من أوراق النيابة: وقائع فضٍّ واحتجاز تحت سور كنيسة 15 مايو
عشر دقائقَ فقط كانت كافيةً لتُحوِّل شوارع "زهور مايو" في ضاحية حلوان الجنوبية الهادئة إلى ساحة كر وفر وتراشق بين سكان مسيحيين يحتجون على هدم سور خرساني أقامته كنيستهم الطامحة للتوسع، ورجال الأمن الذين ينفذون قرار الإزالة، في حادث أعاد إلى الأذهان أحداث العنف الطائفي المتعلقة بأزمات بناء وتوسيع الكنائس في مصر، لعل أشهرها ما صاحب بناء كنيسة العمرانية في الجيزة.
في الثالث من فبراير/شباط الماضي، واجه نحو 150 مسيحيًا على رأسهم القس أثناسيوس راعي الكنيسة قوةً أمنيةً كانت ماضيةً لتنفيذ مهمة إزالة سور خرساني أقامته كنيسة العذراء والبابا كيرلس على مساحة 12 ألف متر -8100 متر منها مملوكة لجهاز مدينة 15 مايو- بالمخالفة لقرار هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة التابعة لهيئة الإسكان، بتخصيص 1950 مترًا فقط لبناء كنيسة في المنطقة التي انتقل إليها أهل منطقة الزرايب، بعد أن دمّرت السيول منازلهم عام 2020.
وبينما حاول المحتجون طمأنة الأمن لسلمية وقفتهم في بدايتها بترديد هتافات "هلال وصليب.. إيد واحدة"، أصرَّ أفرادٌ من الأمن بزيٍّ مدنيٍّ على تفريقهم والمُضي قدمًا في تنفيذ "مأمورية الإزالة"، ما أدى إلى تصاعد العنف في المنطقة، مع محاولة بعض المحتجين الهرب خوفًا من القبض عليهم، فيما رشق آخرون القوات بالحجارة وسط صراخ "بيقبضوا على الحريم.. بيقبضوا على الحريم".
المشهد الذي انتهى بإصابة ضابطي شرطة، من بينهم رئيس مباحث قسم شرطة التبين، اقتيد على أثره 18 متهمًا، من بينهم 5 نساء، إلى الزنازين على ذمة القضية رقم 613 لسنة 2026، حيث خضعوا للتحقيق أمام نيابة حوادث حلوان، التي أمرت في البداية بحبس المتهمين والإفراج عن المتهمات بضمان محال إقامتهن، قبل أن تفرج عن جميع المتهمين لاحقًا بكفالة ألفي جنيه، وتحيلهم إلى المحاكمة.
المنصة حصلت على نصوص التحقيقات مع المتهمين، التي تكشف المزيد من تفاصيل ما حدث، من روايات جميع أطراف الواقعة.
1900 متر لا تكفي
في نهاية عام 2021، أعلنت وزارة الإسكان الانتهاء رسميًا من تحويل منطقة "زرايب 15 مايو" التي يسكنها عدد كبير من جامعي القمامة إلى "زهور مايو" كمجتمع عمراني جديد متكامل، ضمن المبادرة الرئاسية لتطوير العشوائيات، التي وعدت السكان بحياة كريمة أكثر اتساعًا.
لكن الاتساع الذي طال الشوارع والبيوت، ضاق عند حدود كنيستهم، حسبما قال سكان المنطقة وراعي الكنيسة في التحقيقات، إذ سبق للدولة عند إعادة تخطيط هذه المنطقة في أعقاب تضررها البالغ من السيول عام 2020 أن خصصت للكنيسة مساحة 1950 مترًا مربعًا، وهو ما اعتبره القس أثناسيوس راعي كنيسة زهور مايو في أقواله أمام النيابة "غير كافٍ".
"المنطقة دي فيها الكنيسة مليانة مسيحيين والـ1900 متر(*) دي حتة صغيرة جدًا متكفيش كنيسة. عرضت الأمر على الأنبا ميخائيل أسقف حلوان، وقال لي أنا هقدم طلب وهعرض الأمر وطبعًا المساحة متكفيش، ومن بعدها لا حس ولا خبر"، بهذه الكلمات شرح القس أثناسيوس خلال التحقيقات دوافعه للبناء دون ترخيص على مساحة إضافية بلغت 8100 متر مربع.
حسب البيانات التي تتيحها رئاسة الجمهورية عن المشروعات القومية، يضم مشروع زهور مايو الذي يشغل مساحة 68 فدانًا؛ 42 عمارة من دور أرضي و5 أدوار متكررة، بها 1008 وحدات سكنية بمساحات 90 مترًا كاملة الخدمات والتشطيبات وجاهزة للسكن، بالإضافة لأماكن خدمية تشمل مدرسة وحضانة وكنيسة ومسجدًا ومركزًا طبيًا وسوقًا تجاريةً.
يكمل القس إثناسيوس في أقواله "الناس بدأت تعترض على الأمر، وبدأت أوصل ده للأنبا ميخائيل، وأفهمه إن الناس متضايقة".
تميّز القوانين المصرية في إجراءات بناء دور العبادة فتُخضع الكنائس لضوابط وشروط أكثر تعقيدًا
ونقل القس في التحقيقات تفاصيل مكالمة هاتفية جمعته بالأخير في مايو/أيار الماضي "كلمته وقلت له الأمور صعبة والناس فاض بيها وعايزين حل نوسع بيه الكنيسة، وساعتها قالي على تعليمات إني أبدأ شغل على المساحة اللي كنا متفقين نقدم طلب عليها وإحنا ماشيين في طلبنا زي ما احنا".
وفي اليوم التالي للواقعة، دخلت إيبارشية حلوان والمعصرة على خط الأزمة ببيان اتهمت فيه القس إثناسيوس بعدم الالتزام بمساحة الأرض المخصصة للكنيسة، مؤكدة أن "الرئيس السيسي وجه بتخصيص قطع أراضٍ لبناء كنيسة في كل منطقة عمرانية جديدة، وبالفعل خصصت هيئة المجتمعات العمرانية قطعة أرض مساحتها 1950 مترًا لبناء كنيسة لأبناء إيبارشية حلوان والمعصرة ومدينة 15 مايو، غير أن المُسند إليهم تشييد وبناء سور لتلك القطعة المخصصة تجاوزوا وأضافوا مساحة أخرى من القطع المجاورة لتلك القطعة المخصصة، دون موافقة الكنيسة وقياداتها".
إثناسيوس رد في التحقيقات على هذا الاتهام بأنه قرر التوسع وبناء السور على المساحة الإضافية دون الحصول على تراخيص رسمية، على أن تحاول الكنيسة تقنين الأوضاع لاحقًا، لكنه توقف ليقول "لحد ما اكتشفت إن الأنبا ميخائيل مقدمش أي طلبات".
وأكمل "الناس نصحتني أعمل التماس لوزير الإسكان بخصوص المساحة، وبالفعل قدمت الطلب في شهر 12 اللي فات ومتردّش عليَّا وكمّلنا بناء لحد النهارده الصبح فوجئت بالحملة اللي نازلة علينا".
وتميّز القوانين المصرية في إجراءات بناء دور العبادة؛ فتُخضع الكنائس لضوابط وشروط أكثر تعقيدًا. ورغم أن قانون تنظيم بناء الكنائس الصادر عام 2016 ساهم في تقنين أوضاع العديد من المباني القائمة وتسهيل بعض التراخيص، تأخذ عليه منظمات حقوقية مثل المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أنه لم يحقق هدفه المعلن بضمان بناء وترميم الكنائس بسهولة، وتطالب بإقرار قانون موحد ينظم شروط وإجراءات بناء جميع دور العبادة.
ويُلزم القانون بالحصول على تصريح من المحافظ قبل مباشرة أي أعمال ترميم أو تدعيم أو تعلية في أي كنيسة قائمة، لكنه لم يحدد أي إجراءات يمكن اللجوء إليها حال عدم صدور رد من المحافظ على الطلبات المقدمة.
ورسم القس إيناثيوس في أقواله نهاية الاشتباكات بقوله "حصل مشادة بين الشرطة والشعب وأنا ساعتها أول ما شوفت الضرب بدأ، أغمى عليا ولقيت نفسي على باب الكنيسة واللوادر نازلة تكسير في الكنيسة، وبعد كدا ضابط من الأمن الوطني اصطحبني معاه في عربية وجابوني على النيابة".
طوب ودبش.. ملحقناش نتكلم
رواية الأمن سجلها في التحقيقات المحضر المُحرر من وحدة المباحث الجنائية بقسم شرطة 15 مايو، عوضًا عن أقوال كلٍّ من المقدم مصطفى عبد العال رئيس مباحث التبين، والرائد محمد علاء الدين من الأمن المركزي، المُصابَيْن في الأحداث.
ووفق المحضر، بدأ الاشتباك عند تحرك قوة أمنية مشتركة في 3 فبراير 2026 لتنفيذ قرار الإزالة رقم 480 لسنة 2025 الصادر عن جهاز مدينة 15 مايو، ضد القس أثناسيوس بعد بنائه سورًا وأعمدةً خرسانيةً بارتفاع 5 أمتار وعرض 120 سم أمام المبنى الإداري التابع لجهاز 15 مايو، واستكمال السور والاستحواذ على مساحة 8100 متر تقريبًا "يتخللها مبنى إداريٌّ تابعٌ لجهاز 15 مايو عبارة عن استراحة مكونة من 3 مبان كل منهم يتضمن طابقًا واحدًا، وطريق فرعي به مرافق بجوار قطعة الأرض".(**)
وأثناء عملية التنفيذ تجمع نحو 150 شخصًا و"رشقوا القوات المشاركة بالحجارة لمنع تنفيذ القرار"، وأسفرت المواجهات عن إصابة ضابطين بجروح قطعية في الرأس، وهما رئيس وحدة مباحث فرقة حلوان، وضابط برتبة رائد بقطاع الأمن المركزي، وجرى نقلهما إلى المستشفى لتلقي العلاج.
قوات الأمن ضبطت 18 فردًا (13 رجلًا و5 نساء)، قالت إنهم من المتجمعين بمكان الإزالة بالإضافة إلى ضبط القس أثناسيوس، وأفادت تحريات المباحث اللاحقة بأن المتهمين المضبوطين تعدوا على القوات وقاوموا السلطات بهدف عرقلة تنفيذ قرار الإزالة.
أما الضابطان المصابان فأكدا أن القوات ذهبت للتفاوض لا للاصطدام، إذ يقول المقدم مصطفى في التحقيقات "احنا كنا رايحين ناحيتهم عشان نتفاوض معاهم إنهم يخلوا الأرض دون استعمال القوة ونفهمهم إن ده قرار صادر، ملحقناش نتكلم اتفاجئنا بيهم بيرمونا بطوب ودبش كبير".
أما ضابط الأمن المركزي محمد علاء الدين فقال إن المواجهة استمرت "حوالي عشر دقائق" على "أرض أسفلتية"، حيث تقف القوات والمهاجمون "وجهًا لوجه" على مسافة تقدر بنحو 20 مترًا، وأكد أن القصد من رشق الحجارة كان تعطيل ومنع القوات من أداء عملها.
أسفر رشق الحجارة عن إصابة الضابطين بجروح قطعية في الرأس استلزمت خياطة جراحية، ووصف المقدم مصطفى لحظة إصابته "أخدت طوبة كبيرة زي الدبش في راسي من الخلف وأخدت 3 غرز". وبسؤاله عن حالته الصحية وقت التحقيقات أجاب باختصار "أنا بقيت كويس".
الضابطان اتهما الـ18 شخصًا المقبوض عليهم بالتسبب في إصابتهما، لكن لدى سؤال الضابط مصطفى عن دور القس أثناسيوس في الواقعة، أجاب بأنه كان موجودًا في الأرض، لكنه لم يقاوم أو يحرض أحدًا من المتهمين.
مكالمة الأمن الوطني
التحقيقات أبرزت أن الإزالة لم تكن مفاجئة تمامًا للقس أثناسيوس، الذي كشف عن اتصال تنسيقي تلقاه قبل الواقعة بيوم من ضابط بالأمن الوطني "مدير الأمن الوطني أحمد بيه عاصي كلمني وقالي إن سوف يرسل لي وفد من جهاز مايو ليعلمني بالمخالفات تمهيدًا للإزالة، وقلت له وأنا تحت الأمر في أي شيء".
لكن القس عاد وأكد صدمته من وصول اللوادر والاشتباكات في الصباح التالي "لقيت نفسي على باب الكنيسة واللوادر نازلة تكسر، وعرفت إن حصل اشتباكات لأن الناس كانت بتدافع عن الكنيسة وهما مش فاهمين إن فيه قرار إزالة".
صبت أقوال الضابطين المصابين وتحريات المباحث في مصلحة القس أثناسيوس؛ فلم تتعامل معه النيابة طيلة التحقيقات كمتهم، وإنما وصفت الاستماع لأقواله بأنه جاء "على سبيل الاستدلال"، ولعل ذلك ما يفسر قرارها بـ"صرفه" من النيابة، في حين أمرت بحبس المتهمين الرجال وإخلاء سبيل المتهمات النساء بضمان محال إقامتهم.
قبض عشوائي
كانت اللوادر تهدم السور عندما اقتادت القوات المتهمين الـ18 من مكان الواقعة، أظهرت أوراق التحقيق أن 13 منهم، ضمنهم نساء، يمتهنون أعمال النظافة أو جمع القمامة. أما باقي المهن فتنوعت ما بين نقاش، عامل بمزرعة حيوانات، وربات بيوت.
متهمة قالت في التحقيقات إنها خرجت للبحث عن ابنها في الشارع فقبضوا عليها
أجمع أغلب المتهمين في أقوالهم، خاصة النساء والشباب، على أنهم ضحية عمليات قبض عشوائي، حيث أكدوا أنهم لم يشاركوا في الاشتباكات بل جرى توقيفهم أثناء ممارسة حياتهم الطبيعية، مثل المُتهمَيْن أبانوب مجدي وميلاد بخيت، اللذين أكدا أنهما كانا عائدين من عملهما في جمع القمامة وفرزها حين استوقفتهما القوات.
وذكرت المتهمة مريم مجدي في أقوالها أنها خرجت إلى الشارع بحثًا عن طفلها البالغ من العمر 9 سنوات وسط الزحام، بينما كان فنجري رفعت، يبحث عن أطفاله أيضًا، عندما قُبض على كليهما.
وعلى عكس باقي المتهمين الذين أنكروا رؤية أي اشتباكات أو الوجود في قلب الحدث، قدم المتهم جرجس الروماني ويصا رواية تفصيلية ترصد كواليس بناء السور ورد فعل الأهالي عند وصول اللوادر.
يعمل ويصا في مقهى مواجه للكنيسة من موقع يسمح له برؤية أوسع، فسرد شهادة مفادها "إنه من حوالي 3 شهور أبونا أثناسيوس بنى سور حوالين الكنيسة وكذا مرة ينزل حد من الحي ومن القسم يتكلموا معاه بسبب الموضوع دا وبيمشوا مبيعملوش حاجة".
وفي اليوم الموعود، كان ويصا في المقهى عندما "فجأة لقينا مباحث مايو ومعاهم الأمن المركزي جم عند السور وإحنا كنا عارفين أنهم جايين يهدوا السور اللي أبونا بناه، فأهالي المنطقة اتجمعوا عشان يمنعوا الحكومة أنهم ينفذوا قرار الإزالة عشان ده بيت ربنا والناس فجأة جابوا طوب من على الأرض وقعدوا يحدفوا على الحكومة بس في الآخر هم كسروا السور وخدوا ناس كتير مننا بس أنا مكنتش بعمل حاجة أنا كنت واقف بلم الكراسي بتاعت القهوة، والحكومة جات لمتنا كلنا بس أنا مكنتش بعمل حاجة"، قال ويصا في التحقيقات.
عقوبات تصل للحبس
في 19 فبراير 2026، قرر قاضي المعارضات بمحكمة حلوان إخلاء سبيل المتهمين المحبوسين على ذمة القضية بكفالة 2000 جنيه لكل منهم، فيما قررت النيابة العامة في وقت لاحق إحالتهم إلى المحاكمة أمام محكمة جنح حلوان.
ومن المقرر أن تبدأ المحاكمة في 12 مارس/آذار 2026، بتهم "إهانة موظفين عموميين بالإشارة أو القول أو التهديد أثناء تأدية وظيفتهم؛ ومقاومة موظفين عموميين بالقوة والعنف أثناء تأدية وظيفتهم"، وفقًا للمادتين 133 و136 من قانون العقوبات، الذي رتَّب على كل تهمة منهما عقوبة الحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر، وغرامة لا تقل عن 200 جنيه.
من جانبها، حملت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية السلطات مسؤولية تصاعد الأحداث، مؤكدة في بيان نشرته في فبراير 2026 أنه كان من الممكن تجنّب كل ما حدث "لو تعامل مسؤولو الدولة بشكل يضع نصب عينه حفظ السلم المجتمعي والصالح العام من خلال إرسال إنذارات رسمية وإخطار بالهدم مع مهلة لإزالة المخالفة قبل التنفيذ تجنّبًا لاندلاع هذا التوتر من الأصل".
المبادرة أرجعت تطور الاحتجاجات إلى اشتباكات أيضًا إلى ما صدر من قوات الهدم من انتهاكات أثناء القبض على المتهمين.
ودعت المبادرة المسؤولين من هيئة المجتمعات العمرانية وجهاز مدينة 15 مايو وراعي الكنيسة وأسقف إيبارشية حلوان والمعصرة إلى التوصل لاتفاق ودي يأخذ احتياجات وتخوفات مسيحيي المنطقة بعين الاعتبار، وينأى بهم عن التعرض لمزيد من الانتهاكات، ويضمن لهم حقهم في الممارسة الآمنة لشعائرهم داخل كنيستهم.
وحسب أوراق التحقيقات، انتهت المأمورية بهدم السور الخرساني المخالف بالكامل وتسليم الأرض لجهاز مدينة 15 مايو، فيما ينتظر المتهمون مصيرهم القانوني في قضية بدأت بمحاولة الدفاع عن توسعة "بيت ربنا".
(*) خصصت هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة للكنيسة مساحة 1950 مترًا مربعًا، ويبدو أن القس كان يذكر رقمًا تقريبًا في التحقيقات.
(**) حافظت المنصة على نص محضر التحقيقات حرفيًا؛ بما يتضمنه من أخطاء نحوية.

