UN Women
التحرش بالنساء

كبسولة فبراير الكاشفة.. عنف وسلطة ووصاية أخلاقية

منشور الثلاثاء 3 آذار/مارس 2026

في أقل من أربعة أسابيع، مرّت صور كثيرة بجوار بعضها البعض دون أن نتوقف طويلًا عند أي منها؛ قلوب حمراء معلّقة على واجهات المحال، فيديو تحرش داخل أوتوبيس في القاهرة، مشهد إذلال شاب في بنها أُجبر على ارتداء ملابس نسائية أمام الكاميرات، اتهامات قديمة تتجدد حول مؤلف مسلسل رمضاني يُحتفى به على الشاشات، سيل شهادات تحت هاشتاج #هل_فضحت_متحرش_اليوم؛ اسم ثم آخر ممن بنوا حضورهم العام على خطاب الأمان والثقة والدفاع عن الحقوق والحريات.

كل واقعة بدت، في لحظتها، مكتفيةً بذاتها. ضجة، نقاش، ثم انتقال إلى ما يليها. كأن الذاكرة العامة تتعامل مع كل مشهد باعتباره حادثًا منفصلًا، لا جزءًا من سياق أوسع، لكن عند جمع هذه الصور جنبًا إلى جنب، يتغير الإحساس بها. لا تعود مجرد قائمة أحداث، بل ملامح مشهد واحد يظهر تدريجيًا.

التحرش آلية ضبط

في الأسبوع الثاني من فبراير/شباط الماضي، انتشر فيديو تحرش داخل أوتوبيس. النقاش الذي تلاه كان مألوفًا ماذا كانت ترتديه الفتاة؟ لماذا تثقب هذه الأقراط شفتيها؟ هل كان سلوكها لافتًا؟ هذا التحول في مركز السؤال ليس بريئًا، إنه تمرين جماعي على إعادة توزيع المسؤولية، حيث تتحول الضحية إلى موضع تحقيق، بينما يختفي الفعل ذاته خلف ضبابية "الاستفزاز".

التحرش في هذا السياق ليست تعبيرًا عن رغبة خرجت عن السيطرة، لكن أداة ضبط اجتماعي حين تتحرك امرأة باستقلالية في الفضاء العام، يشعر بعض الرجال بأن الترتيب المألوف اختل. التحرش يعمل كرسالة تذكير بأن وجودك هنا مشروط.

الذكورة الهشة لا تحتاج فقط إلى ممارسة العنف لكن إلى جمهور يشهد عليه ويعيد إنتاجه

الأثر لا يقتصر على من تعرضت للأذى. كل امرأة شاهدت الفيديو أو سمعت القصة أعادت حساب خطواتها. هذه هي الكفاءة الخفية لآليات الضبط؛ لا تحتاج لأن تُعرِّض الجميع لها ويكفي تطبيعها ورؤيتها تحدث حتى تؤدي وظيفتها في تضييق الفضاء العام، لأن الخوف ينتشر أسرع من الفعل نفسه.

في واقعة بنها، لم يكن الضرب كافيًا. كان لا بد من إجبار شاب على ارتداء ملابس نسائية أمام الكاميرات، لم تكن تفصيلة عابرة في مشهد الإذلال إنما جوهر العقوبة. الإهانة هنا لا تقف عن العنف الجسدي، لكن باستدعاء الأنوثة درجةً أدنى. الضحية في هذا المشهد ليس فردًا واحدًا، إنما تضاف إليه كل امرأة جرى استدعاؤها مرجعًا للإهانة، فالعقوبة تقوم على افتراض أن كل ما هو أنثوي مُهين بطبيعته، العنف هنا مزدوج، يعمل على الجسد الفردي وعلى الوعي الجمعي في آنٍ واحد.

أما الجمهور الذي صوّر وصمت، فليس خارج المعادلة، إذ يمنح الصمت الفعل شرعيته، والتصوير يحوله إلى عرض عام. الذكورة الهشة لا تحتاج فقط إلى ممارسة العنف، لكن إلى جمهور يشهد عليه ويعيد إنتاجه.

الحب امتيازًا اجتماعيًّا

تكاليف موعد عاطفي

منتصف فبراير/ شباط يحين موعدُ الاحتفال بعيد الحب الذي يُقدَّم باعتباره احتفالًا عامًا بالمشاعر، لكنه في الواقع حبٌّ محدد الشروط. حبّ ثنائي، منضبط، متوافق مع الأدوار الجندرية السائدة، يحافظ على توزيع السلطة التقليدي داخل العلاقة. حب يمكن احتواؤه في صور الهدايا والقلوب الحمراء دون أن يطرح سؤالًا عن العنف أو الامتياز أو من يُستبعد من الصورة.

هذا النموذج من الحب جزء من منظومة تمنح الاعتراف لمن يلتزمون بالقالب المجتمعي المتوقع. في نهايته، يتحول الحب إلى علاقة تنتهي إلى مؤسسة الزواج، فتغدو الرغبة واجبًا، وتقع العاطفة في شبكة من الأعراف والقوانين بمباركة عائلية.

يغيب عن هذا الاحتفال الرأسمالي الحب الذي يعيد تعريف الجندر، ويربك التراتبية. لكنه في حالات كثيرة يتجاوز الغياب إلى وصم يُعيد ضبط من خرج عن القاعدة: الاحتفال بالحب، إذن، ليس دعوةً مفتوحةً بقدر ما هو توزيع للامتياز، من يحب بالطريقة الصحيحة يُكافأ بالاعتراف، ومن يخرج عن القاعدة يُوصم ليُعاد ضبطه.

الثقة أداةَ استغلال

كشف هاشتاج هل فضحت متحرشًا اليوم عن نمط مختلف للعنف داخل العلاقات المهنية والمساحات الثقافية ودوائر الأمان. إذ وصّفت شهاداتٌ لمواقف تبدأ ببناء الثقة؛ مدير، موجّه مهني، "أخ أكبر"، مدافعون عن الحقوق والحريات ثم تتحول هذه الثقة ذاتها إلى أداة استغلال.

اتهامات طالت مؤلفًا يُحتفى بعمله على الشاشات، ثم أسماء محامين وكتّاب ومدافعين عن الحقوق والحريات، وهو ما بدا للبعض مفارقةً، لكن في رأيي المفارقة هي أن سطحية خطاب الوعي لا يمنح حصانةً أخلاقيةً، وقد يصبح أداة صيد، فالخطاب وحده من دون آليات مساءلة قابل للتوظيف في أي اتجاه.

إن الثقافة التي تنتج معتدين في الأوتوبيسات قادرة على إنتاج معتدين في مواقع السلطة الرمزية. الأداة تختلف؛ سلطة مهنية، مكانة فنية، خطاب حقوقي، لكن المنطقَّ واحدٌ، شعور ضمني بأن الأجساد متاحة في سياقات معينة، والسلطة تمنح إذنًا غير معلن لانتهاكها.

العنف لإدانة الحرية

في لحظات الانكشاف، لا يتأخر التفسير الأخلاقي في الظهور مع تصاعد شهادات التحرش داخل أوساط ثقافية أو فنية. يبرز خطابٌ يقرأ هذه الوقائع بوصفها دليلًا على انحلال أخلاقي متفشٍ في هذه البيئات. التفسير يبدو بديهيًا مساحة أكثر تحررًا تعني حدودًا أقل، وحدود أقل تعني تجاوزًا أكبر.

المشكلة الأولى في هذا الطرح أنه يفترض علاقةً سببيةً مباشرةً بين الأفكار والسلوك العنيف، كأن التحرش نتيجة للانفتاح لا لاختلال السلطة أو غياب المساءلة. لو كان الأمر كذلك، لكان العنف أقل حضورًا في البيئات المحافظة، التحرش لا ينتمي إلى أيديولوجيا بعينها، بل يظهر حيث توجد تراتبية غير متوازنة وصمت جماعي وتوقع ضمني بالإفلات من العقاب.

قبول تفسير الانحلال يقودنا إلى نتائج سياسية واضحة.. مزيد من الوصاية الأخلاقية وتضييق المساحات المستقلة

لكن الأهم أن هذا الخطاب لا يناقش شروط العنف بقدر ما يطعن في شرعية المجال الذي وقع فيه. بدلًا من مساءلة الفاعل أو البنية التي سمحت بالفعل، يتحول النقاش إلى التشكيك في المجال الثقافي والحقوقي نفسه. هكذا يُستخدم العنف ذخيرةً رمزيةً في معركة أوسع ضد الحرية، لا دعوة لتعزيز العدالة أو حماية الضحايا.

ثمة بعد نفسي أيضًا في جاذبية هذا التفسير، فانكشاف العنف داخل أوساط تدّعي الوعي يربك الصورة التي تقسم العالم إلى فضاءات آمنة وأخرى فاسدة. التفسير البنيوي يزعزع هذا اليقين لأنه يضع الجميع داخل دائرة المساءلة، بينما اختزال المشكلة في انحلال مجموعة بعينها يعيد ترتيب العالم أخلاقيًا ويمنح شعورًا بالسيطرة.

المفارقة أن كثيرًا من حالات الاستغلال داخل هذه الأوساط لا تعكس كسر النظام الأبوي بقدر ما تكشف استمراره تحت غطاء مختلف سلطةً رمزيةً تحكم في الفرص، فاستثمار الثقة في علاقة غير متكافئة الخطاب قد يتغير لكن منطق السلطة يظل مألوفًا.

قبول تفسير الانحلال يقودنا إلى نتائج سياسية واضحة؛ مزيد من الوصاية الأخلاقية وتضييق المساحات المستقلة. ما يقلل العنف ليس الانضباط القسري، إنما توفير آليات مساءلة شفافة وتصديق الضحايا وحماية قانونية تقلص الفجوة في السلطة. بهذا المعنى، لا تكشف هذه الوقائع فشل التحرر بقدر ما تكشف حدود الخطاب حين لا ترافقه بنى مساءلة حقيقية.

ما يجعل فبراير مثيرًا للاهتمام ليس استثنائيته، إنما عاديته، كل ما حدث خلاله يحدث طوال العام، لكن تراكم الوقائع في إطار زمني قصير جعل التناقض أكثر وضوحًا. وعلى الأرجح المشكلة في النظام الذي يجعلها متجاورة بلا احتكاك. الحب كما يُحتفل به لا يتناقض مع العنف، لأنه لا يسعى إلى مساءلة البنية التي تنتجه، لكن يعمل باعتباره ستارًا ناعمًا يخفيها.

التوقف عند لحظة الكشف مهم، لكنه غير كافٍ. إذا كان فبراير أضاء لنا، فالسؤال التالي ماذا نفعل بما رأيناه؟ علينا إعادة التفكير في السلطة؛ سلطة الجاني المباشر والسلطة الرمزية التي يكتسبها الناس بحكم موقعهم في الإعلام والمؤسسات الثقافية والأوساط الحقوقية. إن مساءلة هذه السلطة شرط لأي تحول حقيقي.

كما نحتاج إلى إعادة تعريف لمعنى الحب ذاته يضم جميع أشكال وألوان الحب المختلفة بقدر اختلافنا وتنوعنا كبشر. حبّ لا يُختزل في الرومانسية، بل يشمل العدالة والاحترام والقدرة على العيش دون تخويف أو فرض سيطرة. انتهى فبراير، لكنه ترك كشفًا يصعب تجاهله. 

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.