تصوير إيناس مرزوق، المنصة
المطربة اللبنانية ريما خشيش، مقر المنصة بالمعادي، القاهرة، 28 ديسمبر 2025.

حوار| ريما خشيش: ما بغنَّي إلا اللي بيشبهني

منشور الأحد 18 كانون الثاني/يناير 2026

استقبلناها في حديقتنا الخلفية بمقر المنصة في المعادي. اقتنصنا ساعةً من رحلتها القصيرة إلى القاهرة التي تزورها كلَّ شتاء لأن "ليها مكانة خاصة في قلبي". ابتسامتها لم تفارقها طوال مدة حوارنا، ربما كانت نابعةً من سعادتها بالحديث عن شغفها بالحياة، عن الموسيقى المفضلة ونجومها الذين ينيرون لها طريق الفن، عن اللعبة التي تُفضِّل أن تنشغل بها "الغنا هو اللعب لإلي". إذ كانت تقضي وقتها وهي طفلة تحفظ الأغاني القديمة، فيما تفكر أنها لو كانت آلةً لاختارت أن تكون رِقًّا؛ آلة شرقية تحمل ما تقوله عن اللعب بالموسيقى، وتجمع بين التراثي الصارم والمنفلت. 

تبدو ريما وكأنها هاربة من لوحة لتخت شرقي قديم، أو ابنة زمن آخر. فهي المغرمة بـزكريا أحمد وتتمنى لو أتيحت لها فرصة العودة بالزمن لتلتقيه مع "حبيبي محمد عبد الوهاب. قابلته فعلًا. كنت محظوظة إني اتعرفت عليه". وعند سؤالها إذا ما كانت ستُقدِّم ألبومًا من ألحانه أجابت "ما رح سجل شي لعبد الوهاب إذا ما بده يضيف شي"، قبل أن تستدرك "صعب حدا يضيف على عبد الوهاب". 

اكتشفت أنها أحبَّت زكريا أحمد قبل أن تدرك "من أنا وصغيرة كان بدي غني مثلًا أغنية بحفلة، نقِّي واحدة، تطلع ألحان زكريا بلا ما أعرف إنه هيدا زكريا. تسجيلاته مثلًا أنا في انتظارك، وأهل الهوى يا ليل بصوته يعني بحب كيف بيغني وتعلّمت منه".

تتجلى بساطتها في ميلها لتقديم أعمالها بعدد محدود من الآلات الموسيقية، فتظهر على المسرح بصحبة ثلاثة عازفين رافقوها طوال عشرين عامًا، بما يتيح لصوتها أن يظل في الصدارة، واضحًا ومضاءً عليه.

طفلة تلهو 

بدأت رحلة ريما مع الموسيقى مبكرًا جدًا، ابنةُ عازفِ قانون التقطت أذنها النغم قبل الكلام، فاحترفت الغناء في الثامنة "أول شي بلّشت (بدأت) ببرنامج هواة على تليفزيون لبنان، وبعدين كورال الأطفال فرقة سليم سحاب وبعدين فرقة بيروت". كانت بدايتها مع الموشحات، أول ما غنت كان موشح "أنت المدلل" لـكامل الخلعي وربما هو ما حدد بعد ذلك طريقها، تقول "كنت بغني موشح في الفرقة صولو لكن كنت بحفظ كل الموشحات اللي بتتقدم"، الفرق التي انتمت إليها صغيرة كانت تغني جميع قوالب الغناء القديمة، مؤكدة "هيدا الشي ساعدني كتير بعدين ما كنت أعرف قيمته أنا وصغيرة".

ترى المطربة اللبنانية أنها تأخرت حتى سجلت أول ألبوماتها، "أول ألبوم كان قطار الشرق بالـ2002 هيدا تأخير إنه تأخرت لسجِّل، وكان تسجيل لحفلة لايف، لكن أول ألبوم تسجيل ستديو هو يلاللي بالـ2006". 

من وقتها، حافظت ريما على إيقاع ثابت لإصدار ألبوماتها 4 سنوات بين كل إصدار والذي يليه، وهو ما أثار ملاحظتنا إذ انقطت 6 سنوات قبل إصدار ألبومها الأخير يا من إذا، تحيَّتها إلى الموسيقار فؤاد عبد المجيد. لكنها صححت لنا "أنا نزلت ألبوم بالـ2019 يلي هو كان اسمه ياليت.. Ombre de mon amant بس هيدا الألبوم نزل وصار كل شي فيه مصايب بلبنان. كل المصايب مع كورونا مع كل شي فهيدا الألبوم ما قدّمت فيه كتير حفلات". استغرق منها الألبوم الأخير لتحضيره عامين، وسجلته live على مدار يومين. 

السير على حبل التراث

تحرص المطربة اللبنانية على توضيح شكل التراث الذي تغنيه، فهي تضيف إليه بُعدًا عصريًا "ما عندي مشكلة كُون مطربة للتراث، بس كيف عم قدمو للتراث" خاصة وأن الكفة في مسيرتها الفنية تميل لصالح الأغاني التراثية. تقول "بحب يكون عندي أغاني خاصة، بس بالنسبة لمسيرتي هو أقل. يعني تقديمي للتراث هو أكتر بكتير من تقديمي للأغاني الخاصة الجديدة اللي إلي". 

تضعها رغبتها في تقديم أغانٍ خاصة بها أمام صعوبة بالغة، "بحس إنه هيدا أصعب. تلاقي كلام ولحن جديد يقنعني ويبسطني ع قد ما بيقنعني ويبسطني تقديم التراث". تحرص ريما على ألَّا تقدم ما لا يشبهها "يعني هيدا الإحساس إنه ما بيشبهني ما بعملو، يعني الأغاني اللي عملتُن هِني كمان بيشبهوني". وتضيف أن ذلك شرط تقديمها لأغاني التراث كذلك "قدمت الأشياء اللي بحبها".

التراث هو المساحة التي تمارس فيها لعبتها المفضلة شريطة ألَّا نؤذيه "يعني أنا القاعدة عندي إن ما غيِّر بروح العمل يعني ما غيِّر بالمقام الإيقاع اللي هما بالأساس اللحن. بس بقدر إلعب فيه يعني بقدر أعمل موشح منيتي عز اصطباري لسيد درويش مع الدرامز. أو لاهٍ تياهٍ مع base يلي هو مَنَّا آلة تقليدية اللي بترافق الغنا العربي ولا الموشح بس إنو ما عندي مشكل طالما إنو قانعني.. يعني ليش لأ". 

توافق الفنانة على أن الموسيقى العربية أو الشرقية صارمة جدًا، لكن خبرتها الممتدة على مدار عقود في اللعب مع الأغاني بأكثر قوالبها جمودًا مثل الدور تمنحها القدرة على التعامل معها "بلا ما غيِّر الفورم تبع الدور لأني هالقد مشبعة بالتراث وبعرفو وحس أنه بقدر إسمح لحالي إنو قدمو بطريقة مختلفة بلا ما إئذيه أو بلا ما إنزعو". 

ولهذا تسير ريما على حبل تحاول التوازن عليه، فهي تُقدِّم أعمالها برفقة موسيقيين أجانب، تتحدث عن قدرتهم على استيعاب هذا الفن التراثي المغرق في الشرقية قائلةً "أول شي يعني أنا محظوظة إنو التقيت فيهن وهنن موسيقيين كتير شاطرين، تاني شي صار لي 20 سنة أو أكتر أنا وياهن وكل شي باخد إلهن ليرافقوني فيه هو تقيل صعب أيوه فهنن تعودوا".

لكن أهم ما تراه يميزهم كموسيقيين، ما أسمته بالحساسية للموسيقى، وهي قدرة أو موهبة لا يمكن اكتسابها "بيتذوقوا الموسيقى العربية وبيحسوا فيها حتى لو اللغة ما بيعرفوها". توضح "الموشحات يعني فيه ناس بيحكوا عربي ما بيفهموا" ولهذا تحتاج إلى أن تشرح كلماتها للموسيقيين ليعرفوا معنى كلمات الموشح. 

تقدير مؤجل 

وهي في الثالثة عشر من عمرها زارت ريما القاهرة للمرة الأولى. هناك غنّت على مسرح سيد درويش مع فرقة أم كلثوم. حضر ذلك الحفل الموسيقار فؤاد عبد المجيد ثم دعاهم بعده إلى "سهرة ببيته، وكانت لإلي سحر، يعني انسحرت لأنه هيدي السهرة كانت عبارة عن كاسيت صغير وصديقه حمادة مدكور على العود كان دايمًا يرافقه وعم يغني السهرة ما حكينا يعني ما كان فيها حكي كان فيها غنى بس".

ترك الموسيقار الذي توفي عام 1994 في نفس ريما ذكرى تسبق حتى لقاءهما "كِنا بنغني أغانيه ونحنا أطفال بالكورال وأكثر شي انبسط بالموشحات، ألحانه يعني يا غريب الدار و لاهٍ تياه ويا من نشا حبه في الحشا". وتضيف "فيه شي خاص بذاكرتي وبطفولتي. بحس إنه هيدا الملحن عظيم و ما أخد حقه وهو من آخر الناس يشتغلوا على قالب الموشح وهو مش هين أبدًا وعمل موشحات عصرية يعني كتير flexible (مرنة) تقدر تلعب فيها". 

لذلك "من زمان بدي أعمله تحية وهلأ إجا وقته"، في إشارة إلى "يا من إذا"، الذي تقول إن ثلاثة أرباع موشحاته مأخوذة من هذه السهرة، سمعت الموشحات منه مباشرة على العود واحتفظت بنسخة من التسجيل. ولمعرفتها بأن مطربين مثل عفاف راضي قدموا ألحان موشحاته بتوزيعات أخرى "جربت ما إسمع لأنه ما كان بدي تأثير عليي قبل ما نقدمهم نحنا". 

جعلها ذلك قادرة على توزيع ألحان تلك السهرة دون دون التأثر بمشروعات سابقة "أنا مشروعي مع الـ base player توني أوفرووتر من زمان، ومارتن أورنشتاين للكلارينت. هنن إذا بدك عيلتي الموسيقية. والـ drummer يوست ليبارد، فهَودي التلاتة هن رافقوني بكل مشاريعي وبهيدا الألبوم بالذات حسيت إنو بدنا بيانو، كانت أول مرة بيكون معي بيانو بألبوم فالعنصر الجديد هو بيانيس، ياللي هو إسباني و عمره 21 سنة، بعده تلميذ بالكونسرفتوار".

تؤمن ريما أن التراث ليس هو الآلات، وتدافع عن تجنبها الآلات الشرقية في إعادتها لغناء قالب شرقي أصيل مثل الموشحات بأن المسألة تتعلق بالذوق، وتضيف "لما تقدم تراث بطريقة مختلفة، تأخذ ريسك إنن يحبوا أو ما يحبوا ويقارنوا" قد لا يستسيغه المستمعون المعتادون عليه بالطريقة التقليدية، ضاربة المثل بألبوم "إلى عاصي" الذي قدمه زياد رحباني مع فيروز وأعادوا فيه توزيع أغنيات عاصي الرحباني، "فيه جمهور لفيروز ما حبوه وقارنوه بالأغاني القديمة وحسوا إن القديم أحلى".

في هذه المعادلة الصعبة تضمن ريما استعداد الجمهور الذي يحب اللون الذي تقدمه للمغامرة معها، لكنها تأمل أيضًا في جذب جمهور جديد من بوابة الموسيقى الغربية، إلى فن الموشحات والغناء القديم.

سؤال الجمهور والشهرة لا يقف عند حدود مسيرتها ولكنه حاضر في قاعة الدرس التي تُدرِّس فيها الموسيقى في الجامعة الأمريكية ببيروت. الطلاب "بيفكروا إنه اللي بيغنى أسرع شي بينشهر وبطلع مصاري لأنه بيتطلعوا بالنماذج الموجودة دايمًا فبيفكروا إنه هيدا أسهل شيء"، إضافة إلى البرامج التي تُخرِج نجومًا في 3 أشهر. فالغناء يتطلب أن "يشتغل واحد على حاله هذا شي كثير أساسي لأنه الموهبة عندها سقف بتوصل عليه ما بتتطور فالموهبة بدها دراسة لحتى تقدر تطور حالك".

كما تمارس هوايتها في تسليط الضوء على التراث من خلال منهج تاريخ الموسيقى الذي تدرسه، "بيكتشفوا إنه نحنا عنا موسيقيتنا كتير حلوة وعنا تراث كتير حلو وهيدا الشي بيسعدني". 

ترى أستاذة الموسيقى أن الموسيقى العربية شهدت عصورًا ذهبية، لكنها انحدرت بشكل كبير "مش بس بالموسيقى بكل شي"، لكنها أيضًا متفائلة بصعودها مرة أخرى. 

نظرًا لكونها مُدرِّسة في الجامعة، فهي إنسانة صباحية، حريصة على ممارسة الرياضة، تؤكد "زي صباح كانت تصحى بدري وتنتبه ع صحتها وما بتدخن. يعني صباح بعكس الصورة عنها". هذه المحبة والتشبه بصباح ريما هو ما دفعها إلى إهدائها ألبوم "من سحر عيونك"، الذي تقول عن اختيارها لأغانيه "نقيت صباح اللي بتشبهني يعني الأغاني اللي أنا بحس حالي فيها". 

ترى في القاهرة المكان الثاني على قائمة الأماكن التي تفضل الغناء فيها بعد لبنان بلدها، "أنا ربيانة على المدرسة المصرية وبحس حالي نص مصرية". لكنها لم تُغنِّ هنا منذ 2017، وتتمنى -مثل جمهورها- أن تكون لها عودة فنية قريبة.