ربع الراتب للسلام بالإيد
تطلب حبيبتي أن نخرج في موعد غرامي، فهي ترى أن الدردشة والكلام عبر الأبلكيشنز ممل وخالٍ من المعنى. تحتاج أن نجلس سويًا في الواقع، نرى وجهينا، نسلم سلامًا أنسى بعده أن أستردَّ من يدِّها يدي، أو حتى بالأحضان، تحتاج إلى قرب يعكس المشاعر، ولا تكتفي بالقلوب الحمراء والورود في المحادثات.
أوافقها الرأي، لكن في الحقيقة لا يمكنني تحمل تكلفة هذا اللقاء، فأنا طالب بالفرقة الأولى بكلية الإعلام. أعمل منذ عام ونصف صحفيًا تحت التمرين في إحدى المنصات، ودوري هو توفير مصادر للموضوعات الصحفية، وعمل تغطيات بسيطة، وأحيانًا أشارك في كتابة بعض القصص، مقابل مبالغ متفاوتة، تصل إجمالاً إلى 6000 جنيه في الشهر.
أعتمد على هذا المبلغ في تحركاتي من بيتي في الوراق إلى الجامعة في حلوان، وإلى مقر العمل في الدقي أحيانًا، وفي مقابلاتي مع أصحابي وحبيبتي، واشتراكات الإنترنت والمنصات، كل ذلك بما يستجد يكلفني ثلثي المبلغ أي 4000 جنيه.
وأخصص من المبلغ المتبقي 1500 جنيه أساهم به في مصروف البيت، لأنني أشعر بالتزام تجاه عائلتي وأنه ما دمت أكسب المال فليكن لهم نصيب فيه. ما يتبقى أحتفظ به لنفسي، في حال احتجت إلى تجديد اشتراك الإنترنت مبكرًا، أو كُلّفت بمهمة عمل ميدانية.
لماذا التردد؟
لأخرج مع حبيبتي في موعد يتعين عليَّ طلب سيارة من خلال تطبيقات النقل الذكي، تقلني إلى بيتها، ومن بيتها، إلى حيث ملتقانا، وهذا يحتاج إلى 200 جنيه مثلًا، ومثلها في الرجوع، ولو فكرت أن نتحرك باستخدام المواصلات العامة، لن يكون الفارق كبيرًا.
إذا قررنا تناول العشاء سويًا فذلك يعني أن أدفع 700 جنيه للمطعم، أما إذا قررنا أن ندخل السينما، أو نطلب مشروبين، سندفع 200 جنيه إضافية، وهذا يجعل تكلفة الموعد الرومانسي الواحد 1300 جنيه. لو نوينا تكرار هذا الموعد، أو تثبيته مرتين شهريًا، فعليَّ أن أوفر 2600 جنيه، بخلاف مصروفاتي الشهرية التي تقضي على راتبي الذي ينفد قبل أن يستقر في يدي.
في محاولة لتجاوز هذا المطب؛ أحرص على أن يكون اللقاء الغرامي فور نزول الراتب، مضحيًا بـ20% منه من أجل عيونها. حينها تختلف ترتيبات الشهر بإلغاء بعض الاشتراكات، أو بعض الزيارات لأتمكن من الوصول لآخر الشهر بسلام.
لو تُدبر.. لما التردد؟
أتردد، لأن المرة الثانية، أو الثابتة التي ننوي الخروج فيها، ربما يكون في جيبي أو محفظتي الإلكترونية، مبلغ محدد قد يكفي فقط التنقلات والآيس كريم مثلًا. لكن الليلة الطويلة، قد تجعلنا في حاجة لتناول بعض الطعام، أو الجلوس في كافيه.
يضعني ذلك في موقف لا أحبه، وربما لا أطيقه، وهو مراسلة صديقي المقرب سريعًا، وإخباره بما يحدث مذيلًا الرسالة بطلب 500 جنيه تُرد لاحقًا.
صديقي هذا، الذي يشبه راتبه راتبي، وفي نفس عمري تقريبًا، لديه سكوتر، يعمل به أحيانًا في توصيل الأشخاص، حتى يغطي احتياجاته، لا يتأخر في تلبية طلبي، لكن ثمة أحاسيس تراودني في هذه اللحظة "أليس من الأولى أن أبادر أنا وأساعده".
وبين تحويله لما أحتاجه من مال، وبين تفكيري المنشغل بوضعي الذي على الحافة دائمًا، أنظر إلى صديقتي وأسألها "انتي تمام؟"، فتجيبني بذات السؤال "انت اللي تمام؟"، وأنا أهز رأسي أي نعم وأرمش، وكأني محافظ البنك المركزي.
في بالي ألف شيء!
أكلم نفسي، تارة أقول إني سأبقى على هذه الحال إلى الأبد، وتارة أخرى أقول إن كل شيء سيكون جيدًا بمرور الوقت. لكن، كيف سيحدث ذلك، وأنا أدبر موعدين مع حبيبتي بشق الأنفس، وأقوم بترتيبات كبيرة وكثيرة وكأني سأزور البيت الأبيض، وكل هذا لا يبدو ذا بال مقارنة بالمصاعب التي تنتظرني في حال قررت الإقدام على خطوة الخطوبة وما يتبعها من شراء شبكة ذهب وتقديم ومهر وشراء عش الزوجية وشراء الأثاث.
في لحظة ما في المستقبل، سيتوجب عليَّ أن أحول التزامي بهذه العلاقة، إلى خطوبة يعقبها زواج، وبيت ومسؤولية. ولا أدرى حقيقة، كيف يمكنني إقناع والد حبيبتي بالموافقة وقبولي زوجًا لابنته وأنا أتقاضى 6000 جنيه شهريًا؟ وفي حال استطعت التحويش ووفرت من راتبي 1500 جنيه شهريًا سأحتاج إلى 5 أعوام، حتى أتمكن من شراء خاتم ودبلة فقط، وليش شبكة كما هو متعارف عليه.
أو كيف أقنع حبيبتي نفسها، أننا علينا أن نتنازل عن 50% من حاجاتنا الشهرية إذا تزوجنا، حتى أتمكن من سداد إيجار شقة متوسطة المستوى بصعوبة، وهذا طبعًا لأننا لن نتمكن من الحصول على شقة تمليك؟
في الحقيقة، لا يساور أحد الشك في أن كل ما أرغب فيه، في هذه اللحظات، هو أن أقضي مساءً سعيدًا مع حبيبتي، وأن نخرج لنشاهد الأفلام، ونتشارك الغداء دون أن نفكر أو نحمل همًّا. ولكن كيف لا نحمل أي هموم، والخروجة البسيطة تكلف ربع راتب، وتترك أزمة لا تنقضي طوال الشهر تنغص عليَّ حياتي وتعكر صفو مشاعري تجاه حبيبتي خلال اللقاء، إذ لا أملك سوى التفكير فيه.