تصميم سيف الدين أحمد، المنصة 2026
القضية أن النموذج الربحي يُفسد مفهوم الجامعة

الجامعة "الشركة"

كيف أفسدت الأرباح "بيت العقل"؟

منشور السبت 10 تشرين الأول/أكتوبر 2026

في العقدين الماضيين، شهدت الجامعات العربية محاولاتِ تحديثٍ تمثلتْ في السعي لتحسين موقعها الدولي، فتقدمت عدة مراتب في التصنيفات الدولية، كما وَضعت معاييرَ للجودة استهدفت تحسين الأداء التعليمي والبحثي لها. وبغض النظر عن مدى فاعلية هذه المحاولات في تغيير الواقع الأكاديمي العربي فعليًّا، فإنها تعبر عن رغبة واضحة في كسر حالة الركود التي تعيشها جامعاتنا منذ عقود.

في هذا الإطار، يبدو السؤال عن النموذج الأكاديمي الذي تتبعه جامعاتنا لتأدية دورها الحضاري في النهضة المعرفية والعلمية والاقتصادية غريبًا، فمعظم جامعات العالم العربي تَبنَّت بالفعل نموذجًا محددًا هو نموذج "الجامعة الربحية" أو الجامعة كـ"Business Model"، الذي يُنظر إليه بوصفه معيار النجاح والتقدم، ويقدم باعتباره النموذج السائد اليوم في الغرب.

المفارقة أن هذا النموذج لم يظهر في الغرب إلا خلال العقود الثلاثة الأخيرة، ولم يكن له وجودٌ يُذكر قبل ذلك. فالجامعة في هذا النموذج تُدار بوصفها شركة، طلابها "عملاء"، وإيراداتها سواء من الطلاب أو مشروعات الأساتذة هي المعيار الوحيد لنجاحها، بصرف النظر عن إنتاجها البحثي والمعرفي والمجتمعي أو تعليمها الجيد لطلابها.

اليوم يضع هذا النموذج بريطانيا والولايات المتحدة في أزمة غير مسبوقة لا نعرف منتهاها، تتكشف ملامحُها أكثر خلال العقد الأخير، ومعها يتسع الجدلُ عن علاقة هذا النموذج بالأزمة العامة لجامعات هذين البلدين. أما العالم العربي فقد استورد هذا النموذج بوصفه غايةً يُحتذى بها، دون أن يعي أنه يستورد نموذجًا مشوهًا ومأزومًا للجامعة. 

إفساد مفهوم الجامعة

فيما نعرض ملامح تلك الأزمة بشيء من التفصيل، نؤكد وجود نموذج آخر هو النموذج الأصلي الذي أُنشئت عليه جميع الجامعات الأوروبية والعربية في السابق، وفيه تنشأ الجامعة بوصفها منفعةً عامةً مستقلةً ومدعومةً بموارد الدولة، سواء كان التعليم فيها مجانيًّا أو شبه مجاني، أو حتى بمصروفات كاملة.

القضية أن النموذج الربحي يُفسد مفهوم الجامعة، حيث يضع معايير السوق في كل مَنحى أكاديمي ويستهدف الربح بدلًا من المعرفة والابتكار، كذلك يُقلص من استقلالها مؤسسةً معرفيةً وبحثيةً وتعليمية.

أحد أمثلة النموذج الأصلي أو غير الربحي هي جامعات الولايات الأمريكية، التي كانت مدعومةً من الدولة في ستينات القرن الماضي بنسب تصل إلى 77%، بل وحتى التسعينات بنسب تصل لـ60%. هذا الدعم منح الجامعات قدرًا كبيرًا من الاستقلال في صياغة سياساتها البحثية والتعليمية، بدون تأثير من النسبة البسيطة للاستثمارات الخاصة في مواردها.

أما الآن، فمع تلقي الجامعات دعمًا ماليًّا حكوميًّا لا يتجاوز 4% فقط من مواردها، تقع الجامعة ومشاريعها البحثية والتعليمية تحت رحمة الاستثمارات الخاصة ومن يمثلها في مجلس أمنائها من شركات ومؤسسات.

لكن أليست هناك نماذج لجامعات عريقة خاصة وربحية، مثل هارفارد وكولمبيا في الولايات المتحدة وكمبريدج وأكسفورد في إنجلترا؟ هنا نؤكد أن هذه جامعات استثنائية لا تتبع نموذج "الجامعة الشركة" المشار إليه رغم اعتمادها الكبير على مصادر تمويل خاصة، لسبب بسيط هو أن مواردها المالية المتراكمة من أوقاف وغيرها تمنحها استقلالية لا تملكها الجامعات المتوسطة.

الوقف الضخم الذي تراكم عبر قرون (56.9 مليار دولار لهارفارد، و14.8 مليار لكولومبيا، 9.2 مليار جنيه لأكسفورد) يعني أن قرار قبول طلاب أو الإبقاء على قسم أكاديمي لا يُحسم بمعيار الربحية الفورية كما يحدث في جامعة تعيش على الرسوم الدراسية وحدها. 

هذه مؤسسات يمكنها امتصاص عجز قسم بعينه لعقود دون تهديد استمرارها، كما أنها تحصل على نصيب الأسد من المشاريع البحثية الحكومية، وهو دخل مهم. أضف لذلك أن الطَلب على مقاعدها يفوق العرض بكثير بحكم سمعتها الأكاديمية الفريدة، فهي بالفعل قلاع معرفية مستقلة.

معالم الأزمة

لنبدأ بالمملكة المتحدة، حيث تبدو الصورة أوضح وأدلَّ على طبيعة التحول البنيوي الذي طرأ على التعليم العالي هناك. المفارقة أن بريطانيا شهدت إرهاصات هذا التحول مبكرًا، ففي عام 2004 وحده أظهر مسح أجرته هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) أن واحدة من كل خمس جامعات بريطانية (73 جامعة استجابت للمسح) أغلقت أو قلصت أقسامًا أكاديمية، أو بصدد التخطيط لذلك. شمل ذلك إغلاق قسمي الكيمياء والموسيقى في جامعة إكستر (بخسارة 130 وظيفة)، وتوقف برامج الفيزياء البحتة واللاهوت في جامعة نيوكاسل، إلى جانب إغلاقات مماثلة في كينجز كوليدج لندن وكوين ماري وسوانزي.

غير أن هذه الموجة المبكرة تبدو متواضعةً أمام ما تشهده الجامعات البريطانية اليوم. ففي السنة المالية 2024-2025 وحدها، سُرِّح نحو 13 ألفًا و300 موظف جامعي، ويُقدَر إجمالي الوظائف المفقودة في القطاع بنحو 30 ألف وظيفة خلال السنوات الثلاث الأخيرة فقط. من الأمثلة جامعة كارديف التي أعلنت في 2025 عزمها تسريح 400 وظيفة (7% من قوتها العاملة) وإغلاق برامج التمريض والموسيقى واللغات الحديثة، قبل أن تُخفَّض الحصيلة إلى 138 وظيفة بعد التفاوض. بل إن جامعة أكسفورد نفسها، رغم مكانتها ومواردها، سجلت 519 حالة تسريح في 2023-2024، وهو الرقم الأعلى بين جامعات مجموعة راسل النخبوية.

في الولايات المتحدة، النمط مشابه في جوهره، وإن اختلفت تفاصيله. هناك تراجع مطرد في القوى العاملة الأكاديمية والإدارية، تصحبه موجة متسارعة من إغلاق البرامج تستهدف بشكل خاص العلوم الإنسانية والاجتماعية. ففي عام 2025 وحده، ألغيت أكثر من 9000 وظيفة جامعية في جميع أنحاء الولايات، مع الإعلان عن مئات أخرى شهريًا حتى عام 2026.

وفي أبريل/نيسان 2026، تأثر نحو ألف موظف بعمليات التسريح، وهو ما تفاقم بسبب إغلاق الكليات والانخفاض المستمر في التسجيل. بينما تراجع عدد أعضاء هيئة التدريس في الكليات المجتمعية/الفنية (يدرس الطالب فيها لعامين) بنسبة قاربت 17% خلال عقد واحد، بل وصلت النسبة في بعضها إلى 21% (أي عضو هيئة تدريس من كل خمسة).

من أبرز الحالات جامعة فيرجينيا الغربية التي ألغت 28 برنامجًا أكاديميًا كاملًا، بما فيها جميع برامج الدكتوراه في اللغات الأجنبية والرياضيات، وسرحت 143 عضو هيئة تدريس في 2023، وجامعة إلينوي الغربية التي سرحت 89 موظفًا، 57 منهم أكاديميون، بينهم 40 أستاذًا دائمًا، في 2024، وجامعة نورث كارولينا-جرينسبورو التي أغلقت 20 برنامجًا شملت الأنثروبولوجيا والفيزياء والدراسات الدينية، إضافة إلى تسريحات مماثلة في جامعات بورتلاند ستيت، ولينشبورج 17 برنامجًا و40 موظفًا، وبرانديز 60 وظيفة إدارية وأكاديمية.

ليس معنى ذلك أن تكون الجامعةُ ضد الغلق دائمًا، وليس القرار العادل بين الإبقاء المطلق أو الإغلاق الفوري، بل في التمييز بين وجود "انحسار حقيقي" في مجال ما أو تشكل "دورة تقليص مصطنعة" ناتجة عن تجويع القسم ماليًا.

الحل الأكثر إنصافًا قد يكون دمج أقسام معًا أو تقليصًا تدريجيًّا مع مهلة انتقالية حقيقية للطلاب المسجلين وحماية وظيفية للأساتذة المثبَتين، مع تنسيق وطني يضمن بقاء حد أدنى من المراكز القوية لكل تخصص نادر بدلًا عن اختفائه كليًا.

الأهم أن يكون المعيار المستخدم في الحكم على "عدم الجدوى" شفافًا وخاضعًا لمساءلة الهيئة الأكاديمية نفسها، لا قرارًا إداريًا منفردًا.

ما المختلف في "أزمة" اليوم؟

السؤال الموضوعي، ألم تحدث مثل هذه الأزمات من قبل، بالأخص في الستينيات والسبعينيات؟ الإجابة نعم حدثت، لكن يجب التمييز بين نوعين من الأزمات.

بالفعل حدثت موجات تسريح وإغلاق. ففي الولايات المتحدة، سرحت جامعة نيويورك 217 أستاذًا عام 1972 وأغلقت كلية العمل الاجتماعي، وفي عام 1975 تحوّلت قضية تسريح أستاذ مثبت في جامعة كاثوليك أمريكا تحت بند "الضرورة المالية" إلى سابقة قانونية كبرى. وفي بريطانيا، فرضت لجنة المنح الجامعية تخفيضات حادة وجمدت التعيينات الأكاديمية عام 1976، وبدأت أقسام مثل الفيزياء والكيمياء واللغات تواجه الإغلاق.

لكن هذه الأزمة ليست هيكلية وأقل حدة، وناتجة إما عن مشكلة خاصة بالجامعة أو صدمة خارجية عابرة، مثل التضخم الاقتصادي الحاد، أو أزمة نفط حرب 1973، أو تراجع التمويل أثناء حرب فيتنام. الأهم أن النظام الجامعي نفسه كان قائمًا على أسس صلبة؛ 77% من إيراداته من التمويل الحكومي، مع طفرة في أعداد الطلبة نتيجة لزيادة المواليد عقب الحرب العالمية الثانية، في ظل تثبيت أكاديمي يحمي الأساتذة يعد فيه التسريح استثناءً يستدعي نقاشًا حول شرعيته. 

السؤال كان آنذاك: كيف نعبر هذه المرحلة؟ وذلك كان ممكنًا لأن النظام الجامعي مدعو بقوة من الدولة. أما الوضع اليوم فمختلف كليًا والبيانات السابقة تكشف حجم التحول، والمشكلة ليست صدمة خارجية عابرة، بل تآكل داخلي مستمر أصاب بنية النظام نفسه لاعتماده على مصاريف الطلاب وتقلبات السوق.

الفرق الجوهري أن الشروط التي سمحت للنظام بالتعافي من أزمات الماضي لم تعد قائمة، فقد انسحب التمويل الحكومي تدريجيًّا حتى بلغ نحو 4% لبعض الجامعات، بعد أن كان قرب 77% لمعظم الجامعات في الستينيات، وأصبح الاعتماد على الرسوم الدراسية والطلاب الدوليين كمصدر إيراد أساسي. وفي الوقت نفسه، تواجه المؤسسات هاوية ديموغرافية حيث انخفضت أعداد المواليد مما يعني انكماشًا مستقبليًّا في الفئة العمرية التقليدية للجامعة، مع توقعات بانخفاض 15% في أعداد الطلاب بعمر 18 عامًا في الولايات المتحدة بين 2025 و2039. 

هناك سبب آخر وهو ارتفاع مصاريف التعليم للضعف بين 2006-2025؛ أي بزيادة 100% مما أثر في أعداد الطلاب المسجلين في الجامعات، التي تتناقص بشكل واضح. يُضاف إلى ذلك تآكل التثبيت الأكاديمي للأساتذة وانتشار العمل المؤقت، وتحول المنطق الإداري إلى نموذج الشركة، ما يجعل إغلاق الأقسام وتسريح الموظفين قرارًا عاديًا مثلما يحدث في أي شركة وليس قرارًا استثنائيًّا كما كان في السابق.

بسبب ذلك كله، يشعر الأكاديميون بأن جامعات إنجلترا والولايات المتحدة في أزمة؛ ليس لأن التسريح يحدث، بل لتغيّر القواعد نفسها. في السبعينيات، كان السؤال "كيف نعبر هذه المرحلة؟" والجواب كان ممكنًا لأن النظام قوي. اليوم السؤال مختلف: هل يمكن للنظام الاستمرار بالنموذج الحالي؟ للأسف لا يبدو في الأفق أمل لهذا لأن النظام مرتبط بأعداد الطلبة المنتسبة للجامعات التي تتناقص لأسباب عديدة.

هنا أؤكد أن ما جرى ليس مجرد تعديل في نموذج إدارة الجامعة، بل انقلاب في فلسفة وروح التعليم العالي ذاتها، التي تحدث عنها الفيلسوف كانط في كتابه صراع الكليات، إذ رأى الجامعة كيانًا مستقلًا وبيتًا للعقل والإبداع. بالنسبة له الجامعة ليست مجرد مؤسسة لنقل المعرفة فحسب، بل هي المكان الذي يمارس فيه العقل النقدي حريته، ومهمتها الأساسية هي البحث عن الحقيقة التي لا يمكن فرضها من سلطة خارجية، بل تُكتشف من خلال حرية الفكر والنقد العقلاني. 

بريطانيا وأمريكا اللتان نظرتا للجامعة بعد 1945 بوصفها منفعةً عامةً للمجتمع، واستثمارًا طويل الأجل في رأسمالها البشري، وآلية مساواة تَكسر جدارن الطبقية، هما ذاتهما تخليا عن هذه الرؤية لصالح منطق العائد الاستثماري قصير الأجل. فحين يُقاس نجاح الفلسفة أو علم الاجتماع بعدد المسجلين وحده لا بدورهم في تشكيل وعي مواطن قادر على النقد والمشاركة، فإن الخسارة ليست خسارةً تخصص بعينه، بل خسارة الفكرة التأسيسية نفسها التي جعلت الجامعة يومًا معقلًا تنويريًا لا مجرد منفذ خدمات تعليمية.

أما فلسفة "التعليم الربحي" أو "بيزنس التعليم" فسوف تأخذ المجتمع إلى انشقاق وطبقية وتفسخ، بل إلى هاوية مجتمعية واقتصادية على المدى الطويل؛ نعرف اليوم أن أهم صمامات الأمان للمجتمعات هي الحراك الاجتماعي الذي تكون أحد صوره صعود الطبقات محدودة الدخل عن طريق التعليم لوظائف أفضل فيكون لكل أفراد المجتمع فرص متساوية، وبذلك نعظم الفائدة من موارده البشرية.

التمويل الخاص والاستقلال 

مع ازدياد الاعتماد على التمويل الخاص للجامعات ستتراكم سلسلةٌ من المشكلات المنهجية الموثقة في الأدبيات العلمية، أبرزها ما يُعرف بتحيز الراعي/sponsor bias، إذ تميل الدراسات الممولة من القطاع الصناعي إلى إظهار نتائج إيجابية لصالح مموليها بنسب لافتة، وهي: 85% في التجارب الدوائية الممولة من الشركات مقابل 50% في التجارب الممولة حكوميًا.

بينما تزداد احتمالية وصول أبحاث التغذية الممولة من شركات الأغذية إلى استنتاجات مواتية لها بمعدل يتراوح بين 4 و8 أضعاف مقارنة بغير الممولة من شركات الأغذية.

لا يقف الأثر عند حدود النتائج الفردية، إنما يمتد إلى إعادة تشكيل خريطة المعرفة ذاتها. إذ يكشف تحليل لنحو 49 ألفًا و800 ورقة بحثية في مجال الذكاء الاصطناعي أن الأبحاث الممولة من الصناعة تستشهد بنظيراتها الممولة من الصناعة أكثر من المتوقع إحصائيًا، بينما تستشهد بالأبحاث المستقلة أقل من المتوقع، وهو ما يُنتج نوعًا من "العزلة المعرفية" تُبنى فيها الحقيقة العلمية داخل شبكة مغلقة من المصالح المتشابهة، كذلك لا يشجع التمويل الخاص الأبحاث في العلوم الأساسية، لأن مردوداتها الصناعية والطبية قليلة على المدى القصير، وهذه كارثة حقيقية لأي دولة متقدمة أو نامية لأن العلوم الأساسية هي قاعدة الهرم المُؤسسة لأي نهضة علمية وتكنولوجية.

الأخطر من ذلك هو ما تتيحه العديد من اتفاقات التمويل من قدرة تعاقدية على كبت النتائج غير المرغوبة، سواء عبر اشتراط موافقة الشركة الممولة على النشر، أو عبر إخفاء النتائج المخالفة لمصلحتها، كما حدث في عدد من الدراسات الطبية، التي ظلت حبيسة الأدراج لسنوات لأن الجهة الراعية اعتبرتها "سرًا تجاريًا".

مثل هذا حدث في عام 2006، عندما أكملت شركتا Merck وSchering-Plough تجربة سريرية كبرى لدواء الكوليسترول Vytorin. أظهرت النتائج أن الدواء ليس أفضل من دواء آخر أرخص بكثير في تقليل تراكم اللويحات الضارة في الشرايين. رغم ذلك، احتجزت الشركتان النتائج لمدة 19 شهرًا قبل إعلانها في يناير 2008.

لا يكمن جوهر المشكلة في التمويل الخاص بحد ذاته، بل في الاعتماد الهيكلي عليه: فحين يتحول المال الخاص من خيار تكميلي إلى ضرورة وجودية بفعل تراجع التمويل الحكومي، تبتعد الجامعة تدريجيًا عن دورها كمؤسسة تخدم الصالح العام عبر بحث مفتوح ومستقل، وتصبح كيانًا يخدم ولو ضمنيًا مصالح رعاته.

هكذا تغدو الحرية البحثية حرية اسمية تُصاغ المعرفة في ظلها تحت وطأة تهديد غير معلن وبعواقب غير مباشرة، وإن غاب أي شكل صريح من أشكال الرشوة أو الفساد.

نموذج أوروبي مختلف

الصورة مختلفة جوهريًا حين ننتقل إلى نماذج أوروبية أخرى كألمانيا وفرنسا ودول الشمال الاسكندنافي، التي واجهت الضغوط الاقتصادية نفسها التي يرى المدافعون عن نموذج "الجامعة الربحية" أنها كانت السبب الرئيس في ذلك التحول. لكن هذه الضغوط لم تدفعها إلى تبني النموذج الجديد ولا إلى موجات إغلاق الأقسام وتسريح الكوادر الجامعية التي شهدتها بريطانيا وأمريكا.

الفارق هنا ليس اقتصاديًا في جوهره، بل هو سياسي وبنيوي بامتياز، فألمانيا تحكمها منظومة تمنح النقابات دورًا مؤسسيًا في القرار الاقتصادي لا مجرد دور احتجاجي. وقد اختبرت بالفعل تجربة فرض رسوم دراسية متواضعة في بعض المقاطعات بين 2006 و2014، قبل أن يتم إلغاؤها جميعًا عقب احتجاجات واسعة اعتُبرت الرسوم فيها مساسًا بمبدأ المساواة في الوصول إلى التعليم.

أما فرنسا، فلديها تقليد جمهوري راسخ يعتبر الخدمة العامة، وضمنها التعليم، جزءًا من الهوية الوطنية وهي غير قابلة للتفاوض. كذلك لديها الشارع وقدرته التاريخية على فرض الفيتو السياسي على أي تغيير يُنظر إليه كتهديد للمكتسبات الاجتماعية، كما ظهر جليًا في إسقاط قانون "عقد التوظيف الأول" عام 2006 بعد احتجاجات طلابية وعمالية واسعة.

يضاف إلى هذا عامل بنيوي حاسم غالبًا ما يُغفَل وهو النظام الانتخابي نفسه، فبينما يتيح نظام الأغلبية البسيطة في بريطانيا لحكومة واحدة تمرير إصلاحات جذرية دون حاجة إلى توافق واسع، كما فعلت تاتشر في الثمانينيات، تفرض الأنظمة النسبية أو ذات الدورتين في ألمانيا وفرنسا والدول الاسكندنافية ائتلافات حكم أوسع تُبطئ بطبيعتها أي تحول جذري بهذا الحجم.

هذه العوامل مجتمعة هي ما جعل هذه الدول أكثر مناعة، وإن لم تكن محصنة تمامًا.

هل أسباب الأزمة اقتصادية أم سياسية؟

بتتبع جذور نموذج الجامعة الربحية نفسها في موطنها الأصلي، سنجد أن انتصاره في بريطانيا وأمريكا لم يكن استجابة اقتصادية محايدة، بل ثمرة مشروع أيديولوجي واعٍ قادته التاتشرية والريجانية. فمارجريت تاتشر، التي أعلنت صراحة أنه "لا يوجد شيء اسمه مجتمع، بل أفراد وعائلات فحسب"، لم تكتفِ بخفض التمويل العام، بل استهدفت الفكرة الجمعية ذاتها التي بُني عليها حق التعليم المجاني، مستبدلة بها منطق الطالب-المستهلك الذي يفاوض السوق بمفرده.

رونالد ريجان هو الآخر عارض وهو حاكم كاليفورنيا تمويل الدولة لما أسماه "الفضول الفكري" غير المُنتج اقتصاديًا. وبعد إعادة انتخابه خفض التمويل الحكومي للجامعات العامة بنسبة 20%، مبررًا ذلك بأن الجامعات "أصبحت ليبرالية أكثر مما ينبغي" وأن دافعي الضرائب لا ينبغي أن يمولوا "الفضول الفكري"، ومن ثم حمل النزعة نفسها إلى الرئاسة الأمريكية وواصل جهوده لخفض الإنفاق على التعليم العالي العام على المستوى الفيدرالي، ودعا في حملته الرئاسية إلى إلغاء وزارة التعليم بالكامل، ورغم أن هذه الخطة لم تحظ بدعم يُذكر من الكونجرس، فإنه نجح في خفض تمويل التعليم الفيدرالي بنسبة 25%.

لم يكن هذا التوجه مجرد رد فعل على أزمة السبعينيات المالية، بل استند إلى تشخيص فكري قدمه صامويل هنتنجتون وزملاؤه في تقرير لجنة ترايلاتيرال "أزمة الديمقراطية" (1975)، الذي حذر فيه من "فائض ديمقراطية" تُنتجه مؤسسات كالجامعات حين تفرخ نشطاء مطالبين بالحقوق بدلًا من نخبة موالية ومستقرة، ودعا إلى كبح هذا "الفائض" عبر إعادة هندسة تمويل التعليم العالي ذاته.

لم يكن تقرير لجنة ترايلاترال وليد لحظة معزولة، بل استجابة مباشرة لتراكم أحداث منها الاحتجاجات الطلابية التي امتدت عبر ضفتي الأطلسي طوال أواخر الستينيات ومطلع السبعينيات؛ ففي أوروبا، فجرت انتفاضة مايو 1968 الطلابية في باريس هاجسًا وجوديًّا لدى النخب الحاكمة الغربية، تلته احتجاجات مماثلة في برلين الغربية ضد "السلطوية" الجامعية والدولة. وفي الولايات المتحدة، تصاعدت الحركة الطلابية بشكل كبير ومتشابك مع الأولى، لكن لسبب مختلف، وهو الرفض الجماهيري لحرب فيتنام التي أشعلت المظاهرات في العديد من الجامعات الاميريكية.

هكذا التقى المنطق الاقتصادي النيوليبرالي بالحسابات السياسية في مشروع واحد، وهو تحويل الجامعة من فضاء نقدي مستقل إلى "صناعة خدمية" تُدار بمنطق الشركة.

إن ما تعيشه جامعات بريطانيا والولايات المتحدة اليوم ليس مجرد أزمة مالية عابرة، إنما هو نموذج وفلسفة، فتحويل الجامعة إلى "شركة" تبيع التعليم كخدمة، وتقيس نجاحها بالإيرادات التي تجمعها، يهدم وظيفتها الحضارية في إنتاج المعرفة ويلغي استقلالها وخدمتها للصالح العام.

ولأن العالم العربي استورد هذا النموذج متأخرًا بوصفه معيارًا للتقدم، فعليه التوقف عن تبنيه دون نقد، وأن يعيد الاعتبار للجامعة كمنفعة عامة ممولة من الدولة، ومستقلة عن ضغط السوق، وحاضنة للعلوم الأساسية والإنسانيات والحراك الاجتماعي. 

البديل ليس العودة إلى الماضي، بل بناء جامعة حديثة مستقلة وشفافة، تخدم المجتمع قبل الربح، وتضع الحرية الأكاديمية والبحث المفتوح في صميم رسالتها. فإذا كانت أوروبا القارية (ألمانيا وفرنسا ودول الشمال) قد أثبتت أن هناك طريقًا أخرى ممكنة، فالسؤال الحقيقي المطروح على جامعاتنا اليوم ليس "كيف نُحاكي الغرب؟" بل أي غرب نُحاكي؟ وبأي ثمن؟

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.