سلامٌ على عبد السلام
في مئوية ميلاد الفيزيائي الباكستاني
صيف عام 1926، في بلدة جانج ماجور بإقليم البنجاب (التي كانت آنذاك تتبع الهند البريطانية، لكنها اليوم جزء من دولة باكستان) وُلد طفل لعائلة من المزارعين هو محمد عبد السلام الذي أصبح أحد أعظم فيزيائيي القرن العشرين، وأول مسلم يحصل على جائزة نوبل في العلوم.
نشأ محمد في بيئة ريفية فقيرة، والده موظف في إدارة التعليم بالبلدة، وهو ما لم يكن عائقًا أمام عقله المتقّد، بل على العكس ميزه وجعله موضع تقدير، فمنذ طفولته المبكرة، لفت الأنظار بذاكرته الاستثنائية وتحليلاته النابهة ونهمه للمعرفة. في سن الرابعة عشرة، حقق أعلى الدرجات في امتحانات القبول بالجامعة في التاريخ، متفوقًا على آلاف الطلاب في كل الهند.
كان قارئًا نهمًا لكل المعارف، لكن شغفه الحقيقي وجّه للعلوم، خاصة الرياضيات والفيزياء. يتذكر عبد السلام جيدًا أنه قرأ كل كتب الفيزياء المتاحة في مكتبة والده الصغيرة بسعادة غامرة، ويحكي في أحد اللقاءات الصحفية معه قصة حدثت له وهو طفل في السادسة توحي بمدى تعلقه بفهم ظواهر الطبيعة حوله.
لطالما شعرت أن الكون يخفي أسراره خلف أشياء بسيطة
تشقق أحد جدران غرفة المنزل المقام بالطوب اللبن، أحدث ذلك شقًا صغيرًا لا يتجاوز عرضه بضع ملليمترات. في إحدى الليالي المقمرة، كان استلقى الطفل على فراشه، وتأمل الغرفة. لاحظ شيئًا غريبًا؛ شعاع من ضوء القمر يعبر ذلك الشق الصغير، ويسقط على أرضية الغرفة.
ما أدهشه هو أن الشعاع ليس مستقيمًا تمامًا كما توقع وكما أخبره والده، فقد حاد الضوء عند حافة الشق عن مساره المستقيم وانتشر محدثًا بقعة ضوئية أوسع! نهض الطفل من سريره ووقف مستغربًا ومتسائلًا لماذا لا يسير الضوء في خطٍ مستقيم؟ مرت أعوام عدة قبل أن يعرف الإجابة، لكنه لم ينس السؤال أبدًا.
بعد أكثر من عقد وأثناء دراسته في كامبريدج لعلم البصريات وظاهرة الحيود (Diffraction)، وجد إجابة سؤال تلك الليلة المدهشة التي يتحدث عنها في مذكراته؛ "لطالما شعرت أن الكون يخفي أسراره خلف أشياء بسيطة. شق في جدار، شعاع قمر، طفل يتأمل، كل ما تحتاجه هو عين ترى وبعض الأسئلة الجريئة التي تطرحها على الطبيعة".
السفر إلى كامبريدج
لم تكن باكستان تأسست عندما أنهى الشاب دراسته في المرحلة الثانوية عام 1946 وحصل على منحة دراسية في كلية سانت جون بكامبريدج. في ذلك الوقت كان السفر إلى إنجلترا، بالنسبة لشاب من ريف البنجاب، بمثابة رحلة إلى كوكب آخر.
ترك الشاب عائلة، ولغة، وحياة ريفية اعتادها، ليدخل عالمًا غريبًا؛ قبّعات رجاله سوداء وسماؤه داكنة ومكتباته فسيحة باردة. كانت السنوات الأولى في كامبريدج صعبة عليه لكن موهبته تجلّت فأصبح مصدر إعجاب أساتذته قبل زملائه.
تأكد ذلك بعد حصوله على بكالوريوس الرياضيات والفيزياء معًا من كامبريدج وترتيبه الأول مع مرتبة الشرف في كليهما.
هناك، تحت إشراف أساتذة كبار مثل بول ديراك، أحد أهم فيزيائي ميكانيكا الكم، بدأ الشاب طريقه ليكون باحثًا متميزًا في فيزياء الجسيمات الأولية وهو فرع حديث من فروع الفيزياء يهدف لفهم تركيب المادة بمستوياتها الدقيقة مثل الإلكترونات والبروتونات وكذلك فهم التفاعلات/القوى التي تتحكم في هذه البنى الأساسية للمادة، كالقوى الكهرومغناطيسية (أي الكهربية والمغناطيسية) وقوى الجاذبية التي تجذب الأجسام ذات الكتل لبعضها البعض والقوى النووية الضعيفة والقوية.
درس الشاب هذه القوى المسؤولة عن كل تفاعلات الكون المعروف وقتها؛ سواء النووية الضعيفة دون الذرية المسؤولة عن التحلل الإشعاعي للعناصر، أو القوى النووية القوية المسؤولة عن تماسك واستقرار قلب الذرة أو النواة.
كان لديه حلم كبقية علماء هذا المجال وهو توحيد قوى الطبيعة الأربع في نظرية واحدة أنيقة تفسر كل ظواهر علم الفيزياء. لم يعلم وقتها أنه سيكون أحد العلماء القلائل الذين كتب لهم تحقيق هذا الحلم بعد عقدين من العمل المتواصل.
بعد حصوله على الدكتوراه من كامبريدج عام 1952، أصبح واحدًا من أصغر المدرسين في الكلية، لكنه شعر أن بلاده، باكستان التي استقلت حديثًا (1947)، ربما تحتاجه أكثر من أي مكان آخر. حلم بلعودة لبناء مدرسة للفيزياء الحديثة هناك، لكن هل كان وطنه مستعدًا لذلك؟
محاولة العودة
في عام 1954، وبعد أن رفض عروضًا مغرية من جامعات أمريكية، عاد عبد السلام إلى باكستان. خطط لتأسيس معهد أبحاث على غرار مؤسسات كامبريدج، حيث يمكن للشباب أن يبحثوا في علوم الفيزياء ويبدعوا فيها. لكن الواقع كان مختلفًا! في بلده توجه التركيز على قضايا أخرى سياسية واقتصادية وعسكرية، ليس للعلم مكان على الطاولة بجانبها.
واجه بيئة بيروقراطية جافة وغيابًا شبه كامل لتمويل البحث العلمي. حاول التدريس في كلية العلوم في لاهور وجامعة البنجاب لكنه اصطدم بعقلية تقليدية لا تعرف أهمية العلوم الأساسية ولا تقدر قيمة بحوثها. أحسّ أنه يغرق وحيدًا في مهمة مستحيلة.
اعتبر المسؤولون وقتها أن باكستان ليست بحاجة إلى الفيزياء النظرية أو حتى العلوم الأساسية، بل تحتاج للمعامل التطبيقية والمخترعات الجديدة لتنتجها المصانع والشركات! نسوا أو تناسوا أن العلم بناء هرمي قاعدته الرياضيات والفيزياء والكيمياء والبيولوجي، والعلوم الأساسية، وقمته التطبيق والتكنولوجيا. فإذا كان الأساس ضعيفًا لن تبني هرم العلم بجميع طبقاته وسيكون الفشل نصيبك.
بينما كانت باكستان في خمسينيات القرن العشرين ترفض طلب عالمها المميز بإنشاء مركز للفيزياء النظرية على أرضها، سبقتها الهند بأعوام في إنشاء معهد تاتا للبحوث الأساسية (TIFR) عام 1945، أي قبل ولادة باكستان نفسها!
لم تكتفِ الهند بذلك، إنما جعلت من المعهد صرحًا علميًا عالميًا وبتمويل حكومي ضخم، فخرّج أجيالًا من الرياضيين والفيزيائيين الذين رفعوا العلوم في الهند لمستوى لم يسبقهم إليه إلا الدول العظمى. بل إن هؤلاء ساهموا في نهضة تكنولوجية حقيقية تحصد ثمارها الهند الآن.
أما باكستان، فلم تكتفِ برفض طلب عبد السلام، لكنها طاردته دينيًا لأنه ينتمي للجماعة الأحمدية، وشطب اسمه من الكتب المدرسية كعالم باكستاني حصل على جائزة نوبل في الفيزياء. وهنا درس آخر، لا يوجد إبداع حقيقي، علميًا أو أدبيًا أو فنيًا، من دون حرية الاعتقاد والفكر.
العودة إلى إنجلترا
في سنة 1956، اتخذ عبد السلام قراره بالعودة إلى إنجلترا وشغل منصب أستاذ الفيزياء النظرية في كلية لندن الإمبراطورية (Imperial College)، وعاش في لندن، وفي مكتبه الصغير في جنوب كنسينجتون بنى النموذج المعياري لفيزياء الجسيمات، وهو ببساطة أحد أعظم الإنجازات في الفيزياء النظرية في النصف الثاني من القرن العشرين.
كان حلمه توحيد قوتين من قوى الطبيعة الأساسية؛ القوة الكهرومغناطيسية (التي تتحكم في الكهرباء والمغناطيسية) والقوة النووية الضعيفة (المسؤولة عن النشاط الإشعاعي وتحولات الجسيمات).
وفي عام 1967، وبالتزامن مع العالمين ستيفن واينبرج وشيلدون جلاشو (الذي سبقهما ببعض الخطوات)، نشر ورقة علمية تاريخية قدم فيها نظرية موحدة للقوى الكهروضعيفة. تقترح أن الكهرومغناطيسية والقوة النووية الضعيفة وجهان لعملة واحدة، نفس القوة بظروف طاقة مختلفة.
تنبأت هذه النظرية بوجود جسيمات جديدة لم تُرَ من قبل، تسمى بوزونات W وZ، وهي جسيمات لها كتلة كبيرة (أثقل من ذرة الهيدروجين مائة مرة تقريبًا) وتحمل القوة الضعيفة. كانت إحدى تبعات وجود جسيمات Z هي ما يسمى بالتيار المتعادل والخاص بالتفاعلات الضعيفة الذي لم تكن تكنولوجيا الستينيات قادرة على رصده، فاعتبرتها الأوساط العلمية عملًا نظريًا جميلًا لكنه غير مؤكد.
في عام 1973 رُصد هذا التيار بدقة وبدأت تتضح صحة النظرية عن طريق عدة تجارب في السبعينيات. في عام 1979، مُنح عبد السلام مع جلاشو وواينبرج جائزة نوبل في الفيزياء. لكن التأكيد الواضح للنظرية جاء بعد عام 1983، عند بناء مسرع الجسيمات SPS في سيرن (CERN) بسويسرا، الذي اكتشفت فيه بوزونات W وZ بدقة مذهلة تطابق توقعات نموذج عبد السلام-واينبرج-جلاشو. كان هذا اكتشاف القرن في هذا المجال.
هكذا دخل العالم الباكستاني التاريخ وحصل على جائزة نوبل في العلوم. وعندما سُئل عن شعوره، قال بكل تواضع "إنه اعتراف بعمل 15 عامًا، لكن الأهم أنه رسالة لعلماء العالم الثالث أن العلم متاح للجميع".
مركز الفيزياء النظرية في تريستا أو الإرث الخالد
لكن أعظم إنجازات عبد السلام لم يكن جائزة نوبل ولا نظريته الموحدة، إنما حلمه بإنشاء مركز دولي للفيزياء النظرية (ICTP) في تريستا، إيطاليا، عام 1964.
لأنه عانى من الوحدة العلمية في باكستان، ورأى باحثين متميزين قادمين من إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية لا تستطيع بلادهم مساعدتهم، فيعيشون في عزلة علمية ببلادهم وبدون إمكانات أو مكتبات حديثة أو عقول علمية حقيقية ترشدهم لطريق البحث، لماذا لا يقام مركز يدعم هؤلاء الباحثين من الجنوب، بدعم من الأمم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية التي تستقبل هؤلاء ليعملوا جنبًا إلى جنب مع علماء العالم الغربي؟ كذلك سيقدم رواتب وإقامات وزمالات لهم ويمنحهم فرصًا للبحث في بيئة عالمية.
ظهر المركز للنور عام 1964، وما إن فتح أبوابه حتى توافد عليه الباحثون من كل قارات العالم الثالث: من الهند وباكستان وبنجلاديش ومصر والجزائر ونيجيريا والبرازيل والمكسيك وفيتنام.
رحل عبد السلام عن دنيانا في 21 نوفمبر 1996 لكن إرثه العلمي والإنساني باق
كانوا يأتون إليه في برامج متنوعة لمدة سنة أو ستة أشهر، أو شهرين يعملون ويتناقشون مع أهم علماء أوروبا والعالم. يتعلمون أحدث النظريات وينشرون أبحاثهم، ثم يعودون إلى بلادهم ليؤسسوا فيها مدارس فيزياء حديثة.
وصل تأثير المركز إلى أبعد مما كان يحلم به عبد السلام. اليوم، يقدر عدد العلماء الذين تدربوا أو استفادوا من برامج ICTP بأكثر من 150 ألفًا من 180 دولة. صار منهم وزراء علوم حاليون، وعمداء جامعات، وآلاف الأساتذة الذين نشروا المعرفة الفيزيائية في مناطق ودول كانت تعاني من العزلة العلمية.
هنا لا بد أن أصرح للقارئ: لقد كنت واحدًا من هؤلاء الباحثين الذين تعلموا في هذا المكان المتميز في بداية رحلتي الأكاديمية، وبفضل دراستي لمدة عام تمكنت من القبول كدارس دكتوراه في أحدى الجامعات الأمريكية، حيث عملت هناك لعدة سنوات.
حتى بعد عودتي لبلدي كنت من المحظوظين بزمالة المركز وزيارته والعمل فيه في الصيف لعدة سنوات. جلست في القاعات التي درس فيها عبد السلام، درست مع أساتذة تتلمذوا على يديه، وقرأت أبحاثه. بالطبع كان تأثير ما صنعه في وفي العشرات من الباحثين المصريين كبيرًا.
رحل عبد السلام عن دنيانا في 21 نوفمبر/تشرين 1996، لكن إرثه العلمي والإنساني باق، فقد أعاد تشكيل خريطة الفيزياء في العالم بإنجازاته العلمية الاستثنائية، وتأثيره غير المسبوق على تقدم العلم في العالم الثالث. ليكن ذلك الإرث الإنساني وقصة حياته، من البنجاب إلى ستوكهولم مرورًا بتريستا، نورًا ومثالًا لنا جميعًا نحن أبناء الجنوب على أهمية العلم ونشر التنوير في بلادنا.

