التطبيع مع تسليع الجسد.. المرأة دميةً جنسيةً في "السلم والثعبان"
"في مجتمع أبوي كمجتمعنا، تُعدّ معاناة المرأة مصدرًا للمتعة. في كل شيء، من الأوبرا إلى الأفلام إلى الأغاني الشعبية تُستخدم معاناة المرأة، وتشييئها، وقمعها، وضربها، وقتلها، وسائل لخلق متعة جمالية.."؛ في مقدمة مقالها المتعة البصرية والسينما السردية تضع لورا مولفي توصيفًا لما نراه على الشاشة من استغلال لأجساد النساء، وهو يرتبط بالسردية التي يقدمها فيلم السلم والثعبان لعب عيال، الذي تصدّر الترند بعد إتاحته مؤخرًا على إحدى منصات العرض الرقمية.
وُضع الفيلم الذي حقق إيرادات مرتفعة لدى عرضه في السينما، العام الماضي، سواء في مصر أو السعودية، في مرمى الانتقادات والاتهام بالجرأة، وزيادة المشاهد الإغرائية والمكشوفة التي شارك الملايين مقاطعَ منه تتضمن إيحاءات جنسية. بل وصل الأمر لتقديم بلاغات تتهمه بنشر الفسق والفجور، وإهانة بعض المهن من بينها مضيفات شركة مصر للطيران، التي ارتدت بطلة العمل ملك/أسماء جلال زي إحداهن لإغراء أحمد/عمرو يوسف التي تتوتر العلاقة بينهما.
يدور الجزء الثاني من فيلم السلم والثعبان من تأليف وإخراج طارق العريان حول شعور أحمد بالملل، واشتياقه لحياته قبل الزواج، عندما كان يفتخر بعلاقاته النسائية المتعددة ويتبارى مع أصدقائه حول من يستطيع الحصول على قلب/جسد الإناث أسرع، وفي سبيل إصلاح العلاقة تحاول ملك تقديم الحلول بمعاونة صديقاتها في إطار يجمع بين الكوميديا والرومانسية.
من الطبيعي أن يحوي الفيلم الكثير من الإيحاءات الجنسية كونه يتناول حالة الفتور الجنسي ما يستدعي الاقتراب من تعبيرات وأسلوب إغراء، إنما المشكلة في أسلوب المعالجة وطريقة الطرح، التي تتجسد في صورة سؤال كبير مع ظهور كلمة النهاية؛ كيف يرى الفيلم المرأة؟
تسليع العلاقة الجنسية
يقدم الفيلم رؤيةً سطحيةً لأزمةٍ حقيقيةٍ يعاني منها الأزواج، ويلخص المشكلات التي يواجهونها في أمرٍ واحد فقط، هو الملل الجنسي لدى الرجل ورغبته المستعرة نحو التغيير، كأن الرجل عضو ذكري متحرك والمرأة دمية جنسية يشتريها لإرضاء رغباته، وهي الرؤية التي تتقاطع مع حديث الشيخ محمد متولي الشعراوي، الذي قال نصًا في أحد لقاءاته على التليفزيون "المفروض في المرأة أن تكون مصرفًا إن هاجت غريزتك كيماويًا بطبيعتها وجدت لها مصرفًا.. المرأة جاية تعمل إيه؟ مصرف إن هاجت غرائزك طبيعيًا تجد مصرفًا تنتهي فيه".
يتأسس العمل على هذه الرؤية، وتتجلى في أوضح صورة بالمشاهد التي تلي تتر النهاية، ويستعرض فيها المخرج كيف نجحت الزوجة في إرضاء زوجها من خلال تقمص شخصيات عاملات بالجنس ونجمات أفلام البورن، معتمدًا كليًا على تصورات شعبوية للجنس مبنية على خيالات دراما صناعة البورن.
ومع ادعاء الفيلم الجسارة والاختلاف في طرحه لقضية جريئة، لكن الحقيقة أنه يبدو كمراهق يرغب في استخدام الألفاظ الخارجة في محاولة لإخبار الجميع أنه كبر وتعلم كيف يفعل ذلك. ورغم الصورة الحداثية المتقدمة، والمنزل الذكي والواجهة البراقة، تعاد إنتاج الأفكار الرجعية حول المرأة والخيانة الزوجية، ويختزل المشكلة الأساسية التي يتناولها، في جانب واحد فقط، هو البعد الجنسي.
يعامل فتور الأزواج كعرَض طارئ يمكن تجاوزه ببعض "الحيل"، مع تجاهل السياقات الأوسع للعلاقات التي تشمل التحولات النفسية للأفراد، وضغوط الحياة اليومية، واختلالات القوة داخل العلاقة، فضلًا عن الصور الذهنية المسبقة عن الجسد والدور الاجتماعي لكل طرف.
لا تُعرض الخيانة كأحد أعراض الأزمة بل تُعامل بوصفها سلوكًا شبه طبيعي أو حتى خيارًا مطروحًا يمكن التعايش معه
تصيب هشاشة البناء الدرامي للفيلم باقي عناصره، أولها الشخصيات الرئيسية التي تبتعد عن أي عمق إنساني وتنجرف نحو الرغبة فقط، فلا نرى من ملامح الزوجين سوى زاوية العلاقة الجسدية، فيما تغيب الجوانب الحياتية الأخرى؛ الأولاد، العمل، النشاطات المختلفة. لا يتبقى سوى دوائر الأصدقاء ممن يشكلون شخصيات ثانوية تردد صدى الفكرة الأساسية التي يسخر العمل لها كل عناصره.
تتكون مجموعة أصدقاء أحمد من رجل يرفض الزواج وينصح صديقه بأن يبقى في مرحلة تذوق النساء، وآخر لا يتوقف عن خيانة زوجته التي تعرف بعلاقاته، لكنها تصمت مقابل الهدايا الباهظة، وتقول "الراجل مابيرميش فلوسه على الأرض"، كأنها مجرد شيء يستثمر فيه.
الخيانة هنا لا تعرض بوصفها أحد أعراض الأزمة، بل باعتبارها سلوكًا شبه طبيعي، أو حتى خيارًا مطروحًا يمكن التعايش معه، دون مساءلة أخلاقية حقيقية أو تفكيك لجذور الفعل النفسية والاجتماعية. حتى أن الفيلم لم ينشغل بتقديم مبرر درامي لاستمرار صديق أحمد في خياناته، هو يفعل ذلك لأنه رجل يملك عضوًا.
يعاني الفيلم أيضًا من تكدسٍ لا يتوقف عند الطرح أو الأداء، ويمتد ليشمل كل عناصر الصورة، بداية من بناء أغلب المشاهد بصريًا بتوزيع الفتيات حول الشخصيات، والديكور الذي صمم لمجرد الإبهار أكثر من خدمة الدراما، ما ينسجم مع الإفراط في توظيف الإعلانات داخل المشاهد، إذ تتحول بعض اللقطات إلى مساحات ترويجية صريحة لمنتجات بعينها تدمج بشكل فج يقطع الإيقاع الدرامي المهترء في الأساس وتشتت انتباه المشاهد.
بدلًا من أن تطور التفاصيل الصغيرة من أداء الشخصيات أو تعمِّق الصراع بين الزوجين، نجدها تُستخدم أدوات استهلاكية تفرض حضورها على السياق دون مبرر فني حقيقي، لنكون أمام استعراض مبالغ فيه، يفتقر إلى الحساسية اللازمة لمعالجة قضية إنسانية معقدة مثل فتور العلاقات الزوجية.
نساء بعقليات ذكورية
قُدم الرجل متعدد العلاقات في السينما المصرية بمعالجات مختلفة، منها الدرامي مثال شخصية خالد/فتحي عبد الوهاب في فيلم سهر الليالي، الذي يبرر علاقاته بأن الأمر يعد غريزيًا في الرجل "دمي بيجري فيه كرات بيضا وحمرا ونسوان"، ومنها الكوميدي مثل شخصية أحمد/فريد شوقي في فيلم رجل فقد عقله، الذي يتناول بأسلوب ساخر فكرة إرضاء الزوجة لزوجها، عندما يعلم الأبناء بخيانات والدهم المتكررة فيجبرون والدتهم على التغيير من مظهرها وأسلوبها، من خلال الرياضة والدايت، وكأن الخيانة انعكاس لأفعال الزوجة/المرأة وليست فعلًا يقع بإرادة الرجل.
تتجلى خطورة الطرح أكثر في تصور الرجل كأنه وحش يحاول التهام ما يستطيع من النساء، وتطبيعها داخل خطاب يبدو في ظاهره خفيفًا
الأكثر خطورة في "السلم والثعبان" هو طبيعة الأفكار التي يطرحها، وكيفية تمريرها وتطبيعها داخل السياق الدرامي، وجميعها تقع تحت مظلة male gaze/النظرة الذكورية، من خلال عدة عناصر تبدأ من تصميم الفيلم لإرضاء خيال الرجل عن العلاقة الجنسية.
لا تتوقف فكرة تسليع المرأة عند النظرة الذكورية المباشرة، لكن يعاد إنتاجها داخل وعي الشخصيات النسائية نفسها، فتصبح المرأة شريكة في ترسيخ صورتها جسدًا قابلًا للتبديل ووسيلة لإرضاء الرجل، بدلًا من كونها ذاتًا كاملة تمتلك رغباتها وحدودها.
تتجلى خطورة الطرح أكثر في تصور الرجل كأنه وحش يحاول التهام ما يستطيع من النساء، وتطبيعها داخل خطاب يبدو في ظاهره خفيفًا أو كوميديًا بلمسة رومانسية تحاول تجميل الصورة.
يُسلع الفيلم الزواج ذاته، ويفرغ العلاقات من أبعادها الإنسانية، وفي سبيل تحوله المرأة إلى موضوع للاستهلاك، يحوّل الرجل إلى مُستهلك دائم، وهو ما يتقاطع مع حضور الإعلانات التي تعزز المنطق الاستهلاكي على مستوى الصورة والطرح معًا.
