفٍ بعد احتلال العراق عام 2003، وبعد ذلك متّهمٍ باغتيال رفيق الحريري الذي كان يحرص على حفظ صلة معه برغم الخلاف، ومُقاتلٍ في حرب خيضت ضدّه عام 2006 تحت شعار "مخاض الشرق الأوسط الجديد"، ومُعرّضٍ لحرب إعلامية ضُخّت فيها أموال هائلة بهدف شيطنته، كما كشفت وثائق رسميّة أمريكية لاحقة، ومتعاملٍ مع تبعات حرب سوريّة داخل لبنان، لا في سوريا فحسب، يوم كان تنظيما النصرة وداعش يسيطران على مناطق في بقاع لبنان ويأسران جنودًا لبنانيين، وكان الرئيس الحالي جوزاف عون، قائد الجيش اللبناني آنذاك، يخوض معاركه إلى جانب الحزب، وبالتنسيق معه، وَلَو بشكل غير رسمي.
المراجعة المنتظرة
ما سبق كلّه، كما ذكرت، لا يُعفي حزب الله من المراجعة ولا من المسؤوليّات، التي تبدأ بعدم إيلائه مظلوميّة قطاع كبير من السوريين الأهمية التي تستحقها خلال الحرب/الثورة السورية، حتى لو وجد أن مصلحته الاستراتيجية هي إلى جانب النظام، مرورًا باستسهال التعامل مع قوّة إسرائيل وتعميمه خطابًا يقوم على يقينيّات ويُغفل النقد ويُهمّشه، ومقارعته الخطاب الطائفي المموّل خليجيًّا ضدّه بخطاب شحنٍ مقابل؛ كحال تحشيده المقاتلين في سوريا عبر استحضار السيدة زينب.
كذلك التعامل مع الدولة اللبنانية بوصفها لزوم ما لا يلزم حتى حين كان حضوره قويًّا فيها، وإغفاله حساسيات التعامل مع قضايا في الداخل اللبناني يسهُل أن تُنتج انقسامات مجتمعيّة عموديّة كحال أحداث 7 أيار عام 2008، وتعاطيه مع مستلزمات إدارةِ اقتصادٍ ودينامياتِ احتجاجٍ مجتمعيٍّ بتبسيطٍ مُخلٍّ بأبسط شروط الاستدامة، كما حدث بُعيد الانهيار الاقتصادي في لبنان عام 2019 والحركة الاحتجاجية التي تلته، وخلاف ذلك من الأمور.
لكن إن كان تقديم حزب الله مراجعةً عميقةً وجدّيةً لتجربته مرتبطًا بمحاولاته علاج بيئته المكلومة من جهة، واستيلاد طبقة قيادية قادرة على مجاراة اللحظة الاستثنائية في لبنان والمنطقة من جهة ثانية، والتحسّب لمتطلّبات حروب متنقّلة من بلد إلى آخر، قد يعيش الإقليم على وقعها لسنوات من جهة ثالثة، فإن من يتعاطى مع إسرائيل التي تستعيد لحظة تأسيسها التوسّعية بخفّة، ولا يقرأ ظروف نشأة الحزب وأسباب تمدّده ورسوخ حضوره واستدامة هذا الحضور إلا من زاوية اعتباره ذراعًا لإيران، غير مؤهّل على ما أعتقد لتقديم نقد جدّي خارج إطار الاصطفاف والتوظيف السياسي المباشر.
يمكن الزعم أنه إلى حين حلول موعد أكثر هدوءًا من هذه اللحظة الصاخبة والملتهبة في المنطقة، يصعب أن تشيع مراجعات أعلى من صوت المعركة. تلك التي ما زال حزب الله، بفعله أو أثره، يجد نفسه، ويجده خصومه وأعداؤه، جزءًا أساسيًا منها.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.