28 يناير.. جمرة تخبو بعد توهجٍ
هرمنا وعشنا وشفنا رجوع رجال مبارك
اليوم 28 يناير. في غمضة عين مرَّت 15 سنة على اليوم الأعظم. لا يشبهه حتى يوم زوال حسني مبارك.
تمنَّيتُ أن يكون 28 يناير عنوان الثورة الشعبية، وليس 25 يناير؛ لا لنزاع على حقوق المِلكية مع عيد الشرطة وبسالتها في مواجهة رصاص الاحتلال البريطاني عام 1952، وإنما لأن الأيام الثلاثة السابقة على جمعة الغضب كانت تسخينًا، تمهيدًا نيرانيًّا لشعلة مقدسة تستعصي على الانطفاء والتطويع.
في تلك الأيام الثلاثة كان سقفُ الطموح إصلاحًا لا ثورة. لو أُقيل وزير الداخلية، لو أُعلن حل البرلمان وإعادة الانتخابات، لانتهى الأمر. لكن العناد ولَّد مقاومة طوت الصفحة. وبعد 15 سنة أفقنا على كابوس.
الثورة الضائعة
اليوم 28 يناير. أتفادى الكتابة عن الثورة. أخجل من شعوري بالمشاركة في مسؤولية ما عن إجهاض الحلم. لا أعرف مصدر الخجل، "لا في إيدي سيف ولا تحت مني فرس". أفيق على كابوس رجوع عناصر المشهد، عاد حُكم حسني مبارك من دون مبارك. رجوعَ سوءٍ غير مبارك.
بحكم الغريزة يستبد الضباع بالفريسة، لا زهو ولا شعور بالانتصار، مجرد استحقاق طبيعي. إذا طاردهم وحش أكثر شراسة وأبعدهم، فلا ينسون الهزيمة، ينتظرون لحظة الانقضاض، يتربصون بالطريدة، يستعيدونها استعادة مصحوبة بالتباهي وربما الانتقام.
رجال حسني مبارك، ومثقِّفو جمال مبارك من عرَّابي التوريث، عادوا مكلَّلين بالجوائز والمناصب والأضواء والحفاوة، يتساندون مثل قطع حجارة فتَّتها انفجار.
في برنامج تليفزيوني نشرت ملخصَه "المصري اليوم" في 31 مارس/آذار 2008، قال مصطفى الفقي "الرئيس مبارك وأسرته يعلمون أنني عشت بينهم وولائي لهم".
بعد خلعه، استأسد في برنامجه التليفزيوني، واتهمه بالجهل، وعقوق الوالدين، والشعور بالنقص. وفي الفيلم الوثائقي "التحرير 2011 ـ الطيب والشرس والسياسي" قال الفقي إن مبارك "لم يقرأ كتابًا.. لم يُربَّ سياسيًّا". وفي سيرته "الرواية.. رحلة الزمان والمكان" تنبأ بسقوط النظام بعد السقوط: "النظام أنهى عمره الافتراضي، واستنفد أغراضه تمامًا.. ولم أكن أبدًا مصفقًا للنظام". ومع صعود قوى مضادة للثورة، وتعيينه مديرًا لمكتبة الإسكندرية، عام 2017، تذكَّر وطنية مبارك، وأن له ما له، وعليه ما عليه.
يتأكد توقف الزمن منقوصًا منه مبارك الذي تسعد روحه بعودة رجاله بالتوالي
ليس الفقي وحده. سمعتُ مفيد شهاب في معهد الدراسات القبطية بالكاتدرائية بالعباسية في مايو/أيار 2019 يترحَّم على أيام مبارك، ويراهن على إنصاف التاريخ. عزَّ عليه الصمت في حفل نوعي يرسم فيه الفنان جمال مليكة لوحة لأبو الهول أمام الجمهور.
ولم يكن الوقت يسمح بمناقشة رجل بدأ في منظمة "الشباب الاشتراكي" الناصرية، وانتهى وزيرًا وأمينًا عامًّا مساعدًا في الحزب الوطني. كما عاد إلى المجال العام آخر أمناء الحزب الوطني حسام بدراوي، مسبوقًا بلقب المفكر. بهذه الصفة يُستضاف في الفضائيات فينظِّر، ويُستكتب في الصحف فينظِّر.
أما البرنس فاروق حسني فهو الأذكى. بمؤسسته ومتحفه وجائزته يتأكد توقف الزمن، منقوصًا منه مبارك الذي تسعد روحه بعودة رجاله بالتوالي إلى إدارة مكتبة الإسكندرية وإلى الأضواء، ونيْلهم بالتتابع جائزة مبارك وقد صار اسمها جائزة النيل. كما صارت الثورة في الخطاب الرسمي مؤامرة.
ثورة مضادة
بعد إنهاء حكم الإخوان، تساءل عبد الفتاح السيسي، في برنامج تليفزيوني، عن المانع من وضع 30 يونيو بجوار 25 يناير. للخطاب العاطفي امتداد صاحَب صعود الثورة، فالمشير حسين طنطاوي خاطب الجماهير في التليفزيون أيضًا، وأكد أن الشعب صنع "ثورة عظيمة".
وظل لبيان المجلس الأعلى للقوات المسلحة مفعول طيب، منذ ألقاه اللواء محسن الفنجري، مسجلًا أن "المجلس الأعلى للقوات المسلحة يتوجه بكل التحية والإعزاز لأرواح الشهداء الذين ضحوا بأرواحهم فداء لحرية وأمن بلدهم ولكل أفراد شعبنا العظيم". عند ذكر كلمة "الشهداء" صمت الفنجري صمتًا بليغًا، وأخذ وضع "انتباه"، ورفع يده بالتحية للشهداء، ثم أكمل البيان.
هذا الإصرار على النيْل من يناير يؤكد أنها حقيقة ومخيفة ومرعبة
الرواية تغيَّرت، وتبدَّل الخطاب. أغرقَنا كتبة وساقطو قيد باحثون عن دور في خدمة السادة بمقالات تربط 25 يناير بالفوضى والتآمر، وتُحمِّلها كل جريمة في حق الوطن، وتلقي في سلة يناير خطايا ارتكبها كارهو الثورة. فهل كان للجيش أن يتضامن مع مؤامرة؟
في لحظة براءة، وثَّق دستور 2014 شهادة براءة للثورة، وأنها "فريدة بين الثورات الكبرى في تاريخ الإنسانية... وبحماية جيش الشعب للإرادة الشعبية".
الوثيقة الدستورية لم تردع كارهي الثورة؛ فأطلقوا سهامهم الموجهة، حتى إن عمرو عبد السميع بدا مريضًا بيناير، لا شفاء له إلا بأن يسمِّيها عملية يناير في مقاله اليومي في "الأهرام".
هذا الإصرار على النيْل من يناير يؤكد أنها حقيقة ومخيفة ومرعبة، ولا تنكسر رغم الهزيمة في الجولة الحالية. عظمة يناير ومعناها أنها زرعت الأمل، وفي فترتها الأولى ربَّته وأنضجته. وعلى هذا المعنى نشأ جيل يخشونه؛ لأنه رأى قدرة الثورة على التغيير. مَن كان في السابعة، عام 2011، تخرج الآن في الجامعة، ولا يصيبه يأس صانعي الثورة.
لا أحد يستطيع انتقاد 30 يونيو بكلمة. وذكرى 25 يناير مستباحة. لا تستسلم، وترفض محاولات المحو. اختبرتُ قوة رمزية يناير في يوم كهذا، الأربعاء الرابع من يناير 2017، كان يوافق 25 من الشهر الكريم. استضافتني الفضائية المصرية الأولى، بصحبة البرلماني السابق أستاذ العلوم السياسية جمال زهران، في برنامج مدته 45 دقيقة.
في الدقيقة الأولى قدمَنا المذيع. وفي دقيقتين شرح الدكتور زهران لماذا كانت الثورة ضرورة. وفي دقيقتين قلت إن الثورة ليست قصيدة رومانسية، إنها حالة مستمرة حتى تحقق أهدافها. وأضفتُ أن الشهداء لو عادوا ورأوا سادة الفضاء العمومي سيظنون أن مبارك سيطر على "المظاهرات".
وطالبت بكشف ثلاثة "ألغاز"؛ أولها، حريق مقر الحزب الوطني، وإهمال إطفائه، ثانيها، التحقيقات الخاصة بأمرين: السيارة الدبلوماسية البيضاء التي دهست المتظاهرين، وحقوق نحو 550 شهيدًا في جمعة الغضب أغلبهم استشهد في وسط البلد الخالي من مراكز للشرطة، ثالثها، كانت القوات قادرة على حقن الدماء في موقعة الجمل. يوجد فيديو لتسهيلات رسمية لدخول الهمج ميدان التحرير.
يبدو أنني تكلمت بما لا يرضي إدارة "الكنترول"، فأعلن المذيع انتهاء البرنامج. واعتذر إلينا هو والمخرج. بعدها لم يستضفني التليفزيون.
يد السلطة الخفية
هل تلاعب بنا نظام تظاهر بالهزيمة في جمعة الغضب؟ هل كنا أداة؟ انسحبت الشرطة، واحتفظ الجهاز بكفاءته في إخفاء معتقلين لم يخرجهم إلا قبيل النهاية، كما تابع اتصالات النشطاء، ثم سرَّب مكالمة بين مصطفى النجار ردَّ الله غيبته وعبد الرحمن يوسف القرضاوي فكَّ الله سجنه.
حرائق السنين الأخيرة في عهد مبارك رفضًا للتوريث كانت مدبرة وتحت السيطرة
أحد زملائي، وثيق الصلة، أكَّد لي أنني واهم، أنا وغيري ممن يظنون أنهم أسقطوا مبارك. قال "استخدموكم، كان على هواهم". لو أرادوا منع ذبابة من دخول ميدان التحرير لفعلوا. أرجِّح الآن كلامه بالمقارنة بين حظر للتجول نزل الشعب للفرجة عليه مساء جمعة الغضب، وحظر للتجول لا تهاون معه بعد 3 يوليو 2013.
في كتاب خبَّرني العندليب قال الصديق الغامض للمؤلف عمر قناوي، يوم 26 يناير 2011 "الجيش معاكم، قول يا رب وتكمل على خير". قبل الثورة، كان الرجل الغامض يحدد أماكن الحرائق ومواقيتها.
حرائق السنين الأخيرة في عهد مبارك، رفضًا للتوريث، كانت مدبرة، وتحت السيطرة، كما "خبَّر" العندليب. ذلك التدبير أعادني إلى شهادة خالد محيي الدين في كتابه .. والآن أتكلم على أزمة مارس 1954 والصراع بين الثورة والديمقراطية وعودة الحياة النيابية، والاستعانة بحشود شعبية لدعم الثورة. آنذاك سرت "أقاويل" حول إضراب لعمال النقل تحرض عليه السلطة، "وتنظمه، وتموله". قال له جمال عبد الناصر "بصراحة نادرة"، إن ذلك كلفه أربعة آلاف جنيه.
لا أطمئن إلى أحاديث الآحاد، ومنها رواية محيي الدين. وفي مذكراته مرارة تجاه عبد الناصر. لكن مدَّ الخط يفيد. في عام 1999 نشر المجلس الأعلى للثقافة ترجمة كتاب حروب المياه تأليف جون بولوك وعادل درويش، ويتضمن شروعًا في محاولتي انقلاب، رفضًا لاستعداد السادات خلال مباحثات كامب ديفيد أن يمدَّ إسرائيل بمياه النيل.
محاولة الانقلاب الأولى تضمنت البدء بتحرك قوى المعارضة والنقابات، يليها نزول الجيش "إلى الشوارع متظاهرًا بأنه يحافظ على الأمن.. وكان سيتم القبض على السادات، وكانت إشارة البدء، هي أي إعلان عن اتفاقية مع إسرائيل تتضمن مياه النيل". وفشلت الخطة لسبب درامي يخصُّ الغطاء الشرعي.
قام ضابطان بإبلاغ كمال أحمد؛ للتنسيق معه لتبني الانقلاب في البرلمان. وخشي الرجل أن يكون مستهدَفًا، فأبلغ عنهما. بحسن نية فعلها البرلماني الناصري. وبسوء نية فشلت الثورة.
في السعار على السلطة، يستوي اليمين الديني ويسار يجب أن يُختبر. مرشحو اليسار، أبو العز الحريري وحمدين صباحي وخالد علي وهشام البسطويسي، رفضوا التنازل لأحدهم مرشحًا الثورة. تجاهلوا بيان "قبل فوات الأوان.. نداء إلى مرشحي اليسار والديمقراطية الأربعة"، وقد كتبه أحمد الخميسي متوقعًا "فوز ممثل الرئيس المخلوع، أو ممثل التيار الرجعي، وفي هذه الحال نحملكم المسؤولية". سقط الأربعة. للمرة الأولى والأخيرة أنتخب رئيسًا. ندمت على التصويت لخالد علي.
الأربعة خسروا الأهم من الرئاسة. خسروا الثقة، خذلوا شعبًا فاجأته بئر نابليونية عمقها يزيد على خمسين سنة. بطل روايتي 2067 يتوقع إعادة "جمعة الغضب" يوم 28 يناير 2067.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.