بعد ثلاث سنوات.. كيف تنظر قاعدة حماس في غزة إلى قرار 7 أكتوبر؟
يتذكر محمد الشريف، أحد كوادر الحكم المحلي لحركة حماس في مدينة رفح، صباحَ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، فحين كان يستعد للذهاب لعمله ويتجهز أطفاله للمدرسة، انطلقت الصواريخ من القطاع مؤذنةً ببدء هجوم طوفان الأقصى على مستوطنات غلاف غزة.
بوصول الأخبار والصور، تحول مشهد السابع من أكتوبر لدى محمد إلى شعور بالكرامة والثأر، خصوصًا مع نجاح المقاتلين في صفوف فصائل المقاومة الفلسطينية في اختراق الحدود والحواجز وأسر جنود إسرائيليين.
ورغم انتشاء محمد بلحظةِ الانتصار مثله مثل عشرات الآلاف من أهالي غزة الذين خرجوا للشوارع احتفالًا، فإنه كان يدرك منذ الساعات الأولى أن هذه اللحظة لن تطول وأن الرد الإسرائيلي سيكون قاسيًا.
اليوم بعد مرور ثلاث سنوات على السابع من أكتوبر، ما زالت آثار القرار المصيري الذي اتخذته قيادات حماس تتمخض في التحولات السياسية التي أعقبته، وفي حجم الخسائر المهولة التي تكبدها الفلسطينيون خلال سنوات الحرب، فيما يدور النقاش داخل قواعد حركة حماس في غزة حول ما حققه القرار والنتائج التي ترتبت عليه.
محمد الشريف من بين 6 كوادر تنظيمية لحركة حماس في غزة، طرحت المنصة عليهم السؤال المثار على كل المستويات بخصوص جدوى قرار الـ7 من أكتوبر، رفض اثنان منهم الحديث في الوقت الحالي.
لا تمثل بقية الشهادات الأربع بالضرورة مواقف قواعد الحركة، لكنها تكشف كيف يمكن أن تتعايش، بعد ثلاث سنوات من الحرب، قناعةٌ بضرورة كسر واقع قائم مع أسئلة ثقيلة حول الثمن الذي دُفع والنتائج التي تحققت.
لا ندمَ رغم الخسائر
استتبع هجومُ فصائل المقاومة على غلاف غزة الذي أدى لمقتل نحو 1200 ما بين جندي إسرائيلي ومستوطن، وسِيق 251 آخرون رهائنَ، بحرب إبادة إسرائيلية استمرت نحو سنتين، راح ضحيتها أكثر من 74 ألف قتيل، و175 ألف مصاب، خلاف المفقودين والذين لا يزالون تحت الأنقاض.
وبينما يستمر سقوط الضحايا بسبب القصف الإسرائيلي شبه يومي على القطاع حتى اللحظة، فإن محمد الشريف لا يزال يؤمن بقرار السابع من أكتوبر كما كان في اليوم الأول، هذا رغم خسارته زوجته وجنينها الذي كانت حاملًا به في شهرها الأخير جراء قصف إسرائيلي استهدف منزل عائلة زوجته، ورغم مقتل أكثر من 17 فردًا من عائلته في استهدافات مختلفة إلى جانب وفاة بعضهم بسبب المرض وعدم توفر العلاج في المستشفيات، وكذلك فقدانه المنزل والمكتب وممتلكات أخرى.
يضع الكادر الحمساوي أحداث السابع من أكتوبر ضمن تاريخ أطول من الصراع يبدأ بالنسبة إليه من النكبة الفلسطينية عام 1948، ويمر بالانتفاضتين الأولى عام 1987 والثانية عام 2000 والحروب والعمليات العسكرية الإسرائيلية في الضفة وغزة خلال العقدين الأخيرين.
من هذا المنظور، لا يعتبر أن طوفان الأقصى خلق الصراع، بل هو محطة ضمن صراع قائم منذ عقود، ويرى كذلك أن تداعيات الحدث تجاوزت غزة وأثرت في النقاشات داخل دول عدة، وغيرت صورة إسرائيل لدى قطاعات من الرأي العام الغربي.
لا يعني ذلك، كما يقول الشريف لـ المنصة، أن الحرب لم تغير شيئًا. فهو يعترف من داخل خيمته التي نزح إليها مع من تبقى من أفراد أسرته، بأن من عاشوا المذبحة والنزوح والفقد والتجويع قد ينظرون إلى القرار بصورة مختلفة.
لكنه مع ذلك يميز بين الاختلاف مع المقاومة في بعض الآراء، والعمل ضدها، ويرى أن الخلافات داخل المجتمع والحركة أمر طبيعي بعد الكم الهائل من الخسائر البشرية والمادية التي دفعها ولا يزال يدفعها المواطنون.
الحرب من شرفة البيت
تستعيد أميرة النحال صباحَ السابع من أكتوبر من نافذة بيتها بينما كانت تستعد للذهاب إلى المدرسة حيث تعمل. في البداية، لم تعرف طبيعة ما يحدث، وتنقلت بين النوافذ محاولة التمييز بين الصواريخ التي تطلق من غزة وتلك التي تطلقها الطائرات الإسرائيلية. لكن شيئًا بدا مختلفًا هذه المرة.
غزة لم تكن هي التي تتلقى الضربات، بل تبادر إليها. ومع وصول مقاطع عمليات عبور وتجاوز عناصر المقاومة الفلسطينية للحدود، تقول أميرة إن شعورها بالفخر غلب خوفها من الرد الإسرائيلي الذي كانت تدرك أنه سيكون هائلًا.
بعد ثلاث سنوات، لا تزال أميرة النحال، الكادر التنظيمية في حماس، ترى في السابع من أكتوبر "انفجارًا تاريخيًّا" لشعب، حسب وصفها، استُنفدت أمامه مسارات الاحتواء والقهر، لكنها في الوقت نفسه لا تتجاهل حجم التكلفة والآثار التي ترتبت عليه ولا يزال يعاني منها المواطنون في غزة.
اليوم لم يعد منزل أميرة في مدينة رفح موجودًا، كما فقدت الكثير من أقاربها وأصدقائها وزملائها، وتعطلت المؤسسات التعليمية التي تعمل بها جراء القصف والتدمير ، لكنها مع ذلك لا تقيس الحدث بالخسائر وحدها، وتعتقد أن السؤال الذي يجب طرحه هو: ماذا تغير بعد كل هذا الدم؟ وهل أعاد السابع من أكتوبر القضية الفلسطينية إلى موقع لا يمكن العودة إلى ما كانت عليه قبله؟
تتعاطى الناشطة الحمساوية مع هذه الأسئلة بإيجابيةٍ يشوبها بعض الحذر، مشيرة إلى الأثر الذي تركه السابع من أكتوبر في عودة فلسطين إلى صدارة النقاش الدولي، بعدما كانت القضية قد تراجعت في الأجندة العالمية وتحولت إلى ملف سياسي مؤجل في الوقت الذي ينشط فيه الاحتلال والاستيطان والحصار. وترى أن السابع من أكتوبر أدى إلى اتساع الحركات الشعبية المناصرة للفلسطينيين، وأعاد القضية للطرح والنقاش في الجامعات والشارع والنقابات في دول الغرب، فضلًا عن ازدياد النقاش حول الاعتراف بالدولة الفلسطينية وحل الدولتين.
لكنها تضع قيدًا واضحًا على هذه القراءة، وتقول لـ المنصة إن الكارثة الإنسانية في غزة لا يمكن تجاهلها، والحكم النهائي على حدث بهذا الحجم ربما يحتاج إلى سنوات، لأن الأحداث الكبرى لا تُقاس فقط بما أحدثته في لحظتها، وإنما بما أعادت تشكيله في السنوات التي تلتها".
من الفخر إلى السؤال
كان ماجد نابلسي(*)، الذي يبلغ من العمر 58 عامًا، نائمًا في منزله بمدينة غزة صباح السابع من أكتوبر قبل أن توقظه وأفراد أسرته أصوات الانفجارات.
يقول الكادر الحمساوي الذي كان يعمل في التجارة لـ المنصة إنه شاهد "صواريخ طالعة من غزة بشكل كثيف"، قبل أن يعرف أن مقاتلين عبروا الحدود وأسروا إسرائيليين.
لا يختلف وصف ماجد لشعور الساعات الأولى عن أغلبية جيرانه؛ فقد أُحيطوا جميعًا بمزيج من الفرح والفخر بعد سنوات من الحصار والظروف التي فرضت عليهم.
لكن هذا الشعور سرعان ما تبدد "في ساعات، وبعد ما بدأ القصف الإسرائيلي واستهدف أبراج ودمرها بشكل كامل، فهمنا إن النتائج حتكون كارثية"، يقول لـ المنصة، مضيفًا أنه لم يتوقع في تلك اللحظة أن يصل حجم الدمار لاحقًا إلى ما وصفه بــ"دمار البلد بالكامل".
خلال السنوات الثلاث التالية، فقد ماجد أقارب بينهم أبناء عمومته، ومنهم أطفال ونساء، كما تدمر بيته وخسر تجارته وسرقت بضائعه، ونزح هو وزوجته وأولاده وعائلات أشقائه من مدينة غزة إلى جنوب القطاع، ومع كل هذا الخراب الذي عمَّ القطاع لم يتغير شيء.
يلفت الكادر الحمساوي إلى أن التفكير في الحاجة إلى تغيير الواقع لم يبدأ في السابع من أكتوبر، مشيرًا إلى نقاشات دارت ضمن دوائره داخل الحركة حول ضرورة تغيير الوضع الكارثي للقطاع على المستويات المختلفة، إضافة للتصدي لممارسات المستوطنين في الضفة الغربية وتوسع المستوطنات وما يجري من تهويد في القدس والمسجد الأقصى.
لكنه في اللحظة الحالية، لا يرى أن أيًّا من هذه الملفات تراجعت، "كل ذلك، وبعد ثلاث سنوات من الإبادة في غزة، لم يتراجع ولم يتوقف، بل زاد بشكل غير مسبوق"، وفق قوله.
بعكس إجابات سابقيه، حين أسأل ماجد عن تقييمه لقرار السابع من أكتوبر اليوم، وما إذا كان يستحق الثمن الذي دفعه الفلسطينيون، يجيب بوضوح "لا أعتقد أن 7 أكتوبر حقق النتائج التي كنا نريدها أو نأمل أن تحدث".
ويشير إلى أن الواقع المعيشي في غزة وصل إلى مستويات كارثية، كما تعرض الاقتصاد للدمار، وحتى الأعمال التي حاول أصحابها استعادتها واجهت، بحسب قوله، صعوبات بسبب القيود على إدخال أصناف مختلفة من البضائع، بحجة ارتباط بعضها بما تصفه إسرائيل بـ"الاستخدام المزدوج".
يتحدث كذلك عن ملف الأسرى الفلسطينيين، قائلًا إن بعض الأسرى الذين أُفرج عنهم في صفقات تبادل إما أعيد اعتقالهم أو جرى ترحيلهم خارج فلسطين، بينما اعتقلت دولة الاحتلال الآلاف غيرهم.
وحسب بيانات مؤسسات الأسرى الفلسطينية، بلغ عدد الفلسطينيين المحتجزين في السجون الإسرائيلية نحو 9,350 أسيرًا ومعتقلًا في بداية سبتمبر/أيلول 2026، مقابل 4,935 قبل الحرب وفق تقرير لمنظمة بتسيلم استنادًا إلى بيانات مصلحة السجون الإسرائيلية.
على مستوى النقاش الداخلي في الحركة، يقول ماجد إن نقاشات جرت بين الكوادر والأعضاء حول القرار ونتائجه، لكنها، حسب وصفه، لم تتحول إلى مراجعة تنظيمية أو قرارات جديدة؛ "هناك نقاشات، لكنها لا تتجاوز مرحلة الفضفضة والتفريغ النفسي بيننا، لكن لا تدور نقاشات لاتخاذ قرارات أو البناء عليها لاتخاذ قرارات من قبل قيادات الحركة".
"الاضطرار" و"الاستحقاق"
ينظر الكادر الحمساوي محمود هنية لطوفان الأقصى من زاوية مختلفة إلى حد ما عن سابقيه. بالنسبة إليه، لم يكن السابع من أكتوبر خيارًا فلسطينيًّا إراديًّا بقدر ما كان "اضطراريًّا"، يرتبط بسياق سياسي سابق؛ من محاولات حسم ملفات اللاجئين الفلسطينيين وقضية تهويد القدس والتطبيع العربي الإسرائيلي، وبما يصفه بتحذيرات سابقة من انفجار الوضع كان قد أطلقها رئيس حركة حماس في غزة سابقًا يحيى السنوار.
لا تأتي قراءة هنية لقرار الحرب من موقع المشاهد، إنما من واقع شديد القسوة. فقد انتشل، قبل أيام من حديثه لـ المنصة، جثماني زوجته وطفله الوحيد عبيدة، بعد نحو ثلاثة أعوام من بقائهما تحت الركام، في مجزرة إسرائيلية راح ضحيتها أكثر من 400 فلسطيني، كما خسر منزله ومقر عمله نتيجة القصف الإسرائيلي.
مع ذلك لا تقوده هذه التجربة القاسية إلى رفض القرار، وإن وضعت سؤال التكلفة في مركز حديثه: هل ينبغي أن تتحمل غزة وحدها تكلفة القضية الفلسطينية؟
خلال حديثه، يعيد هنية أكثر من خمس مرات التأكيد على أن ما ذهبت إليه حماس في السابع من أكتوبر كان قرارًا "اضطراريًا" دُفعت لاتخاذه، وفق رأيه، بعد نفاد الخيارات والتحذيرات واستمرار الحصار الإسرائيلي، لكنه مع ذلك لا يغفل أن "الأثمان التي دفعتها غزة أكبر بكثير من قدرتها، وأكبر من أثمان 7 أكتوبر، لكن لم تكن هناك خيارات أمام قيادتنا في الحركة".
ويستدرك "تقييم السابع من أكتوبر لا يمكن أن ينتهي عند النتائج العسكرية المباشرة، لأن التداعيات ما زالت مفتوحةً على المنطقة وعلى القضية الفلسطينية نفسها، وينبغي على الشعب الفلسطيني أن يحشد طاقاته من كافة أماكن تواجده للمشاركة في هذه الكلفة الباهظة التي تدفعها غزة على مدار هذه السنوات".
بالطبع لا تترك الأوضاع البائسة التي يعيشها أهالي غزة فرصةَ تقديم مراجعة حقيقية لحدثٍ لا يزالون يعيشون تبعاته، فلا هم يملكون الرفاهية ولا الوقت لنقاش أمر جلل مثل هذا، فالوقوف في طوابير المياه وتوفير الطعام وتأمين الخيمة هو كل ما يشغل محمد الشريف، حاليًا، ولا وقت لديه أو قدرة على إصدار حكم نهائي؛ "أنا ما بقدر أحكم على طوفان الأقصى من النتائج اللي أنا عايشها، بوقت السيف على رقبتي لليوم".
(*)اسم مستعار بناءً على طلب المصدر