تصوير وائل اسكندر، بإذن خاص لـ المنصة
متظاهرة ألمانية ترفع لافتة "أشعر بالخزي كوني ألمانية، اليوم أنا فلسطينية"، مظاهرة في برلين، 23 ديسمبر 2023

لماذا لا يقاوم الألمان الإبادة الجماعية؟

منشور الخميس 30 مايو 2024

قد يتساءل من يراقب الوضع في ألمانيا عن أسباب دعم الألمان للإبادة الجماعية، خاصة مع ردود الفعل الصادمة على الأصوات المعارضة لأفعال إسرائيل، لدرجة مقاضاة نيكاراجوا ألمانيا أمام محكمة العدل الدولية لانتهاكها التزامها بمنع الإبادة الجماعية.

ورغم أنَّ معظم الحكومات الغربية لا ترى الإبادة الجماعية "المحتملة" في غزة، فإن هناك شيئًا واحدًا يجعل ألمانيا مختلفة: الشعب الألماني. فبعيدًا عن المواقف الإجرامية الصارخة للحكومات؛ لم يشهد أي مكان آخر رد فعل بهذا الضَعف من مواطنيه. فقط في ألمانيا نجد الصمت في مواجهة الممارسات الأكثر وحشيةً، ليس فقط من قبل الحكومة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، بل أيضًا ما تفعله الحكومة الألمانية من قمع للأصوات المؤيدة للفلسطينيين، أو بمعنى أدق؛ الأصوات المناهضة للإبادة الجماعية.

يملك الألمان إرادة الخروج للاحتجاج إذا أرادوا. عندما نشرت صحيفة كوريكتيف خبر الاجتماع السري الذي عقده حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) لوضع خطة لطرد المهاجرين، خرجت مظاهرات حاشدة لرفض الحزب ومخططاته العنصرية. وفي ذروة هذا الموقف ضد العنصرية، نسي الألمان أن المستشار أولاف شولتس أدلى بتصريحات مشابهة حول ترحيل المهاجرين. في الواقع، تناسى شولتس مواقفه وانضمَّ إلى المسيرة هو الآخر، مثلما تناسى عنصريته عندما كمم أفواه مناهضي الإبادة الجماعية وانتهك حقوقهم الأساسية. 

بينما تحدى المتظاهرون الألمان ببسالة خطة (AfD)، حاكى بعضهم للمفارقة بعض مواقف الحزب. لم يكن الفلسطينيون مرحبًا بهم خلال المظاهرات، إذ تعرضوا للسخرية والإهانة وسوء المعاملة، وأحيانًا طُلب منهم المغادرة، ليس فقط المظاهرة بل البلد. فقط في ألمانيا، في مظاهرة ضد خطة لطرد المهاجرين، يَطرد المتظاهرون المهاجرين الذين انضموا إليهم، مطالبين بترحيلهم من البلد. تكرر هذا النمط في عدة مدن.

يفخر الألمان بقدرتهم على منطَقة الأشياء، فلماذا إذن يعجزون عن الاعتراف بالفظائع الصارخة التي عززتها قرارات محكمة العدل الدولية ثم طلب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية إصدار أوامر اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير دفاعه؟ لهذا السبب غالبًا يُطرح السؤال الاستنكاري "لماذا يؤيد الألمان الإبادة الجماعية؟".

في الحقيقة، طرح السؤال بهذه الصيغة لا يؤخذ على محمل الجد، ولكن للتدليل على استحالة مناقشة مسألة إسرائيل وفلسطين في ألمانيا، ولإدانة صمت المجتمع أمام تواطؤ الحكومة ووسائل الإعلام الألمانية.

لا يمكن التعميم على المجتمع بهذا الشكل، ومع ذلك فقد اتهمت الحكومة ووسائل الإعلام الألمانية معارضي الإبادة الجماعية بالتعاطف مع الإرهاب. بالإضافة إلى ذلك، لا يمكن التعامل مع الألمان كأفراد، باعتبارهم داعمين للإبادة الجماعية، ولكن علينا محاولة فهم لماذا قد يبدو الأمر كذلك.

متظاهر في برلين يحمل لافتة مكتوب عليها "صمتكم سوف يدرسه أحفادكم، هل ستعترفون بتواطئكم عندما يسألونكم كيف سمح العالم بهذا؟"، 23 ديسمبر 2023

هل يدعم الألمان الإبادة الجماعية؟

من وجهة نظري، هناك مزيج من الفخر والعار التاريخي الذي يساهم في رد الفعل الألماني تجاه القضية الفلسطينية، ومؤخرًا الإبادة الجماعية. وبالنسبة للحكومة، هناك عامل إضافي يتمثل في المصالح التجارية. ليس لدى الحكومة الألمانية ما تربحه إذا دعمت الشعب الفلسطيني، لكنها ستخسر الكثير إذا أدانت الممارسات الإسرائيلية.

ومع ذلك، يجب أن نفرِّق بين الحكومة والمجتمع. تحتكر الحكومة الحق في انتقاد إسرائيل دون أن توصف بأنها معادية للسامية، مثلما يحدث بين الحين والآخر فيما يتعلق بالمستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية أو عدد القتلى المرتفع من المدنيين في غزة. لكن بالنسبة للمجتمع، يتوقع أن يكون موقفه تقديم الدعم غير المشروط لإسرائيل وإلا وجد موظفي مكافحة معاداة السامية يلاحقون أفراده.

يتم إسكات المجتمع الألماني أيضًا من خلال التمويل الحكومي للأوساط الأكاديمية، مثلما حدث مع جامعة برلين الحرة التي تعرضت لضغوط من مجلس شيوخ برلين لاستدعاء الشرطة إلى حرمها من أجل اعتقال الطلاب المتضامنين مع الفلسطينيين وتوجيه التهم إليهم.

واضطرت مؤسسات مثل ماكس بلانك وحتى مهرجان برلين السينمائي الدولي إلى الخضوع لرؤية الحكومة الألمانية المتطرفة كيلا تخسر تمويلها داخل ألمانيا وخارجها. ومن هذا المنطلق، يتعرض المجتمع الألماني للحصار من قبل حكومته لاحتواء أي انتقاد لإسرائيل تحت دعوى محاربة معاداة السامية.

في نهاية المطاف، لا يريد أفراد المجتمع الألماني أن يُنظر إليهم باعتبارهم "أهل الشر" أو معادين للسامية. لو لم تكن إسرائيل هي الجاني، لتعاطف الكثير من الألمان مع محنة الفلسطينيين. تشير استطلاعات الرأي إلى أنَّ نحو 70% من الألمان يرون العقاب الجماعي لسكان غزة "غير مبرر"، ولكنَّ اعتبار الرد الإسرائيلي غير متناسب مع هجوم السابع من أكتوبر، لا يعني بالضرورة تعاطفًا مع الفلسطينيين.

متظاهرة في برلين ترفع لافتة تحمل ألمانيا مسؤولية القتل مرة أخرى، 23 ديسمبر 2023

إن الاحتجاجات المناهضة للإبادة الجماعية تهدد عقيدتين أو خوفين أساسيين لدى المجتمع الألماني، سواء بوعي أو بدون وعي. الأول هو حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، وهو أمر تناولته بمهارة المقررة الخاصة للأمم المتحدة بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيز. والثاني هو حق إسرائيل في الوجود.

الجدير بالذكر، أنه لا توجد دولة أخرى في العالم تملك "الحق في الوجود". الشعوب هي التي لها الحق في الوجود، وعلى الدول ضمان هذا الحق. وفي الواقع، يتعارض "حق" إسرائيل في الوجود كدولة مع وجود الفلسطينيين. وعلى ما يبدو أن المجتمع الألماني لن يعلن رفضه لإبادة شعب آخر ويقاوم حكومته إذا مولته، طالما أن المعتدين هم ضحاياه التاريخيون.

ثيوقراطية علمانية

مع حظر انتقاد إسرائيل في المجتمع الألماني خوفًا من وصم "معاداة السامية" يتم إسكات الحوار بشكل دائم، حتى أصبحت هذه القضية من المحرمات، ولم تعد هناك فرصة لفهمها بشكل صحيح، وأصبح المجال الوحيد لتداولها داخل المجتمع الألماني هو من خلال التباري فيمن يحب إسرائيل أكثر.

تشبه هذه الحالة التعاطي مع العقائد الدينية التي لا يمكن التشكيك فيها أو الاشتباك معها خوفًا من عواقب التكفير، لذلك، لا غرابة في أن يشعر الكثيرون في المجتمع الألماني بالحزن الشديد لموت الكثير من الأبرياء، خصوصًا الأطفال، دون أن يكونوا قادرين على انتقاد قاتلهم، وإلا كان مصيرهم كمصير ملحد يطرح أسئلة عن الدين في دولة ثيوقراطية.

تخيل سنوات من العيش تحت حكم ثيوقراطي خفي. ما نوع المعرفة التي سينتجها؟ بالتأكيد معرفة منحازة تشوه الحقائق، ولكن ما هو أكثر من ذلك، أنها ستنتج مجموعة من المشاعر المترسخة في أعماقنا، التي تسبب إرباكًا، خاصة عندما نواجه واقعًا يتعارض مع الخيال الذي خلقته العقيدة القائمة على الشعور بالذنب والعار.

في المخيلة الألمانية، الوضع بين إسرائيل وفلسطين هو صراع بين طرفين، تقع على عاتق كل منهم مسؤوليات متشابهة، لا يوجد به احتلال، وحتى لو كان هناك من احتَلَّ ومن احتُلت أرضه، فهذا واقع الحال الذي لا يجب على الفلسطينيين مقاومته. ولزيادة الطين بلة، ولإعطاء المجتمع الألماني ذريعة لعدم التعامل مع المسألة الأخلاقية المتعلقة بدعم الإبادة الجماعية، لا يسرد التاريخ بدقة، وتصوَّر المقاومة الفلسطينية باعتبارها إرهابًا.

في المخيلة الألمانية، اليهود هم الضحايا دائمًا وأبدًا؛ حتى إذا كانوا هم القادرين على الفعل، وهم من يسيطرون ويمتلكون الأسلحة. فهم الضحايا ويقع على عاتق الألمان واجب دعمهم. فيصبح الألمان هم المعتدي الأعظم، ويصبح اليهود هم الضحية الأعظم. وبالفعل، رفع الألمان من مكانة إسرائيل كضحية بحيث لا يمكن أن يكون هناك ضحية أعظم. هذه هي العقيدة الألمانية التي تفسر الحماسة الشديدة التي يحارب بها "المؤمنون الصادقون" أصوات من يناهضون الإبادة الجماعية.

في الثقافة الألمانية، هناك عبارة كثيرًا ما تستخدم وهي bedingungslose solidaritä، وتعني التضامن غير المشروط، بالتالي، فإن ارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية ليس شرطًا لإيقاف هذا الدعم. وهذا ما يجعل الحوار مع الحكومة الألمانية مستحيلًا لأن عقيدتهم المزعومة هي ألا شيء يمكنه تغيير موقفهم مهما فعلت إسرائيل.

معضلة أخلاقية

متظاهرة يهودية تحمل لافتة "منذ 100 عام حذروا اليهود أن الصهيونية تقتل" برلين، 23 ديسمبر 2023

بالنسبة للألمان المناهضين للإبادة الجماعية، الذين تحرروا من غسيل المخ الثقافي وفهموا السياق التاريخي الحقيقي لفلسطين، فإنَّ الوضع الحالي يُشعرهم بالهزيمة. فقد تخلت حكومتهم ووسائل إعلامهم عن المنهج العقلاني للتفكير والفعل، والأكثر من ذلك، يجدون مجتمعهم مدانًا مرة أخرى لتواطئه الصامت في الإبادة الجماعية.

بالنسبة للكثيرين ممن لديهم القدرة على التفكير النقدي، دون إمكانية الوصول إلى المعلومات المناسبة، فإن الوضع الحالي يمثل معضلة لا يمكن تجاوزها. كيف يمكن "للضحايا الدائمين" أن يقتلوا بالجملة، وأن يستهدفوا الصحفيين والمستشفيات والأطفال ويمنعوا الطعام والماء والكهرباء عن شعب، بينما يستمرون في ادعاء أنهم ضحايا؟

والآن، يجد الألمان أنفسهم إما موصومين بمعاداة السامية "المزيفة" إذا عارضوا القتل الجماعي للمدنيين الفلسطينيين الأبرياء، أو مؤيدين فعليين للإبادة الجماعية إذا دعموا وبرروا أفعال إسرائيل. لقد أصبح من الصعب الاختباء وراء الحجة المعتادة عن "تعقيد" الوضع في مواجهة أوضح فظائع عصرنا.

من أجل تعزيز المخيلة الألمانية، لا تجرؤ أي من المؤسسات أو وسائل الإعلام أو القنوات التليفزيونية على تحدي سردية الدولة. ويتم اتهام كل من يشير إلى جرائم إسرائيل بالعنصرية ومعاداة السامية، مثل حملات التشويه والتنكيل المؤسسية التي لاحقت أشخاصًا مثل ماشا جيسن وغسان حاج. بل إن الاتهامات بمعاداة السامية طالت أيضًا شير هيفر، اليهودي الإسرائيلي الذي هربت عائلته من ألمانيا النازية.

 ولذلك لا عجب أن تتم تغطية كل مظاهرة بأسلوب صحفي يليق بقناة حكومية استبدادية في نظام ديكتاتوري. ويتم تحريف وتشويه كل شيء ولا يجرؤ المحررون على السماح لصحفي محترم بنشر الحقيقة كما شاهدها. يُقبل نقد ألمانيا أكثر من نقد إسرائيل. ومن ثم فليس من مفاجأة أن المواطن الألماني العادي لا يستطيع أن يطلع على المعلومات اللازمة.

لماذا يدعم الألمان الإبادة الجماعية؟ هم لا يفعلون ذلك، أو لا يعتقدون أنهم يفعلون ذلك. 

ولكن لماذا يبدو الأمر كذلك؟ لأنهم يعيشون في واقع موازٍ قائم على ثيوقراطية خفية من الممكن أن تنهار إذا وضعت في مواجهة مع حقيقة جرائم إسرائيل.

الحياة في واقع موازٍ يبرر القتل الجماعي والتطهير العرقي والإبادة الجماعية، لا تختلف كثيرًا عن الحياة في ألمانيا النازية، لذلك، إذا كانت هناك تعهدات بعدم تكرار أخطاء الماضي، فعلى الألمان مواجهة حقائق الحاضر. على المجتمع الألماني أن يتحدّى هذه العقيدة الدوغمائية بعد أن فشلت حكومتهم في ذلك. فعلى حد تعبير آرثر سي كلارك، "إن العقيدة التي لا تتحمل الصدام مع الحقيقة لا تستحق الكثير من الندم".

قد يشعر العديد من الألمان بالارتياح لأن استطلاعات الرأي تخبرهم بأنَّ أغلبهم يعارض الإبادة الجماعية، ولكن هذه المعارضة الصامتة تعني أيضًا أنهم هربوا من واجبهم في مواجهتها. ينبغي أن يكون الألمان أول من يعرف أن الصمت غالبًا ما يكون تواطؤًا، وأن اعتناق رأي لا تجرؤ على التصريح به لا يعفيك من المسؤولية الجماعية المتسببة في مقتل أعداد كبيرة من الأبرياء.


مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.