قانون الأحوال الشخصية للمسيحيات.. طوق نجاتي المعطّل
كامرأة مسيحية من الصعيد، أدركُ تمامًا كيف يمكن أن يتحول الزواج سجنًا بدون مخرج، وكيف يُضاعف العنف الأسري من عبئه في ظل غياب قوانين عادلة، فلا يصبح أمامنا سوى إطلاق استغاثات ربما تجد من يسمعها.
هذه ليست مشكلةً زوجيةً خاصةً، بل جريمة تستوجب وقفة حاسمة ومسؤولية جماعية، ودليل صارخ على أن المسيحيات في مصر يواجهن واقعًا قانونيًا قاسيًا، في ظل تعطيل مشروع قانون الأحوال الشخصية الذي كان من المفترض أن ينهي هذه المعاناة، لكننا نفضل الصمت في التعامل مع القضايا الحساسة، سواء تلك المتعلقة بالأقليات أو قضايا العنف الأسري بشكل عام، مختبئين خلف أعذار واهية مثل "خصوصية الطائفة" أو "الحفاظ على النسيج المجتمعي".
عنف ممنهج
ما الذي جنيناه من هذا الصمت؟ فقط المزيد من الألم والعنف والنساء المحاصرات في دوامة من المعاناة بلا مخرج، ما لم تنته بالموت كما حدث لـ منال نجيب الشهيرة بماما منال، التي قتلها زوجها مُتوِّجًا عنفه الممنهج الذي امتد طوال زوجهما بتكسير جمجمتها لأنها طلبت الطلاق، وحُكم عليه بالسجن سبع سنوات في مايو/أيار الماضي.
لا توجد إحصاءات رسمية عن حالات العنف الأسري في المجتمعات المسيحية، لكن الأرقام العامة تمثل مؤشرًا قويًا على أن النساء المسيحيات لسن بمنأى عن هذه الظاهرة. وفقًا للمسح الصحي للأسرة المصرية لعام 2021، فإن 31% من النساء المتزوجات أو المطلقات تعرضن لشكل من أشكال العنف من قبل أزواجهن، وتذهب دراسة صادرة عن هيئة كير/care فى إطار مشروع "سلامة وأمان" 2010 إلى أن العنف الأسري مكونٌ أساسيٌّ ضمن مكونات ثقافة المجتمع بكل فئاته، وإثبات للرجولة، وواجب على الزوج لتأديب زوجته.
في الصعيد، على الأخص، تتقاطع السلطة القبلية مع المفاهيم الدينية المغلوطة لتخلق حصارًا يشرعن العنف ضد المرأة الصعيدية المسيحية، بحسب دراسة "أسباب وآثار العنف ضد المرأة الريفية في محافظة أسيوط"، الصادرة عن جامعة أسيوط عام 2016.
وبالنسبة لنا كمسيحيات، يزداد الحصار تعقيدًا؛ فالتهميش لا يتوقف عند العنف الجسدي، إنما يمتد إلى عنف هيكلي وقانوني يحرمنا من أبسط الحقوق. ففي الوقت الذي تُحرم فيه الصعيديات من الميراث اتباعًا للأعراف القبلية، تواجه المسيحيات منهن تمييزًا إضافيًا في المحاكم بحرمانها من حضانة أبنائها في حالات تغيير الزوج ديانته، بحجة "الخشية على دينهم"، وكأن الأمومة تفقد أهليتها بمجرد اختلاف العقيدة.
هذا "التمييز المتقاطع" يجعل من الصمت خيارًا اضطراريًا أكثر منه طوعيًا. نحن نعيش في "منطقة عمياء" يُفرض الصمت فيها علينا لحماية "سمعة الطائفة" ودرء "العنف الطائفي" الذي قد يترتب على البوح بمشاكلنا الشخصية. بوصفي فردًا من هذه الأقلية، فإن الإفصاح عن التعرض للعنف محفوف بالمخاطر، إذ يلازمه خوف دائم من أن تُستغل قصتي لتأكيد الصور النمطية السلبية عن المجتمع المسيحي بأكمله. وهذا الخوف ليس طارئًا، بل نتاج سنوات من الخرافات والأفكار المغلوطة في المجتمع عن المسيحيين وطقوسهم.
اختصاص الكنيسة بحل المشكلات الأسرية يخلق بطبيعته نوعًا من السلطة الأبوية المزدوجة التي تُؤسس للعنف وتشرعنه ضمنيًا
تنتشر الأساطير حول طقوس مثل الميرون أو المعمودية التي تُشيع كذبًا وجود لمس غير بريء للطفلات أثناء الطقس رغم قدسيتها الدينية، ما يخلق بيئةً من الوصم والتشويه، تفتح الباب للشائعات حول العلاقات بين الرجال والنساء في الكنائس.
كل ذلك يضعف من قدرتي على الحديث عن العنف الذي أتعرض له، فأنا لا أريد أن تتحول قضيتي الشخصية في نهاية الأمر إلى أداة للهجوم على المسيحية ما يؤثر على طلبي المساعدة، سواء من عائلتي أو من مؤسسات المجتمع المدني.
ربط قضايا العنف الأسري في مجتمعنا بهذه الخرافات والأحكام المسبقة يعني أن كل كلمة ستصدر مني ستُستغل لتأكيد الصور النمطية السلبية السائدة عن المجتمع المسيحي بأكمله. فتصبح صرختي الشخصية لطلب العدالة مادة خصبة لتشويه سمعة الطائفة أمام المجتمع بأكمله، ليغدو الصمت هو الخيار الآمن للحفاظ على "الواجهة الاجتماعية" ودرء الاتهامات الخارجية، حتى لو كان الثمن هو استمراري في دائرة المعاناة والعنف دون حماية.
لا ينفي ذلك الخطر الأعمق الكامن في اختصاص الكنيسة بحل المشاكل الأسرية، بما يكُرِّسه من سلطة أبوية مزدوجة تُؤسس للعنف وتُشرعنه ضمنيًا. فبدلًا من اللجوء إلى قانون مدني عادل يضمن الحماية، نجد أنفسنا خاضعين لـ"أحكام كهنوتية" تتغلب عليها في الغالب نزعة الحفاظ على الزواج وسلامة الأسرة بأي ثمن، حتى على حساب سلامة المرأة الجسدية والنفسية.
يُرسِّخ ذلك لعنفٍ ممنهجٍ؛ إذ يُطلب من الزوجة المُعنَّفة الصبر والتضحية، ويُمنح الزوجُ غطاءً غير مباشر لاستمرار تسلطه، مما يجعل طلب الطلاق والنجاة مستحيلًا دون تحايل قانوني أو وصم اجتماعي. هذا الصمت القسري الذي أعيشه يمنعني من الوصول إلى حلول فعّالة لحمايتي، ويدفعني للبقاء محاصرةً في دائرة العنف.
طوق نجاة مؤجل
في هذا السياق الضاغط، يبزغ مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين كأمل طال انتظاره باعتباره محاولة جذرية لإنهاء مأساة استمرت لعقود وتحل مشكلات تركتها لائحة 38 بدون حل.
أبرز ما في المشروع الجديد توسيع أسباب الطلاق وتيسير إجراءاته، فما يمثل العقبة الكبرى أمام الزوجات المسيحيات أن الطلاق لا يكون إلا لعلة الزنا أو الردة، بالتالي يلجأ الراغبون والراغبات في إتمام إجراءات الطلاق إلى تغيير الملة تحايلًا على القانون.
يمنح مشروع القانون الحق في الزواج مرة ثانية بعد بطلان الزواج أو بعد الطلاق لأسباب شرعية باستثناء الطرف "الزاني"
يغلق مشروع القانون الجديد الباب أمام التحايل بتغيير الملة، إذ يُطبق قانون الطائفة التي عُقد الزواج وفقًا لها بغض النظر عن تغييرها لاحقًا. كما يوسع مفهوم "الزنا" ليشمل الزنا الحُكمي الذي يتيح إثبات الخيانة بكافة طرق الإثبات المتاحة، مثل المراسلات الإلكترونية أو الصور.
كما يحيي "بند الهجر" سببًا مشروعًا لطلب الطلاق، وهو البند الذي ظل معطلًا لسنوات طويلة، بل يذهب خطوةً أبعد بتقليص فترة الهجر لتصبح ثلاث سنوات بدلًا من خمس، كما كانت تنص لائحة 1938 قبل تجميد العمل بموادها، مما يفتح بابًا للنجاة كان قد أُغلق تمامًا منذ تعديلات عام 2008 التي قصرت الطلاق على علة الزنا وحدها.
يسمح المشروع كذلك بـالتفريق المدني حال فشل الحياة الزوجية، وهو إجراء ينهي الزواج دون أن يمنح الحق في الزواج مرة ثانية إلا بموافقة الكنيسة، ويعيد ترتيب الحضانة ليعطي الأب أولوية أكبر في الترتيب بعد الأم، مما يمثل توازنًا بين حقوق الأب والأم، فيمنح الأب حق الرؤية والاستزارة (الزيارة)، والمبيت، لكن مع دفع النفقة كشرط أساسي، ويضيف بندًا يتيح للطرف المتضرر المطالبة بتعويض، وهو ما لم يكن موجودًا في القانون القديم.
أيضًا من المكاسب المهمة أن القانون يعطي الحق في الزواج مرة ثانية بعد بطلان الزواج، أو بعد الطلاق لأسباب شرعية، باستثناء الطرف "الزاني"، ويحقق المساواة بين الرجل والمرأة في الميراث، وهو ما يتوافق مع الشريعة المسيحية.
مسيرة معطلة
ليس مشروع القانون وليد جهة واحدة، إنما هو ثمرة عمل مشترك بين الكنائس المصرية الثلاث (الأرثوذكسية، والكاثوليكية، والإنجيلية) ووزارة العدل، بدأه البابا تواضروس عام 2016 بتعديلات لتوحيد الرؤى بين الطوائف، قبل أن تتولى وزارة العدل إعداد الصياغة القانونية النهائية.
مع ذلك، توقفت مسيرة القانون نحو طرحه على البرلمان عدة مرات على مدار السنوات الماضية، والأسباب متعددة منها: الخلافات الطائفية حول بعض البنود، خاصة ما يتعلق بالزواج الثاني والطلاق، بالإضافة إلى التحديات القانونية، حيث هناك مخاوف من تعارض بعض البنود مع النظام العام، مثل مسألة التبني التي تم حذفها، وأخيرًا التأخر الإجرائي، فبعد التوصل إلى صيغة شبه نهائية، توقفت المسودة في أروقة الحكومة، مما أدى إلى تأخير كبير في إحالتها للبرلمان لإقرارها.
تؤكد هذه الجهود على أن الحل ليس مستحيلًا، وأن تحقيق العدالة للمسيحيات يتطلب تضافر الجهود بين المؤسسات الدينية، والمجتمع المدني، والدولة. وحده القانون قادر على هدم هذا السجن، ومنحنا ما نستحقه منذ زمن: حياة آمنة، وكرامة بلا شروط.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.