تصميم: سيف الدين أحمد، المنصة 2026
تعكس كلٌّ من آجنس وإيمان الأمومة باعتبارها عبورًا هشًا بين الامتلاء والنقص

عالم الأمومة الهش بين آجنس شكسبير وإيمان مرسال

منشور الأحد 8 آذار/مارس 2026

قد تكون مشاهدة فيلم هامنت/Hamnet واحدةً من التجارب الداخلية التي تُجبر العالم على الصمت وتبعث داخل الإنسان أصواتًا كثيفةً ومعقدةً، ما يجعله أقرب إلى هاجس إنساني منه إلى مجرد فيلم دراما تاريخي/Period Piece.

على عكس ما قد يوحي به الاسم، لا يهتم الفيلم الذي يدور في كنف أسرة الكاتب الأهم في تاريخ الأدب الإنجليزي ويليام شكسبير بتجربته الإبداعية في خلق مسرحية هاملت، إنما يوظف هذه التجربة الإبداعية خلفيةً مكملةً للأحداث، ويتخذ من تجربة زوجته آجنس بعد موت ابنهما هامنت مركزًا لها.

يُحاك "هامنت" كمنسوجة تابستري من العصور الوسطى/Medieval tapestry مستخدمًا ذلك الخيط الهش الذي يربط الحب بالخوف، كأن الحب لا يظهر كاملًا إلا وهو يحمل داخله احتمال فقده. فالميلاد ليس بدايةً بريئةً، إنما لحظة تحمل في عمقها ظل النهاية، كأن كل حياة جديدة تكتب في صمت تاريخ فقدها الآتي.

الأمومة وعيًا دائمًا بالخسارة

إيمان مرسال. صورة من صفحتها على فيسبوك

الفيلم، المستلهم من واقعة تاريخية حقيقية في القرن السادس عشر، لا يعيد بناء سيرة أدبية لكنه ينحاز إلى الداخل؛ إلى تلك المنطقة التي لا تُرى بالعين، وتتحكم في حركة الوجود نفسه: منطقة الأمومة، حيث تقف المرأة دائمًا على الحافة بين الحماية والعجز، بين الرغبة في إيقاف الزمن والخوف من اكتشاف استحالة ذلك. 

ماذا تفعل الأم حين تدرك أن الحب لا يستطيع أن يحمي أبناءها من مصيرهم؟ وماذا تفعل حين يصبح الخوف جزءًا عضويًا من شكل الحب نفسه، لا نقيضًا له؟ هنا يتقاطع الفيلم مع رؤية الشاعرة المصرية إيمان مرسال في كتابها كيف تلتئم: عن الأمومة وأشباحها (2016). 

لا تكتب إيمان عن الأمومة بوصفها حالةً مثاليةً أو ذروةً عاطفيةً، إنما تجربة إنسانية مقلقة تعيد تشكيل الذات من الداخل. هي ليست اكتمالًا، بل وعي دائم بإمكانية الفقد. الحب لا يتضاد مع الخوف، لكنه يتسع بسببه، فكل ارتباط عاطفي يصبح في الوقت نفسه اعترافًا ضمنيًا بهشاشة هذا الارتباط.

تصبح الأمومة سؤالًا عن الهوية أيضًا؛ فهناك حياة قبلها، حيث كانت المرأة تتحرك بحرية داخل رغباتها الخاصة، وحياة بعدها تصبح فيها مرتبطة بكائن صغير يشكل مركز عالمها الجديد. لا تختفي الذات القديمة، لكنها تتراجع إلى الخلف، مثل صوتٍ بعيدٍ ما زال يؤثر في الحاضر دون أن يظهر بوضوح.

لا أحد يخبر النساء أن الأمومة ليست عطاءً فقط، بل فقد مستمر لما كن عليه قبل أن يصبحن أمهات. وكما تقتبس إيمان مرسال في كتابها مقولة الفيلسوف الفرنسي جورج باتاي في كتابه الإيروسية L'Érotisme "إن لحظة ميلاد شخص جديد تطلب موت كائن آخر"، فإن ميلاد كائن جديد لا يحدث دون غياب آخر، ليس موتًا بالمعنى المباشر، بل تحول وجودي يعيد توزيع الحياة داخل الزمن نفسه.

بين الاختيار والحماية

بول ميسكال و جيسيكا باكلي في الغابة من فيلم "هامنت"

طبيعة آجنس المتمردة ليست مجرد نزق شباب، هي فعل اختيار واع للحياة كما تريدها هي، لا كما يُراد لها. حين تزوجت ويليام شكسبير متحديةً تحفظات العائلة ونظرة المجتمع كانت تنحاز إلى صوتها الداخلي. التمرد بوصفه تأكيدًا مستمرًا على وجودها الفردي، وليس مجرد رغبة في مخالفة الأعراف. إعلان واضح لا لبس فيه أن حياتها تخصها، وأن الزمن يسير أمامها في خط مستقيم، مستقبل مفتوح وهوية تتشكل بإرادتها.

الأمومة تعيد ترتيب بوصلة هذا الصوت. لم تُطفئ تمردها. فقط غيّرت وجهته. المرأة التي كسرت العادات لتلحق بحبها، صارت الأم التي تخشى الترحال وتقاوم أي تغيير قد يهدد عالم أطفالها الهش. هنا لا يبدو التحوّل خيانةً للذات، إنما هو اتساع لها؛ لا تسلب الأمومة المرأة حريتها، هي تجعلها أكثر التصاقًا بما تحب، وأكثر خوفًا عليه.

تمردت آجنس أولًا لتختار، ثم تمردت لاحقًا لتحمي. وفي الحالتين، كانت وفيّةً لذلك النداء العميق الذي يسكنها، وإن تغيّرت صورته. كانت آجنس الأولى تتحرك في العالم، أما آجنس الأم فصار العالم يتحرك داخل قلقها.

الأمومة، في هذا المعنى، فقدٌ بنيويٌّ للهوية السابقة، كأن المرأة تعبر عتبة لا عودة منها.

الرعب والحماية

تتسلل علاقة إيمان مرسال بابنها يوسف كخيط خفي يربط كل الأسئلة. على عكس ابنها الأكبر مراد، الذي كان حضوره عابرًا في الكتاب. يصبح يوسف مركز التجربة كلها؛ من خلاله تُعاد صياغة معنى الأم، ومعه يتجسد القلق الدائم من الفقد الذي يرافق الأم في كل لحظة، كظل لا يغيب.

فهم الأمومة لا يكون عبر تمجيدها أو اختزالها في التضحية بل عبر الاعتراف بقلقها

لعل ارتباط الشاعرة بالفقد أعمق من حدود الأمومة وحدها، فالفقد في تجربتها يتكرر كهاجس شخصي وثقافي، شيء يسكن الذاكرة ويعيد تشكيل الكتابة. لذلك تبدو الأمومة في كتابها محاولة مقاومة لهذا الفقد المحتمل، ومحاولة في الوقت ذاته للتصالح مع هشاشة الوجود.

فهم الأمومة لا يكون عبر تمجيدها أو اختزالها في التضحية، بل عبر الاعتراف بقلقها، وبالخوف الذي يسكنها، وبالحب الذي يتضاعف لأنه يعرف أنه قد يخسر يومًا ما. يمكن تأمل ذلك في شخصية كل من إيمان مرسال وآجنس: الرعب الشديد، والقرارات المترتبة عليه. فكلا المرأتين لديهما ما يقلق راحتهما؛ سواء آجنس مع جوديث، أو طبيعة علاقة إيمان بيوسف، وخوفها الشديد عليه، وفهم طبيعة مرضه، وإحساسها بالذنب عند ذكر الارتباط بين الاكتئاب والوراثة.

كيف تجعلنا مثل هذه الأحاسيس من الذنب والهلع الشديد نحمي أولادنا؟ في حالة آجنس عندما أصابت جوديث الحمى فارقها النوم وأحاطها الرعب الشديد، واللجوء إلى الطبيعة والعلاجات التي تصنعها، ورفضت الاستسلام. أو بطريقة إيمان المصرية مع نوبات اكتئاب يوسف في الرُّقية التي تحميه، حتى وإن كانت لا تؤمن بمثل هذه الطقوس القديمة، وهي تتمتم: "من عين الجدع اللي فيها ودع، ومن عين المرة اللي فيها شرشرة، ومن عين كل اللي شافك ورآك وما صلّاش على النبي".

الموت والولادة: ذاكرة تتكرر

بول ميسكال و جيسي باكلي في غرفة نوم من القرن السادس عشر من فيلم هامنت

يمكن تأمل الشبه العجيب بين آجنس وإيمان؛ كلتاهما فقدت أمها في حادثة مرتبطة بولادة طفل جديد. ارتبطت فكرة الميلاد بالموت؛ الحَرفِي في موت أمِّ كل منهما، والمعنوي في موت حياتهما السابقة قبل الأمومة. ليس الموت بمعناه المباشر، بل ميلاد شخصية بحياة جديدة تتكيف مع هذا الواقع الغريب.

كما يظهر ذلك في مشهد ولادة التوأمين، عندما رفضت النساء أن تذهب آجنس لتلد في الغابة؛ تشكل هذه اللحظة قطعًا لاتصالها بأمها، التي انبثقت ذات يوم من الغابة وتزوجت أباها. سيطر الرعب عليها في تلك اللحظة، وتملكها إحساس بأنها ستلقى حتفها. وعندما تخطت هذا الإحساس ووضعت طفلتها (جوديث) التي لم تصرخ صرخة الحياة؛ عاد الرعب مرة أخرى وسيطرت عليها ذكرى الفقد الأول.

رغم التشابه بين حادثة موت والدة كل من إيمان و آجنس، فإنها لم تشكل الكاتبة بالقدر نفسه الذي شكلت به شخصية الفيلم، فالذاكرة تتخذ أشكالًا مختلفة في مواجهة الفقد. موت والدة آجنس أثناء وضع أخيها الأصغر كان بمثابة انقطاع تام عن الأمومة إذ لم تجد بديلًا عنها، أما إيمان فوجدت في جدتها التي علمتها الرُقية بديلًا لهذه الأمومة. 

يقدم الفيلم الحزن في شكلين مختلفين؛ آجنس تجمد الزمن عند لحظة الفقد وترفض أن يتحرك بعدها، بينما يسعى شكسبير لتحويل الألم إلى كتابة، كأنه يحاول إبقاء الابن حيًّا داخل اللغة نفسها.

ويظهر مشهد ثقيل الصمت عندما هم شكسبير بالسفر بعد موت هامنت، بينما كانت آجنس تعيش حالة رفض داخلي لفكرة استمرار الحياة خارج حدود الفقد. لم يكن اعتراضها على السفر اعتراضًا على المسافة الجغرافية، بل على فكرة أن الحياة يمكن أن تستمر خارج الزمن الداخلي للحزن. ومع الوقت، بدأت تدرك أن الحزن ليس شكلًا واحدًا، بل طبقات مختلفة من الصمت.

تعكس كلٌّ من آجنس وإيمان الأمومة باعتبارها عبورًا هشًا بين الامتلاء والنقص. هي حب يتضاعف لأنه يعرف أنه قد يخسر، وخوف لا يزول حتى في لحظات الطمأنينة العابرة، مؤكدتين على أن الفقد لا يُمحى، لكنه يمكن أن يتحول إلى ذكرى تُحمل لا جرحًا ينزف، ويمكن أن يسكن الذاكرة دون أن يوقف الزمن داخلنا، بل يرافقنا كأثر إنساني صامت بينما نواصل العيش.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.