تصميم أحمد بلال، المنصة، 2025
أموال الخليج

عالم ما بعد الحرب.. الخليج لم يعد ملاذًا للاقتصاد المصري

منشور الأحد 22 آذار/مارس 2026

تأكيدات القاهرة المتكررة على أن أمن الخليج العربي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري لا تأتي من فراغ، وهي ليست مبالغة ولا مجاملة دبلوماسية؛ فالاقتصاد المصري يعتمد بالفعل على الروابط القائمة مع دول الخليج.

ومع استعراض طهران قوّتها في الرد على اغتيال المرشد الأعلى بشنِّ حرب واسعة في المنطقة استهدفت دولًا خليجية، ثم تعطيل تدفق النفط عبر مضيق هرمز، في تغيير لواحدة من أكثر توازنات القوى ثباتًا منذ الحرب العالمية الثانية، تأثر اقتصاد دول الخليج لدرجة لم يعد بإمكاننا معها النظر للحرب كشيء بعيد، أصبح الأمر أقرب إلينا.

وفي هذا العالم الجديد، لم تعد الأنظمة الخليجية ملاذًا أخيرًا للاقتصاد كما بدت في العقود الأخيرة، بل ربما تصبح مصدرًا للخطر، علينا الالتفات لخطورة الرهان على الخليج.

رهانات متعددة 

إيران تستهدف ناقلات نفط قرب مضيق هرمز، 12 مارس 2026

أول ما يتبادر للذهن عند الحديث عن الارتباط بالاقتصاد الخليجي، تحويلات العاملين المصريين التي تُمثّل المصدر الأكبر لتحويلات العاملين بالخارج، والتي تُمثّل بدورها أكبر مصدر للدولارات المتدفقة إلى السوق المصرية، بما يقل قليلًا عن  إجمالي الصادرات السلعية في 2025.

ولكن الأمر لا يقتصر على تحويلات العاملين بل يمتد إلى الاستثمارات والتبادل التجاري. في عام 2025، استقبلت السعودية والإمارات وحدهما نحو 15% من إجمالي الصادرات المصرية. كما يحضر المستثمرون الخليجيون دومًا في مصر كمستثمرين مباشرين في قطاعات صناعية وخدمية هامة، كان آخرها صفقة رأس الحكمة العملاقة في 2024 المبرمة مع دولة الإمارات العربية، التي لعبت دورًا أساسيًا في إقالة الاقتصاد المصري من عثرته المالية التي تلت اندلاع حرب أوكرانيا.

يمكن إيجاز تطور علاقة مصر باقتصادات الخليج في العقود القليلة الماضية بنمط ما من التبعية الإقليمية للاقتصادات ذات الوفرة برأس المال، إذ تحولت دول الخليج، وبشكل حاسم، من مجرد اقتصادات مُصدِّرة للنفط والغاز، إلى اقتصادات مُصدِّرة لرأس المال في صور شتى بعضها تحويلات للعاملين، وبعضها الآخر استثمارات، وبعضها الثالث قروض ومنح.

وبحكم الروابط الجغرافية والثقافية والديموغرافية فإن مصر باتت ترتبط بالاقتصاد العالمي، من خلال اقتصاد الخليج العربي، ومن ثم فما يهدد الخليج أمر شديد القرب منا.

نحن وهم في نفس القارب

خلال الأسبوعين الماضيين بدا واضحًا أن الخليج برمته في مرمى النيران المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما تجلَّى في الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، والاستهدافات اليومية لمنشآت أمريكية وغير أمريكية في دول الخليج، بما في ذلك بعض مصافي البترول ومواني تصدير النفط والغاز.

ربما يذكّر هذا بغزو العراق للكويت، وما نجم عنه من اضطرابات عميقة طالت الاقتصاد المصري والإقليمي بصفة عامة، لكن هذه المرة لا يقتصر الأمر على دولة واحدة بل يمتد إلى الإقليم ككل في حرب دخلت أسبوعها الرابع دون أفق واضح لانتهائها.

مع استمرار الأزمة تتزايد احتمالات أن تعجز دول الخليج عن لعب دور الملاذ الأخير لمصر

والأهم من الصواريخ الإيرانية، ما يبدو عجزًا أمريكيًا عن ضمان سلامة الملاحة في مضيق هرمز الذي تمر منه 20% من صادرات الطاقة العالمية، وهو أمر لم يحدث قط في تاريخ الخليج المضطرب منذ الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، مرورًا بغزو صدام حسين للكويت (1990) وحتى الغزو الأمريكي للعراق (2003).

يمثل الأمر اليوم خطرًا مزدوجًا على الاقتصاد المصري؛ فمن ناحية يُتوقع أن تقل تحويلات العاملين المصريين وتدفقات الاستثمارات الخليجية، ومن ناحية أخرى سنتضرر مِمَّا ينتظر الاقتصاد العالمي من تضخم ركودي حال استمرت أسعار النفط العالمية في الارتفاع بما يؤدي لتراجع الطلب.

لكن مع استمرار الأزمة أو تعمقها لدرجة تعطيل قدرة دول الخليج على إنتاج وتصدير النفط والغاز؛ تتزايد احتمالات أن تعجز هذه الدول عن لعب دور الملاذ الأخير لمصر، الذي طالما لعبته خلال السنوات الأخيرة. فمن لا يذكر الدعم التالي على 2013-2014، والذي قُدِّر بنحو 23 مليار دولار، وما تلاه من تدفقات مختلفة توجت بصفقات رأس الحكمة وغيرها؟ كيف سيكون الحال مع تعثر الخليج نفسه؟

تغير واضح في التوازنات العالمية

المشكلة التي تواجهنا اليوم -نحن وهم- أن الضمانات العالمية التي عادةً ما توفرت لهم في منطقة بالغة الاضطراب كالشرق الأوسط، باتت أكثر هشاشة وأقل احترامًا مما كانت عليه، ربما على الإطلاق منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

بدأ الأمر بالتزام بريطاني ثم أمريكي بسلاسة مرور الطاقة من الخليج العربي شرقًا وغربًا، ولم يهتز ذلك قط إلا في سياق الحظر البترولي في 1973، والذي كان مناسبةً لإعادة التفاوض حول وضع الخليج في الترتيبات الأمريكية الأوسع لا خروجًا عن تلك الترتيبات، ويكفي أن نشير إلى قرار الملك فيصل بن عبد العزيز باعتماد الدولار عملة في أسواق البترول، والذي كان عنصرًا حاسمًا في وضع الدولار على قمة العملات الدولية منذ ذلك الحين.

نشهد اليوم اختلالًا في فعالية الالتزام الإمبراطوري الأمريكي بتأمين مرور الطاقة

أما محاولات إعاقة حركة الطاقة عبر الخليج، فقوبلت بأشد التحركات من قبل الولايات المتحدة، بدءًا من إغراق البحرية الإيرانية في 1988 على وقع استهداف ناقلات النفط، وانتهاءً بقيادة الولايات المتحدة لتحالف دولي عرمرم لتحرير الكويت في 1990، وما تلاه من تثبيت الوجود الأمريكي بعشرات من القواعد والمرابض والمقرات في دول الخليج ثم في العراق نفسه بعد احتلاله في 2003.

ما نشهده اليوم اختلال شديد في هذا العنصر الحيوي المتعلق بفعالية الالتزام الإمبراطوري الأمريكي بتأمين إنتاج ومرور الطاقة عبر مضيق هرمز، وبإيقاف الهجمات على مدن الخليج.

من الواضح أن الرد الإيراني لا يقتصر على استهداف الوجود العسكري الأمريكي في الخليج، بل يمتد إلى استكمال الضغط على الاقتصاد العالمي بنقل الاضطراب إلى أسواق الخليج، بما تمثله من أهمية تتجاوز إنتاج وتصدير الطاقة، إلى ما باتت تمثله كمراكز لخدمات نقل بحرية وجوية وحركة سياحة، علاوة على الخدمات المالية في مدن كدبي والمنامة.

هذه الصدمة الكبرى تتجاوز مصر بل والخليج نفسه بما يؤشر على تغير في بنية القوة العالمية، وسيتطلب هذا إعادة التفكير في كيف يمكن صيانة لا فحسب علاقة مصر بالخليج بل علاقة الخليج بالعالم بما في ذلك الولايات المتحدة. ولهذا حديث آخر.