تصميم أحمد بلال، المنصة 2025
الكاتبة والناقدة اعتدال عثمان

اعتدال عثمان "في بهاء الكتابة"

النقد أنشودةً في مديح الإبداع

منشور الأربعاء 26 فبراير 2025

في بداية 2002، فاجأتنا اعتدال عثمان بالشروع في السفر للتدريس بإحدى جامعات الإمارات. فريق تحرير مجلة سطور محدود العدد. رئيسة مجلس الإدارة الدكتورة فاطمة نصر، ورئيسة التحرير اعتدال عثمان، جعلتاني أُفضّل قيادة المرأة. رئاسة بشياكة الليدي، أناقة تتحلى بالكلام القليل، قليل إلى حدّ الصمت أحيانًا مع ابتسامة محسوبة. وبعد الألفة والاطمئنان إلى زوال الالتباسات قد تقول اعتدال نكتة، ونادرًا ما تلقي نكتة غير بريئة، ونضحك على النكتة وإعجابًا بالبراءة معًا. هي آخر من يغادر، ما دام العمل يستدعي، وهو دائمًا يستدعي. ونحن في هيئة التحرير نعوّل على نشاطها وهمّتها؛ لستر التراخي والكسل. ما نتركه لليوم التالي تسهر لإنجازه، هكذا تضعني في حرج يجبرني على مجاراتها.

بعد نحو عشر سنوات عادت، بالدأب نفسه، كأنها لم تغادر. حملَت تهنئتي لها بالعودة لهجة الفرح بمدّ جسر الكلام، فأكملنا حوارًا كأنه بدأ بالأمس. وقلت إنني كنت خائفًا، فأشارت إلى رأسها "هل تغيّر هنا شيء؟". خوفي لا يحتاج إلى الإجابة بالنفي، فتجربتها في السفر أرفع التمثيلات النادرة للوفاء للوعي. توالت الأنشطة والدراسات بهمة وإيقاع أسرع. وفي عام 2016 زارتني في مجلة الهلال. قالت بمجرد دخولها "إنتَ قاعد مكان سلامة موسى". لم تذكر من رؤساء التحرير السابقين إلا سلامة موسى الذي أحبه. لكن صيغة الجملة، كما عهدتُ صاحبتَها، لا تزال موجزة ودقيقة. لم أسأل: هل الجملة تقرير أمْ سؤال؟

أعطتني للنشر في سلسلة كتاب الهلال عملًا في نقد الرواية العربية، عنوانه السفر إلى ممالك الخيال. خيّل إليّ، بخداع بصري، أن العنوان "السفر إلى ممالك اعتدال!". فرحت باحتفاظها باللياقة والطزاجة، وتذكرت قولها الذي صاغته سؤالًا: هل تغيّر هنا شيء؟ كان الكتاب، على كبر حجمه، محاولة منها للقاء الناقدة في داخلها، بعد مسيرة نقدية تتعطل أحيانًا بالعمل وبالسفر، وقبل هذا وبعده بالكتابة الإبداعية. وقد نُشِرت أولى دراساتها عام 1982 في مجلة فصول، ولا تزال ترى النقد عملية إبداعية، تبدأ من النص الأدبي، تحاوره وتعيد اكتشافه. هكذا بدأتْ كتاب "السفر إلى ممالك الخيال"، هكذا بدأتْ كتاب في بهاء الكتابة.

في حضرة محفوظ

نجيب محفوظ

كتاب في بهاء الكتابة أصدرته الهيئة العامة للكتاب في 450 صفحة نهاية عام 2024. كأنها أرادت نشر ما لديها من مواد، في جردة جريئة صنعت لكل فصل سياقًا. في عنوان الكتاب تدلّ "الكتابة" على الإبداع عمومًا؛ الروائي والقصصي والفكري والترجمة. للكبار في الكتاب أنصبة مستحقة، تكافئ إبداعهم، وفي مقدمتهم نجيب محفوظ ويحيى حقي وإدوار الخراط. والبداية في حضرة محفوظ، بمدخل عن خصائص أدبه، وقراءة نقدية لمجموعة قصصية عنوانها همس النجوم، نشرتها دار الساقي عام 2019 بمقدمة لمحمد شعير. هذه المجموعة لم تصادفني لمحفوظ. وتصفها بأنها "بانوراما مكثفة للحارة المصرية بإيحاءاتها الرمزية، المشحونة بالدلالات في حكايات ملهَمة".

لم تتوقف المؤلفة كثيرًا أمام مشروعية نشر قصص عزف صاحبها عن نشرها في كتاب. القصص كتبها محفوظ عامي 1993 و1994، أي قبل محاولة اغتياله، ولعله لم يرضَ عنها، إذ نشر عام 2005 في مجلة نصف الدنيا أيضًا نصوصًا منها الدفعة الأولى من أحلام فترة النقاهة بمقدمة لسناء البيسي، تناشده أن يكتب، "فمن غيرك يحلم ويكتب.. اكتب نقرأ.. احلم نقرأ".

قد يتجاوز الكاتب أعمالًا نشرها في صحف ومجلات، يراها تمرينًا على الكتابة، تدريبًا مكانه الورشة لا المعرض/الكتاب. أثيرت هذه القضية عند نشر القصائد الأولى لأمل دنقل. كما أهمل يوسف إدريس قصصًا منشورة، لم تضمها مجموعته الأولى أرخص ليالي عام 1954. ذكر سليمان فياض، في كتاب النميمة، أنه استأذن إدريس في نشر 11 قصة تسبق مجموعته الأولى، "فقال لي واجمًا من مداعبتي الثقيلة: أنت فعلًا شرير، أدبحك بسكينة تلمة في ميدان التحرير". ويعلق سليمان: لم يكن بين قصصه الأولى ما ينبئ أو يبشر بميلاد القاص المدهش يوسف إدريس.

قبل أحلام فترة النقاهة أصدرت مكتبة مصر، ناشر محفوظ منذ البدايات، مجموعتَي صدى النسيان (1999) وفتوة العطوف (2001)، انتقاء مما أهمله في مجموعته الأولى همس الجنون (1948). انفعل فاروق عبد القادر، وكتب في مجلة المصور، في 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2001، دراسة طويلة عنوانها "نجيب محفوظ: اعتصار النبع حتى القطرة الأخيرة"، منتقدًا "الطابع التجاري" لنشر قصص "أسقطها نجيب محفوظ من حسابه". عبد القادر، وريث يحيى حقي في أناقة كتابة المقال الأدبي، انتقد اختيار عنوان "فتوة العطوف"، رآه "نابيًا تمامًا" عن العناوين التي اختارها محفوظ لأعماله.

صديقة النص

قيل إن المتنبي "ملأ الدنيا وشغل الناس"، وبعده ينطبق الوصف تمامًا على محفوظ، إنه العائش في السرد. هذا عنوان كتاب للناقد رضا عطية يتساءل في مقدمته: ماذا يبقى من محفوظ؟ وتجيب اعتدال عثمان بأن النص المحفوظي ينطوي على تأويلات لا تنفد، تتجدد وتتعدد بتعدد القراء. لكن سطوة محفوظ وحضوره لا يمنعانها أن ترى خريطة الإبداع العربي، فجاء كتابها لوحة جدارية يتجاور فيها رموز النقد الأدبي وصفوة المبدعين، من أجيال وتيارات مختلفة. واعتدال عثمان تجمع الحسنيين، بإسهاماتها النقدية والإبداعية، وهي تحنو على النصوص، تكتشف جمالياتها وتقرّبها إلى القارئ، يحكمها معيار الجمال، ففي قراءاتها لسيرة الشاعر الأمريكي تشارلز سيميك ذبابة في الحساء، ترجمة إيمان مرسال، تنحاز إلى الحقيقة السردية، "حين تصبح الكتابة حالة سردية"، فطبيعة العملية الإبداعية تخرج عن تقديم الحقائق بمعناها الواقعي.

رغم عُمْرٍ حافل بالقراءة فإن الإبداع لا يزال يُدهِش اعتدال عثمان

يضم كتاب "في بهاء الكتابة" ستة أبواب: في حضرة نجيب محفوظ، في محبة السرد.. قراءات في الرواية والقصة، في أسئلة الكتابة.. علامات، في الرحيل.. هوامش، في نور النقد.. ومضات، في بحار الترجمة.. إشارات. كتابة يحكمها معياران؛ أولهما أن المؤلفة حسمت اختياراتها، فلا تبالي بمكسب أو خسارة. لا تريد أكثر من مشاركة القارئ ولعها بالمعرفة والجمال. والمعيار الثاني هو إبراز القيمة الحقيقية لنصوص تجيد الإنصات إليها للتعرف على أسرارها، "رغبة في أن يحقق النص المنقود أقصى غاياته في الإمتاع والمؤانسة، وتنبيه الوعي أيضًا".

تنصت إلى النص الأدبي فيتماهى معه النص النقدي. تبدأ كلامها عن يحيى حقي بكلمات قليلة، دقيقة وموحية، حتى إنني ظننت الاقتباس ليحيى حقي. تقول "الكتب مثل الأصحاب، آنس إليها وأئتنس بها، أحفظ العزيز منها على مقربة لأعود إليه كل حين". تستشهد بكتاب عطر الأحباب، وفيه يقول حقي إن الكتب المحببة ومؤلفيها "أهل بيتي هذا لم يسكنوه إلا لأنني أحببتهم واحدًا واحدًا. جذبني فيهم الإنسان قبل الفنان. لم أتحدث عنهم حديث ناقد، بل حديث صديق. يسعدني أنهم اجتمعوا تحت سقف بيتي، وأنني فيما أرجو وفيت لبعضهم بحق كان منسيًا".

اعتدال عثمان أيضًا تردّ تحية مؤلفين أحبَّت أعمالَهم بالإضاءة النقدية، كما استعادت جهود كل من إدوارد سعيد ورضوى عاشور وإبراهيم فتحي وسيد البحراوي وإلياس فركوح وعبد الحكيم قاسم وبهاء طاهر وسيزا قاسم ومحمد البساطي وسعيد الكفراوي وجمال الغيطاني ونوال السعداوي ويوسف إدريس وزكي نجيب محمود في كتابه "أرض مصر وأهلها" وقد ألّفه بالإنجليزية، ونشر في الولايات المتحدة عام 1956، أثناء عمله أستاذًا زائرًا بجامعة كولومبيا.

كما تُقدِّم يحيى حقي مترجمًا لكتاب القاهرة تأليف ديزموند ستيوارت. حقي، كبير العارفين والمعبرين عن الروح المصرية، يعترف بأن مؤلف كتاب القاهرة أقدر على الرؤية من المصري الذي توهن الألفة حواسه "أشهد أن ديزموند ستيوارت أراني لأول مرة أشياء كان يقع عليها بصري من قبل ولا أنتبه لها". ولا تكتفي المؤلفة باستعراض الكتاب، فتقول: يحيى حقي لا يزال ينبهنا إلى أن "أُلفة القبح" لا تليق بمدينتنا العريقة.

رغم عُمْرٍ حافل بالقراءة، فإن الإبداع لا يزال يُدهِش اعتدال عثمان، ويدعوها إلى متابعة الجديد الساعي، بالحيل السردية، إلى "خلخلة مضمرة للأنظمة المعرفية التي لم تعد صالحة لتفسير الحاضر أو تهيئة جيل الشباب لمواجهة المستقبل". الحيل السردية تتمرد على البلاغة التقليدية، وتنفتح على تقنيات بصرية وتشكيلية. لكنها تتحفّظ على ما تراه التباسًا وتشوّشًا في الرؤية، وتعمّد الإلغاز، فيصعب "تبين دلالة كلية للنص، لا تبدو مبهمة فحسب، بل إنها تكاد تستعصي على التأويل".

أخشى أن يحمل هذا الحذر شيئًا من فرض الوصاية، فلا دلالة كلية لأي نص. ما تظهر دلالاته النهائية نصٌّ أحادي، مؤقت. أما التأويل فيتعدد، وقد ينطوي النص على تأويل لا يعيه كاتبه ومعاصروه، ويكتشفه قارئ في زمن لاحق.

بهذا الكتاب تظل اعتدال عثمان ضميرًا دالًا على يقظة النقد، بمحبة ونزاهة وإنصاف تجعل من كل عمل أدبي فردًا من أهلها.