فلسفة العلم ودروس تاريخه
توماس كون وإمري لاكاتوس
العلم يسير بخطوات واضحة ومنطقية، فالعالِم يلاحظ ظاهرة، يُجري تجربة، يستنتج قانونًا، ثم يُضيف اكتشافه إلى مكتبة المعرفة البشرية الكبرى. كانت هذه هي صورة العلم في أذهان فلاسفة العلم حتى بدايات القرن العشرين. كان تصورهم لتطور العلم واضحًا ومطمئنًا، فالعلماء يبنون صرحًا ضخمًا، واضعين حجرًا فوق آخر ليصعدوا بثبات نحو أُفق الحقيقة!
غير أن مؤرخي العلم، عندما درسوا ما كان يحدث بالفعل داخل المؤسسات والمجتمعات العلمية، وجدوا صورة مختلفة! العلم ليس صرحًا هادئًا، إنما ساحة للتنافس، وأحيانًا ساحة لمعارك طويلة، أحداثها بطيئة، تتنافس فيها مجموعات من العلماء لهم أفكار مسبقة وتحيزات ومصالح ومخاوف. الأدلة والبيانات لا تتكلم وحدها لتكوّن تجربة، والتجارب لا تحكم وحدها بين النظريات، والنظريات لا تُرفع ولا تُقبل بمجرد ضغطة زر على آلة منطقية تمّيز بينها. دفعت هذه الصورة المقلقة عددًا من المفكرين لمحاولة فهم الآلية التي يتطور بها العلم.
في منتصف القرن العشرين، قدمت مجموعةٌ من المفكرين صورةً مختلفةً للعلم، صورةً أكثر إنسانية لكنها لا تخلو من مبالغة. كان أهم هؤلاء الأمريكي توماس كون الذي بيّن أن العلم يتطور عبر قفزات ثورية لا تراكمات صغيرة متصلة كما ظننا.
توماس كون: العلم ثورات لا تراكم
في عام 1962 نشر توماس كون، وهو مؤرخ وفيلسوف درس الفيزياء قبل أن يهتم بتاريخ العلم، كتابًا موجزًا بعنوان بنية الثورات العلمية. بدا الكتاب لأول وهلة دراسةً في تاريخ الفلك والكيمياء. لكن في غضون سنوات قليلة أصبح من أكثر الكتب العلمية والفلسفية تأثيرًا في القرن العشرين، وامتد تأثيره من الفيزياء إلى علم الاجتماع، ومن الطب إلى الاقتصاد.
سؤال كون كان في جوهره بسيطًا: إذا أردنا فهم كيف يعمل العلم، فلماذا لا نقرأ تاريخه الفعلي؟
لاحظ كون من دراسته للتاريخ أن العلماء في كل حقبة لا يعملون بشكل مستقل، لكنهم يُورثون مع أساتذتهم وكتبهم ومؤتمراتهم منظومة كاملة من الفرضيات المشتركة: ما هي المشكلات الجديرة بالبحث؟ ما الأدوات التجريبية المناسبة؟ ما شكل الإجابة "الصحيحة" أو المقبولة؟ ما الذي يُعد دليلًا؟ سمى كون هذه المنظومة الموروثة البارادايم "paradigm"، وتعني النموذج أو المثال في أصلها اليوناني.
البارادايم، في تصوير كون، يشبه النظارة التي يرتديها العالِم قبل أن ينظر إلى العالَم. فهي مجموعة المفاهيم والتصورات الخاصة السائدة في علم ما، مثلًا "الفيزياء الكلاسيكية". فالعلماء الذين كانوا يعتقدون أن الأرض مركز الكون لم يكونوا أغبياء ولا جهلة، بل كانوا يرتدون "نظارة" معرفية معينة، وهي فيزياء أرسطو ونموذج بطليموس السكندري، فكانت السماء تبدو لهم مفهومة ومتسقة عبر هذه النظارة. كانوا يرصدون النجوم نفسها التي يرصدها كوبرنيكوس، لكنهم كانوا "يرون" شيئًا مختلفًا.
في فترات الأزمة يبدأ العلماء بالبحث عن بدائل ويصبح البارادايم الذي كان لا يُمس موضعَ شك
في معظم الأوقات، يعمل العلماء داخل البارادايم السائد بهدوءٍ ونشاطٍ. يحلون ما سماه كون الألغاز، أي مشكلات محددة ذات حلول متوقعة، كما يفعل الطلاب مع مسائل الفيزياء أو الكيمياء. كذلك يعرف العالِم مسبقًا أن هذه المشاكل قابلة للحل ضمن الإطار القائم. هذا هو العلم العادي: علم واضح المعالم بلا معضلات، كبناء جسر وفق تصميم مرسوم. لا أحد يشكك في الأساس، لا أحد يسأل إذا كانت النظارة التي يرى بها العالم نفسها منحازة أم لا.
لكن الحياة لا تحوي ألغازًا سلسة ومريحة فقط، بل تُظهر أحيانًا نتائج تجريبية غير متوقعة، لا تنسجم مع البارادايم السائد. يسميها كون الشذوذات. في البداية يتجاهلها العلماء، يحسبونها خطأ في القياس، أو يُضيفون تعديلًا صغيرًا للنظرية لاستيعابها. لكن حين تتكاثر الشذوذات وتتراكم وتبدأ في النيل من جوهر البارادايم لا من هامشه، يدخل المجتمع العلمي في حالة سماها كون "الأزمة".
في فترات الأزمة يبدأ العلماء بالبحث عن بدائل، ويصبح البارادايم الذي كان لا يُمس موضعَ شك، فيسود القلق المنهجي وتتعدد الاقتراحات والمدارس المتنافسة.
ثم تجيء الثورة العلمية: لحظة تحول جذري في البارادايم كله. ليست مجرد إضافة معلومات جديدة، بل إعادة رسم الخريطة بالكامل. ما كان سؤالًا مركزيًا يصبح هامشيًا، وما كان هامشيًا يصبح أساسًا. حتى المفردات تتغير، وحتى طريقة طرح المشكلة تتغير. كوبرنيكوس وجاليليو وكبلر ونيوتن لم يضيفوا فقط إلى ما أنجزه أرسطو وبطليموس، لقد هدموا البنيان وأقاموا بنيانًا جديدًا تمامًا. وحين جاء أينشتاين، لم يُصحح نيوتن، بل أعاد تعريف الزمان والمكان والكتلة والجاذبية من أساسها.
من أكثر ما قاله كون تطرفًا، أن البارادايميين المتنافسين، القديم والجديد، لا يمكن مقارنتهما بمقياس واحد موضوعي، وسمى هذه الفكرة اللاقياسية. ففيزياء نيوتن وفيزياء أينشتاين يستخدمان كلمة "كتلة"، لكنهما يعنيان بها شيئين مختلفين جوهريًا، كذلك الزمن لديهما هو مفهوم مختلف. لذا فالانتقال من بارادايم إلى آخر لا يتم بمجرد تراكم الأدلة وتطبيق المنطق، إنه أشبه، في وصف كون، بتجربة تنوير ذاتية تعيد رسم العالَم في لحظة. هذه الفكرة بالذات أثارت عدد من فلاسفة العلم ومنهم إمري لاكاتوس ودفعته للرد عليه ومحاولة بناء هيكل أكثر عقلانية.
إمري لاكاتوس: العلماء أكثر عقلانيةً مما يظن كون
وُلد إمري لاكاتوس في المجر عام 1922 وعاش فيها قبل أن يفر إلى لندن عام 1956، حاملًا معه حساسية واضحة تجاه السلطة والأيديولوجيا. أصبح أستاذًا في مدرسة لندن للاقتصاد، وأحد أبرز فلاسفة العلم في جيله، حتى وفاته المبكرة عام 1974.
ما أزعج لاكاتوس في أفكار كون هو أنه إذا كان الانتقال بين البارادايمات تجربة ذاتية لا يمكن تسويغها بمعايير موضوعية، فهذا يعني أن العلم في لحظاته الأكثر حسمًا ليس عقلانيًا بالمعنى الحقيقي للكلمة. بل كأنه موضة تتبدل أو إيمان يتحول فلا يتفق عليه بشكل موضوعي مجموعة من الناس! كان هذا غير مقبول في نظر لاكاتوس، لأن العلم بناء ناجح بسبب تطابقه الكبير مع الواقع وليس موضة أو مجموعة أفكار ذاتية.
كان رده هو تقديم مفهوم برامج البحث العلمية، وهو مفهوم أغنى وأدق من البارادايم الكوني.
فأي برنامج بحث، سواء كان الفيزياء النيوتونية (نسبة لإسحاق نيوتن) أو النسبية أو نظرية التطور يتألف من طبقتين متداخلتين. الطبقة الأولى هي النواة الصلبة: الافتراضات الجوهرية التي يتفق العلماء ضمنيًا على حمايتها من النقد المباشر. في الميكانيكا النيوتونية مثلًا، تمثّل قوانين الحركة الثلاثة وقانون الجاذبية الكونية هذه النواة، فلا أحد يلمسها، لا أحد يتشكك فيها مباشرة في سياق العمل اليومي.
البرنامج التراجعي هو الذي يكتفي بإعادة تدوير نفسه لاستيعاب الانتقادات
أما الطبقة الثانية فهي الحزام الواقي: مجموعة من النظريات المساعدة والافتراضات الإضافية التي تقف أمام النواة لتمتص الانتقادات. حين تتعارض نتيجة تجريبية مع تنبؤات البرنامج، لا يتخلى العلماء عن النواة الصلبة على الفور، بل يُعدلون الحزام الواقي، يُضيفون فرضية جديدة، يراجعون ظرفًا من ظروف التجربة، يُعيدون النظر في إحدى النظريات المساعدة.
المثال المتكرر على ذلك كان في فيزياء القرن التاسع عشر، عندما لاحظ الفلكيون أن مدار كوكب أورانوس لا يتطابق تمامًا مع ما تتنبأ به معادلات نيوتن. لم يتخل العلماء عن فيزياء نيوتن وقتها، بل افترضوا إمكانية وجود كوكب مجهول يُؤثر في مساره. وفي عام 1846 اكتُشف كوكب نبتون فعلًا في المكان المتوقع. الحزام الواقي استوعب الشذوذ وعزز البرنامج بدلاً من أن يُسقطه تمامًا.
لكن هذا التمسك بالنواة الصلبة لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية. ولذا أعطانا لاكاتوس معيارًا للتمييز بين البرامج العلمية بحسب صحتها ومسارها عبر الزمن. البرنامج التقدمي هو الذي لا يكتفي بالتكيف مع الفشل، بل ينتج تنبؤات جديدة مفاجئة تؤكد صحتها التجربة. نيوتن لم يُفسر الظواهر المعروفة فحسب، بل تنبأ بعودة مذنب هالي وبوجود نبتون وبتفاصيل المد والجزر. كل نجاح كان يُثري البرنامج ويؤكده.
في المقابل، البرنامج التراجعي هو الذي يكتفي بإعادة تدوير نفسه لاستيعاب الانتقادات، فيُعدل الحزام الواقي دفاعيًا، لكن دون أن يُنتج أي تنبؤ جديد ناجح. إنه يتقهقر ببطء، يُضيف تفسيرًا بعد التجربة ليُغطي كل فشل جديد، لكنه لا يُبادر ولا يتوسع. وحين يصبح برنامج بحث تراجعيًا لفترة كافية، فإن العقلانية العلمية تقتضي، حسب لاكاتوس، التحول إلى برنامج بديل.
كان هذا جوهر رد لاكاتوس على كون: التخلي عن برنامج بحث لصالح آخر ليس قرارًا عشوائيًا أو تجربة غير عقلانية، بل قرار عقلاني يمكن تسويغه بمعايير موضوعية، وإن كان يحتاج وقتًا وصبرًا. العلماء لا يُغيّرون نظرياتهم عند أول نتيجة سلبية، وهذا ليس تعصبًا، إنه عقلانية تنتظر تراكم الأدلة على مدى زمني يمكننا من الحكم.
لماذا يهمنا هذا اليوم؟
قد يبدو هذا كله ترفًا فكريًا مخصصًا للأكاديميين، لكن تأثير هذه الأفكار يمتد إلى ما هو أبعد من الجامعات.
حين تقرأ في الأخبار أن "دراسة علمية جديدة أثبتت كذا أو دحضت كذا"، فلابد أن تسأل: ما الافتراضات المصاحبة لهذه الدراسة؟ ما هو البارادايم وما هي النظريات المساعدة التي تقوم عليها؟ هل كانت الدراسة الوحيدة أم أنها جزء من تيار بحثي أوسع؟ هذه الأسئلة تجعلك أكثر فهمًا لتأثير هذا البحث أو ذاك، كذلك أقل قابلية للاستغلال.
وحين تتساءل لماذا يُصر بعض العلماء على نظريتهم رغم وجود نتائج مخالفة، يُقدم لاكاتوس إجابة مُنصفة: هذا ليس تعصبًا بالضرورة. قد يكون عقلانية تُدرك أن برامج البحث تحتاج وقتًا كافيًا لتُقرر بثبات أن هناك مشكلة حقيقية في نظرية ما وكذلك تحتاج وقتًا لتقرير أي من النظريات المنافسة جديرة بأن تكون البارادايم الجديد.