تصميم سيف الدين أحمد، المنصة 2025.
الأحياء المسورة تضع خطًا فاصلا بين مجتمعين

مجتمع الـQR code.. ثلاث خرافات تدعم اللامساواة المكانية في منطقتنا العربية

منشور الخميس 19 شباط/فبراير 2026

تطورت خرائط المدن العربية منذ بداية التسعينيات، خصوصًا مع صعود ظاهرة الكمباوندات المغلقة كنمط عمراني جديد انتشر في المدن الجديدة حول القاهرة، وفي الضواحي الحديثة لعواصم الخليج، وفي ضواحي عمّان والدار البيضاء وغيرها من المدن العربية، رغم اختلاف ظروف هذه المدن الاقتصادية والاجتماعية، حتى أصبح العيش في هذه المجمعات تعبيرًا عن "الحياة الراقية" ومؤشرًا على الانتماء إلى طبقات اقتصادية واجتماعية عليا.

تبين لنا دراسات حول المدينة واللامساواة المكانية أن هذا التحول يعبر عن تغير في النمط السكني، كما أنه جزء من إعادة هيكلة أوسع للفضاء العام والعمران. تسوَّق الكمباوندات للمواطنين بوصفها تقدم ثلاثة وعود أساسية: تفرّد طبقي واجتماعي، أمان أفضل في مواجهة "فوضى" المدينة، ورفاه وجودة حياة عالية.

لكن البحث في التجارب العالمية والعربية يكشف أن تلك الوعود "خرافات" تستند إلى خطاب دعائي تسويقي يقدمه مطورو العقارات. 

خرافة الحصرية والتفرد

يُقدَّم العيش في الكمباوندات في المنطقة العربية كاختيار "نخبوي" يمثل نجاحًا اقتصاديًا فرديًا، ورغبة في نمط حياة أكثر "تحضرًا" وانفصالًا عن المدينة القديمة ومشكلاتها.

في القاهرة الكبرى، ارتبط هذا النمط بالخروج للصحراء وبناء المدن الجديدة مثل القاهرة الجديدة، والشيخ زايد، ومدينة السادس من أكتوبر، حيث ظهرت سلسلة طويلة من المجمعات المسورة التي تتفاوت في درجة الترف، ولكنها تشترك في منطق الأسوار والتماثل الطبقي.

الرغبة في التمايز تبدأ من تسمية المشروعات بـ"عنوان فخم" وغالبًا بالإنجليزية مميزًا سكانه عن بقية المدينة، مثل "Dream Land" و"Palm Hills" و"Lake View" و"Golf City".

هذه المدن الجديدة حول القاهرة بنيت لتستهدف أساسًا الطبقات الوسطى العليا والطبقة العليا وفق ما يرى ديفيد سيمز في كتابه أحلام مصر الصحراوية: التنمية أم الكارثة، وتساهم في خلق "جزر" سكنية معزولة مكانيًا واجتماعيًا عن أحياء القاهرة التقليدية المختلفة.

"التفرد والحصرية" تعبير عن الفجوة بين من يستطيعون شراء هذا النمط من العيش ومن تُقصيهم هذه الأنماط

هذا النمط يعزز صورة المدينة المنقسمة لمجتمعات منفصلة وهي الكمباوندات ذات الحدائق والمسابح والمدارس الدولية، والأحياء التقليدية ومناطق السكن غير الرسمي التي يتحمل سكانها النصيب الأكبر من أعباء الازدحام وضعف الخدمات داخل المدينة.

بهذا المعنى، يصبح "التفرد والحصرية" تعبيرًا عن الفجوة الكبيرة بين من يستطيعون تحمل تكلفة هذا النمط من العيش، ومن تُقصيهم هذه الأنماط والسياسات، فالبوابات والأسوار هنا ليست مجرد جدران مادية، بل وسائل لصياغة هويات اجتماعية مختلفة وترسيخ لفضاء عمراني طبقي.

وتتجلى الخرافة في أوضح صورها عندما يتركز الخطاب التسويقي لهذه المجمعات المسورة على فكرة التفرد والحصرية، مُقدما في كل مرة وعودًا أكبر من سابقتها. وهكذا يصبح تحقيق هذا الوعد مستحيلًا، لأن الخطاب ذاته لا ينتهي، بل يستمر في البحث الدائم عن مستوى جديد من "التميز" يتفوّق على سابقه.

خرافة الأمان

الوعد الثاني هو الأمن والأمان في مواجهة الفوضى والزحام، ووسائل النقل المتهالكة، وأخبار الجريمة. فيأتي الكمباوند بوصفه مساحة آمنة وملاذًا تحيطه الحراسات الخاصة، وكاميرات المراقبة، والبوابات المغلقة، ونظم الدخول والخروج الحازمة.

في مصر، تنبع دوافع الانتقال إلى هذه المجمعات المسورة من الإحساس بتراجع دور الدولة في ضبط الفضاء العام، ما أدى إلى الانسحاب إلى المجمعات الجديدة المسوَّرة بحثًا عن الحماية داخل الأسوار. ولكن هل وجد الهاربون إلى هذه المجمعات الأمان هناك؟

تشير العديد من الحوادث الأخيرة في مصر إلى أن الجرائم ليست حكرًا على سكان المدينة التقليدية كما يزعم البعض، ولكنها تنتشر بمختلف أشكالها وأسبابها داخل هذه المجمعات المسورة، حتى وإن كانت بنسبٍ أقل.

تسلع الكمباوندات الأمن بدلًا من علاج الجذور الاقتصادية والاجتماعية لانعدام الأمن

في مدن الخليج، يقدم الأمان في الكمباوند كسلعة كاملة، إذ تتوفر المراقبة على مدار الساعة، والحراسات عند البوابات، والإجراءات الأمنية التي تجعل الحياة فيه أشبه بـالعيش في مدينة مصغرة معزولة عن محيطها بشكل كامل. ويزداد هذا الخطاب قوة في ظل وجود جاليات مهاجرة كبيرة، حيث تستخدم بعض الإعلانات لغة تُطمئن العائلات الخليجية إلى أن هذه المجتمعات مصممة لتوفير بيئة آمنة لأطفالهم، بعيدًا عن مخاطر المدينة المفتوحة المليئة بالمهاجرين والعاملين.

تشير كذلك الدراسات الحضرية إلى أن الأمان الذي تدعي الكمباوندات تقديمه أقرب للإحساس الزائف، فغياب العدالة الاجتماعية، وتزايد الفجوات بين المواطنين، وضعف الثقة في مؤسسات الدولة، لا تحفز الإحساس بالأمان، ولا تمنعها الأسوار، العكس، فغياب الإحساس بالأمان قد يدعمه أكثر الفصل الطبقي.

في عمان مثلًا، توضح بعض الأبحاث أن انتشار المجتمعات المسوَّرة يدلّ على اختلال أوسع في السياسات السكنية، حيث لم تعد الدولة تخطط لفضاء حضري متكامل، بل تركت القطاع الخاص يقود التوسع نحو مجمعات مغلقة تستفيد من البنية التحتية العامة بينما تحتفظ بخدماتها الخاصة داخل الأسوار. وهذا المنطق يحول الأمن إلى امتياز طبقي، بدلًا من كونه حقًا لكافة المواطنين كما أنه يفاقم من التوترات بين سكان الطبقة المحمية داخل الأسوار وبين سكان باقي الأحياء التقليدية ومنها الأحياء المهمشة وغير الرسمية المحرومة من نفس مستوى الخدمات والحماية.

تسلع الكمباوندات الأمن بدلًا من علاج الجذور الاقتصادية والاجتماعية لانعدامه. وهكذا تعاد كتابة خريطة المدينة على أساس القدرة الشرائية وليس على أساس المواطنة.

تحقق وعد الأمن داخل الكمباوند يظل مرتبطًا بالوضع العام، فإذا بقي هذا الحق ناقصًا أو غير متحقق على نطاق المجتمع ككل، فلن تشعر أي فئة بالأمان الحقيقي، حتى لو أحاطت نفسها بالأسوار ووسائل الحماية كافة.

خرافة الرفاهية وجودة الحياة

تربط الدعاية للكمباوندات بين العيش داخلها، وبين مستوى أعلى من الرفاه وجودة الحياة. في مصر، تُظهِر الإعلانات بكثافة صورًا لحدائق خضراء شاسعة، ومسطحات مائية، ونواد رياضية، ومراكز تجارية ومدارس دولية معبرة عن نمط حياة مرفه وجيد. وفي الخليج، تُضاف إلى هذه الصورة مظاهر مثل حمامات السباحة، وملاعب التنس والجولف، في سياق خطاب عن "حياة صحية وهادئة" بعيدًا عن زحام وضوضاء المدينة.

توفر الكمباوندات بالفعل بنية تحتية أفضل داخل أسوارها، سواء من حيث النظافة أو التنظيم، وتوافر مساحات خضراء، قياسًا إلى الأحياء المزدحمة في المدن التقليدية. إلا أن قياس جودة الحياة لا يقتصر على حدود السور، فحياة المواطنين اليومية مرتبطة أيضًا بالقدرة على الوصول إلى المدينة، إلى أماكن العمل، والجامعات العامة، والخدمات الصحية الحكومية، ووسائل النقل العام، والفضاءات العامة المفتوحة التي تسمح بتشكل حياة مدينية مشتركة.

تحويل الحدائق إلى جزء من مشروع مغلق ببوابة ورسوم وملاك محددين يفقد سكان الأحياء الأخرى فرصة الوصول إلى هذه المساحات

ورغم جودة البنية التحتية داخل المجتمعات المسوَّرة إلى حد ما، فإن الرفاه الموعود يبقى غير متساوٍ بين من يعيش بداخلها ومن يعملون فيها دون إقامة، مثل العمالة المنزلية أو الخدمية ممن يعيشون في أحياء أقل جودة، ويتنقلون يوميًا بين عالمين متجاورين لكن مفصولين، يصبح الرفاه امتيازًا لفئة محددة لا جزءًا من تحسين شامل لظروف العيش في المدينة. 

وهو ما يجعل هذا الرفاه الكامل مستحيلًا في الوقت نفسه، إذ لا يمكن فصل الكمباوندات تمامًا عن البنية التحتية للمدينة التقليدية، كما لا يمكنها الانعزال عن الفئات التي تقدّم لها الخدمات وتعيش في أحياء المدينة المختلفة. وإذا لم تتحسن جودة الحياة لتلك الفئات، فسيظل الرفاه مجرد فقاعة قابلة للانفجار في أي لحظة تنهار فيها المدينة التقليدية أو يمتنع فيها المواطنون من مقدمي الخدمات لهذه المجمعات عن أداء وظائفهم فيها.

 إضافة إلى ذلك، يحذّر باحثون من أن خصخصة الفضاء العام داخل هذه الكمباوندات، من حدائق ومناطق لعب وممرات للمشي تعني تقليصًا لمساحات المجال العام المتاحة لجميع السكان مجانًا. تحويل الحدائق إلى جزء من مشروع مغلق ببوابة ورسوم وملاك محددين، يفقد سكان الأحياء الأخرى فرصة الوصول إلى هذه المساحات، وتتراجع فكرة المدينة المشتركة للجميع لصالح فكرة مجموعة من الملكيات الخاصة المتجاورة.

نحو رؤية بديلة للمدينة والحق في السكن

تكشف التجربة العربية أن الكمباوندات ليست مجرد اختيار سكني، بل توجه عمراني واقتصادي أوسع، يعيد تنظيم المدينة على أساس القدرة على الشراء، لا على أساس الحق في السكن والفضاء العام. في هذا المسار، يعاد توزيع الاستثمار في البنية التحتية والخدمات باتجاه الكمباوندات، بينما تستمر أحياء الطبقات الدنيا والسكن غير الرسمي في المعاناة من ضعف الخدمات، وانعدام المساحات الخضراء، وسوء أوضاع النقل.

من منظور الحق في المدينة، يمكن قراءة هذه الظاهرة جزءًا من خصخصة الفضاء العام وتحويله إلى سلسلة من الأصول العقارية المربحة، بدلًا من كونه فضاءً سياسيًا واجتماعيًا. وانطلاقًا من نقد منطق الأسوار بوصفها حلًا فرديًا وطبقيًا لمعضلة السكن، يصبح من الضروري الالتفات إلى التراث الطويل من أشكال الحيازة المشتركة والتنظيم الجماعي للأرض والسكن في المنطقة، والتي تقدّم تصورًا مختلفًا للحق في المدينة والحق في السكن.

هذه التجارب وما تثيره من تساؤلات حول العدالة في الوصول إلى السكن وحق الأفراد في الأرض، تمكننا من استشراف إمكانات واسعة لإعادة التفكير في مفهوم الحق في السكن خارج إطار الملكية الفردية المطلقة، والدعوة إلى توسيع النقاش حول سياسات السكن لتشمل أنماط التملك والحيازة المستلهمة من تاريخ طويل من التنظيم الجماعي والممارسات المحلية.

هذا إلى جانب توسيع نطاق الخيارات الإسكانية الميسّرة عبر تشجيع إنشاء التعاونيات السكنية ودعم الثقافة التعاونية، بما يعيد الاعتبار لتلك الأطر كوسائل لتعزيز العدالة السكنية، ويفتح الباب أمام نماذج بديلة عن الاستثمار العقاري والملكية الخاصة من أجل بناء مدينة أكثر شمولًا وتشاركية.