Pixabay
لافتة لإردوغان كتب عليها بالتركية "تقدم"

ممارسات القوة التركية في سوريا والعراق

منشور السبت 15 مارس 2025

لا يمكن فهم التدخل التركي في سوريا بعيدًا عن تصور أنقرة لما تعتبره "مجالها الحيوي" أو ما يعتبره بعض الجالسين في مقاعد التاريخ "الفناء الخلفي" أو "الحديقة الخلفية" للإمبراطورية العثمانية، التي تحوَّلت في آخر أيامها إلى رجل أوروبا المريض، قبل أن تسقط لتنشأ تركيا الحديثة على بعض أنقاضها.

إدراك كل هذا ربما يدلنا عليه مفكر وسياسي بارز هو وزير الخارجية التركي الأسبق أحمد داود أوغلو، حين ناقش في كتابه اللافت العمق الاستراتيجي.. موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية، موضوع المجال الحيوي لبلاده، دون أن يسمّيه باسمه، بل أطلق عليه، ومن باب المداراة أو المواربة، "الأحزمة الجيوستراتيجية"، التي تختلف لديه عن مفهوم الحدود الفاصلة. وتحدث أيضًا عن "قوة مركزية تريد الانفتاح على الساحات الخارجية، وتشكِّل آفاقًا وخطوطًا أمامية جديدة لها"، واقترب أكثر من نظرية المجال الحيوي بحديثه عن "العمق الجغرافي"، وإن كان قد خفف منها بتصور حول "الساحة الاستراتيجية التي يجري عليها التأثير المتبادل".

وتجاوز أوغلو في تصوره هذا التعامل التقليدي مع تركيا بوصفها جسرًا يربط الشرق بالغرب، وهي المسألة التي اعتمدت عليها أنقرة في تسويق نفسها للاتحاد الأوروبي، إلى جانب النظر إليها كجدار سميك أمام المد الشيوعي خلال حقبة الحرب الباردة. استغل الوزير الأسبق هويتها المركبة المبنية على أساس الثقافة والدين واللغة والتاريخ والتجربة السياسية، في نقل وجودها من الهوامش والتخوم السياسية إلى المتن أو المركز، ومن خدمة الآخرين إلى تحري مصالحها البحتة في محيطها الإقليمي، المتمثل في العالم العربي وآسيا الوسطى والبلقان، الذي يمثل بناءً على إرث الإمبراطورية العثمانية مجالًا حيويًا لها.

لكن في كتابه الصادر عام 2001، يشكّل أوغلو مفتاحًا لفهم منطق تركيا وهي تمدد نفوذها في العراق وسوريا اليوم، فيصيغ مبادئ "المجال الحيوي" بطريقة مختلفة، على الأقل من الناحية النظرية، مجملًا إياها في تصفير المشكلات مع دول الجوار، والتوازن الدقيق بين الحرية والأمن، وامتلاك آلية تأثير في المحيط الإقليمي، وانتهاج سياسة خارجية متعددة الأبعاد تمزج بين السياسي والاقتصادي والأمني والثقافي، واتباع دبلوماسية متناغمة، والانتقال من دور القوة الإقليمية إلى القوة العالمية التي تمتلك مشروعًا حضاريًا، تستفيد منه أوروبا والعالم الإسلامي على حد سواء، ويتكئ في جوهره على بناء علاقات إقليمية تقوم على الاحترام المتبادل، والحوار، والتعاون الاقتصادي، وحلّ الخلافات بالطرق السلمية، واستيعاب التنوع العرقي والديني.

لم تتصرف تركيا وفق معادلة "التأثير المتبادل" إنما نظرت إلى محيطها على أنه مجال لممارسة قوتها

وما كان لأوغلو أن يفكر في هذا الاتجاه لولا إدراكه أن هناك فراغًا هائلًا في القوة يحيط بتركيا من جهات ثلاث. كان هذا الفراغ مملوءًا من قبل بالقدرات الهائلة التي امتلكتها الخلافات الأموية والعباسية والعثمانية. ومع استحالة استعادة ما كان للأمويين والعباسيين، فبوسع تركيا الحديثة أن تبني على الإرث المعنوي للدولة العثمانية المتمثل في الدين حيال العالم العربي والبلقان، والعرق بخصوص التركمان الممتدين في آسيا الوسطى حتى داخل الصين متمثلًا في مسلمي الإيجور، والإرث المادي الذي يتمحور حول الخبرة التركية في السياسة والعسكرية والتنظيم.

وإذا كانت نظم الحكم القومية التي نشأت في العالم العربي عقب رحيل الاستعمار الإنجليزي والفرنسي ملأت الفراغ عقودًا من الزمن، نازعةً إلى ضرورة قطع الأواصر التاريخية بين العرب والعثمانيين، فإن هذه النظم تزعزت الآن على مستوى الأفكار والوجود المادي، وليس من الحصافة أن تظل تركيا متمسكةً بالنزعة القومية التي بناها مصطفى كمال أتاتورك، وكانت تقوم على أن السبيل الوحيد لنهضة البلاد وتحديثها هو التخلص من التراكم الثقافي الإسلامي العربي الذي تأثرت به الإمبراطورية العثمانية.

باتت الفرصة، وفق أوغلو، متاحة أمام تركيا لمد علاقات وثيقة مع الدول التي كانت جزءًا من الإمبراطورية العثمانية، لا لتعود تابعة لها، فهذا أمر غاية في الصعوبة، لكن ليقوى النفوذ التركي في هذه الدول، بما يفتح لأنقرة بابًا لحيازة مزيد من القوة والمكانة، عبر تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية.

لكن تركيا لم تتصرف وفق معادلة "الساحة الاستراتيجية ذات التأثير المتبادل" إنما نظرت إلى محيطها على أنه مجال لممارسة قوتها، واستعادة مجد العثمانيين. فأوغلو نفسه، لم يلبث أن استُبعد، وصارت توجهات الرئيس التركي رجب طيب إردوغان هي المطبَّقة على أرض الواقع، فوجدنا الجيش التركي يتوغل في العراق غير مرة لضرب الأكراد، ويتدخل في سوريا ويحتل جزءًا من أرضها، ويساعد بكل قوة أذربيجان في حربها ضد أرمينيا، ويبحر إلى ليبيا ليبني تحالفًا مع حكومتها ويضع قواعد عسكرية على أرضها، ويحاول بناء قاعدة عسكرية في السودان، ويرسل قوات إلى قطر أيام خلافها مع بعض دول الخليج، ويهدد اليونان وقبرص في إطار التنافس المحموم على الغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط.

ولعل التجربة الآذرية هي الأسرع في الحكم على تطبيق إردوغان لسياسة المجال الحيوي، فالرئيس الأذربيجاني إلهام علييف أبدى اعتراضه على تحويل بلاده إلى مجرد تابع يدور في فلك تركيا، بعدما لاحظ أن عملية الاندماج بين البلدين تحوّلت بالفعل إلى عملية ابتلاع تركيا لأذربيجان. تستخدم الأولى الثانيةَ سوقًا للسلع، وتحصل منها على الغاز الطبيعي بأسعار زهيدة، فيما راح الجزء الناطق بالتركية من السوشيال ميديا ووسائل الإعلام، تطلق على أذربيجان غالبًا الأخ الأصغر، غير القادر على فعل أي شيء من دون أنقرة، وتتحدث عن تفوق الأمة التركية على محيطها.

لكن تركيا لا تقتصر في كل هذا على موضوع "المجال الحيوي" بشقيه الحقيقي والمتوهم، إنما أيضًا ما يقتضيه أمنها القومي، الذي يمس هنا بالأساس القضية الكردية، حيث لن تقبل أنقرة باستقلال أكراد سوريا، ولهذا ستظل يدها في أرض الشام لضمان عدم حدوث هذا، خوفًا على مستقبل الدولة التركية نفسها، الذي شكل الأكراد معضلة تاريخية له.

ولا تجد تركيا مشكلة كبرى في هذا التوجه، بسبب شعورها بفائض قوة قياسًا إلى الدولتين العربيتين المجاورتين لها؛ سوريا والعراق، ولذا ترى الأتراك يتحركون بخفة وارتياح وثقة في أرض عربية، سواء كان الدافع هو الانسياق وراء تصور المجال الحيوي أو حفظ الأمن القومي التركي.