تصميم: أحمد بلال- المنصة

لماذا تتجاهل نقابة الصحفيين الدورَ الحقوقي في "معركة الحرية"؟

منشور الثلاثاء 1 أيلول/سبتمبر 2026

أفهم تمامًا الفرق بين أن تكون صحفيًا أو حقوقيًّا أو ناشطًا سياسيًّا، مستقلًا وحرًا، وأن تتولى منصبًا في نقابة أو هيئة رسمية أو حتى كيان برلماني أو قضائي أو تكون صاحب نوايا طيبة فتقبل بوظيفة رسمية في إدارة دولة مستبدة. الفارق كبير وصعب.

حين تكون حرًّا ومستقلًا، تصبح حركتك حرةً ومساحتُك أوسع، وقدرتك على النقد أكبر. في حين أنك حين تتولى منصبًا، تُلزَمُ بمتطلباته وما يفرضه من ضرورة اللقاءات البروتوكولية أو اللقاء مع خصومك والتفاوض والقبول أحيانًا بالحلول الوسط، وأن تعمل على خدمة كل المنوط بك خدمتهم، سواء كانوا معارضين لدولة مستبدة أو مؤيدين لها.

من هنا، أتفهم أن تلتقي نقابة الصحفيين، ممثلةً في نقيبها وأعضاء مجلس نقابتها، المسؤولين في الدولة، وتحاورهم وتشكرهم على خطوة أو إجراء ما اتخذته، لأنه مجلس نقابة مهنية وليس مجلسًا أو قيادةً لحزب معارض.

أيضًا، أتفهم أن يلتقي مجلس نقابة الصحفيين وبعض الأعضاء، وزير الخارجية ويشكروه على خطوة ما أو إجراء اتخذه، وحتى مجاملته ببعض التصريحات، التي تُفهم على أنها مجاملة؛ "محض مجاملة".

نقيب الصحفيين خالد البلشي ومحمد الشاذلي رئيس لجنة الشؤون العربية والخارجية بالنقابة يسلمان وزير الخارجية بدر عبد العاطي درع النقابة

لكن، حين تلتقي النقابة بوزير خارجية لا أذكر متى صدر منه أو عنه ما يعزز سيادة القانون أو دعم الديمقراطية، بل أراه متلبسًا وبشكل كبير في وأد الديمقراطية وتطويل أمد استبداد هذا النظام؛ في وقتٍ تتجاهل فيه النقابة نفسها دور مؤسسة مدنية ومركز حقوقي في واحدة من أهم معاركها، وتتنكر لجهد المجتمع المدني الكبير في دعمها لانتزاع حرية ومهنية الصحافة والصحفيين، فهذا يثير الشك والتساؤل حول تكريم ومجاملة من لا يستحق، ممثلًا في وزير خارجية هذا النظام، بدر عبد العاطي، وتجاهل من يستحق ممثلًا في الزميل والصديق الراحل هشام مبارك كمدير ومسؤول عن مركز المساعدة القانونية لحقوق الإنسان.

واحتفلت نقابة الصحفيين يوم 16 يونيو/حزيران الماضي، بيوم الصحفي المصري، بالتزامن مع مرور ثلاثين عامًا على الانتصار في معركة الحرية، التي تجسدت في رفض القانون رقم 93 لسنة 1995، وأقامت عددًا من الفعاليات وكرمت عددًا من الزملاء، ونظمت معرضًُا موازيًا، بينما لم يرد في بيان النقابة بخصوص الاحتفالية أي إشارة لتكريم أو التنويه بأدوار المجتمع الحقوقي في دعم الصحافة والصحفيين.

تم تجاهل الدور الحقوقي، وبالأخص دور مركز المساعدة القانونية بقيادة هشام مبارك، الذي تبنى ودعم واحتضن حركة قطاع كبير من الصحفيين والنقابيين والقانونيين خلال معركة حرية الصحافة في مواجهة القانون رقم 93 لسنة 1995، الذي تعتبره النقابة يوم انتصار الصحفيين. هذا مرة أخرى أمر يثير الشك والتساؤل والاستنكار.

حين نتحدث عن دور مركز المساعدة القانونية لحقوق الإنسان في هذا اليوم وهذه المعركة، لا نقف عند مجرد دور تضامني أو رسالة دعم، بل على عمل دؤوب استمر شهورًا طويلةً، تخللته لقاءات ونقاشات وندوات وورش عمل، توصلت إلى اقتراح قانون بديل نشرت نصوصه وطُبعت في كتاب، وأصبح درة تاج الصحفيين في هذه المعركة.

لعب مركز المساعدة القانونية لحقوق الإنسان دورًا في دعم الصحفيين في معركتهم ضد القانون

لم يكن هذا عملًا فوقيًّا أو نشاط "سد خانة"، إنما جهد شارك فيه العشرات من الصحفيين والنقابيين والقانونيين والحقوقيين، رحل الكثيرُ منهم، لكن الكثيرين أيضًا ما زالوا أحياءً.

يكفي أن أذكر أسماء بعض من شاركوا في اللقاءات والأنشطة التي أسفرت عن أهم إصدارات هذه المعركة على الإطلاق، مثل الأساتذة والسادة والسيدات الأجلاء مع حفظ الألقاب؛ حسين عبد الرازق، صلاح عيسى، أحمد نبيل الهلالي، حسين قايد، سليمان صالح، صلاح الدين حافظ، عبد العزيز محمد، مجدي مهنا، محمود المراغي، محمود سامي، أحمد طه النقر، رجائي الميرغني، عبد الله خليل، محمد عبد القدوس، مصطفى كامل السيد، نعمان جمعة، يحيى قلاش، جمال بدوي، إيناس طه، والسيد ياسين.

بسبب هذا النشاط المكثف، تحمل مركز المساعدة تهديدات وضغوطًا هائلة، بل وشتائم وسبابًا من بعض إعلاميي الدولة خلال هذه الفترة، كنتُ شاهدًا عليها باعتباري أحد مؤسسي مركز المساعدة، ومسؤول وحدة الإعلام والتوثيق به، وعضو اللجنة المسؤولة عن تسجيل اللقاءات العديدة والاجتماعات والورش المتعلقة بهذا القانون.

فكيف لا يرد اسم المركز في أنشطة واحتفالات وذكريات نقابة الصحفيين عن هذه المعركة! الغريب أن بعض الصحفيين المخضرمين والأحياء ممن كتبوا عن هذا اليوم، شاركوا بدورهم في التعتيم وتجهيل هذا الدور. 

هل يليق الاحتفال بمعركة كبيرة ومهمة، وتجاهل أحد أهم جنودها؟ هل نتحدث عن مبادرات عظيمة وبدائل لمشروع قانون الدولة المستبد، ونتجاهل من أعد وجهز وشارك في صناعة البديل الديمقراطي؟

هل نكرم وزيرًا، أراه ويراه البعض ضمن أسوأ وزراء خارجية مصر، وقد يكون أسوأهم، وننكر ونتجاهل دور مناضل كرس جهود المركز الذي يديره لدعم حق الصحفيين في قانون عادل؟

هل هو رضوخ لأعداء المجتمع المدني المستقل، وعلى رأسه المؤسسات الحقوقية الجادة؟ أم نسيان ونكران للجميل؟

قد نتفهم أن تجامل وتكرم وزير خارجية، أيًّا كان رأينا فيه، فهذه ضريبة العمل والمسؤولية في نقابة أو كيان عريض يضم أعضاء مختلفي الانتماء والهوية والمواقف، لكن المؤكد أن تجاهل أو نسيان أو جحود من عمل بدأب كتفًا بكتف مع الصحفيين لمحاربة قانون اغتيال الصحافة أمر مخجل.

ولو كانت نقابة الصحفيين مثلها مثل نقابة المحامين خلال عهد سامح عاشور، لتفهمت الأمر، لأن عاشور كان برأيي يتجاهل سجناء الرأي من المحامين، بل يلومهم ويتنصل منهم، في الوقت الذي يكرم فيه فتحي سرور وغيره من أعضاء الحزب الوطني الظالم الحاكم.

لكني أحترم نقابة الصحفيين، وكنت -وأعتقد أني ما زلت- أرى أن مجلسها المنتخب هو نقطة ضوء في واقع مظلم، ونفس أكسجين في بلد يختنق من الاستبداد. لكنه خذلني، وكنت أتمنى العكس. حزين أنا، وغاضب، على الأقل، حتى أفهم مبررات تجاهل من يستحق، وتكريم من يساهم في القمع.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.