برخصة المشاع الإبداعي: sophia valkova، آنسبلاش
القاهرة

العاصمة عاصمتان.. لكن القاهرة قاهرة

منشور الخميس 4 أبريل 2024

لا يزال الكبر والضلال مستمرَّين في غيِّهما، تزف إلينا وسائل الإعلام نبأ توديع القاهرة لمقاليد الحكم، لأول مرة منذ 1150 عامًا، لينتقل إلى مكان لا اسم له حتى الآن، المكان "مخفي الاسم" هذا يُطلق عليه العاصمة، أو العاصمة الإدارية، وفي بعض الأحيان "كابيتال". وكلها أسماء غير مبدعة، تدلل على تصورات أصحابها المحدودة وقلّة معرفتهم.

العاصمة جزء من محافظة القاهرة وفق القوانين واللوائح، أما القاهرة فهي عاصمة جمهورية مصر العربية بنص الدستور، لكنَّ العاصمة تلك تعلن عن نفسها عنوة، عاصمة للقاهرة نفسها، تعصمها سياسيًا وتتسيدها طبقيًا، سخف معطوف على سخف، وسفه يسابق سفهًا.

نعلم جيدًا أنَّ الصراعات الاجتماعية والطبقية التي خلقت وتخلق ثنائية مصر وEgypt تتجسد على كل الأصعدة؛ عمرانيًا ولغويًا وغذائيًا وصحيًا وفي كلِّ شيء. البلدان يتبلوران جنبًا إلى جنب وضدًا لضد، بوتيرة متصاعدة يعجز أشد مدمني الإنكار على نفيها. وما وَهم العاصمة الجديدة إلا واحد من هذه الأصعدة، ولكنه وهم باهظ التكلفة وبائس المصير.

سلطة تستمر في الهرب

في ثقافتنا اللغوية وأطرنا الاصطلاحية المصرية معين لا ينضب للجذور المؤسسة لثنائية مصر وEgypt، ففلان ابن ناس لأن علان ابن اللا ناس. وأبناء ذوات الحيثية، الذين أصبحوا لاحقًا "أبناء الذوات"، هم أبناء البشر الذين يمتلكون سببًا لوجودهم، حيث لا معنى نبيلًا بالضرورة لوجود باقي البشر أكثر من كونهم خدمًا أو أقنان أرض.

والفلاح هو إنسان مَحنيُّ الظَّهر، وجهه في الأرض يكاد يلامسها، يعمل في الغيط طوال النهار، لا يرى سيده إلا فيما ندر، وإن رآه فلن يرى سوى قدميه، وإن أراد تقبيلهما قد يلكزه السيد لَكزَةً خفيفةً بحذائه، كنوعٍ من المداعبة وإشارة عن الرضا، أو يرفسه رفسة نافرة تطلب منه الابتعاد. هذا الوصف المروّع هو ما سمعه جدي وهو طفلٌ يعيش في حي روض الفرج منتصف ثلاثينيات القرن العشرين، حين سأل أمه مَن هو الفلاح.

ومع عمق هذا الميراث الاجتماعي والطبقي التعس، ظلت عمليات الحراك الاجتماعي في مصر، ولا تزال، بلا قدرة حقيقية على الاستدامة التي ترسخ أقدام الطبقات المهيمنة والميسورة على المجتمع، وتضمن توريثًا آمنًا لمن بعدهم على نفس الأرض والمكان، فنحن بلد متخلف، اقتصاده ضعيف وهش، حتى لو التحق بعض أغنيائه بقوائم أثرى أثرياء العالم. هذا التخلف وهذه الهشاشة حرمتا البرجوازية في مصر من الاستقرار والهيمنة اللذين يسمحان لها بتسيّد المجتمع بشكل شرعي، لا يستدعي عنفًا واستبدادًا وذُلًا للعامة.


انطلاقًا من إدراك الطبقات الحاكمة لعدم شرعية سيادتها، مَارست بعض الحيل للتعامل مع رعبها المستمر من هؤلاء العامة، كان إحداها الهروب المستمر إلى مرافئ عمرانية جديدة، تتخيَّلها آمِنةً من غزو "الواغش"، عبر عملية هجرة سكنية تتجدَّد كل عشرين عامًا تقريبًا لتجمُّعات جديدة بعيدة، أضحت في عصرنا هذا مُسيَّجة بالأسوار الحديدية والخرسانية، وتحميها تشكيلات مُسلَّحة.

هذه العملية لم تتوقف أبدًا منذ بداية القرن العشرين؛ دائرة عبثية من الهروب، يكتشف بعدها السادة حاجتهم للعامة لأسباب الخدمة بالأساس، فتتغير الخريطة مرة أخرى وتتجاور العوالم، يسكنون في أحياء شبه خاوية يظنونها راقية لأن نسب الإشغال فيها لا تزيد عن 20%، ليكتشفوا بعد عقود قليلة أنها أصبحت "بيئة" لمجرد أن آخرين من نفس الطبقة جاوروهم السكنى.

ثم لا يلبثون أن يشيدوا عمرانًا جديدًا حصريًا لهم، بشرط تدمير الراقي القديم وإهماله، فكما أسلفنا؛ النعمة في مصر حصرية لقلة قليلة، والحسنة لا تَعُم.

وما يَسري على السكن يسري على المصايف، فنجدهم كلَّ بضع سنوات يهربون من شواطئ حصرية صُمِّمت خصيصًا لهم إلى شواطئ أكثر حصرية، في ترحال عبثي وكوميدي وهروب لا ينتهى من الذات. كان العجمي، فأصبحت مراقيا ثم مارينا، لتضحى مراسي وهاسيندا، وهكذا سيستمرون حتى سيدي براني والسلوم.

اخفض رأسك يا أخي.. وشك في الأرض

في القرن التاسع عشر نزل الخديو إسماعيل من قلعة الجبل وسكن على الأرض في عابدين بجوار العامة في "عاصمته الجديدة". مع الخديو ولي النعم لم يعد العسكر والمماليك متحصنين في القلعة استعدادًا للإغارة الغادرة على الجمالية والدرب الأحمر والخليفة ومصر العتيقة كما اعتادوا طول ألف عام.

وحين تأسست نصف الجمهورية اليوليوية على يد الضباط الأحرار، قايض البكباشية إخوانهم المتعلمين المدنيين من أبناء الحركة الوطنية على حريتهم في مقابل إعلان وجود الشعب المصري سيدًا على أرضه. فالحركة الوطنية بأبنائها من المدنيين والعسكريين كانوا يتمنون لأخيهم وأبيهم الفلاح رفع رأسه، حيث الأصل في الأمر أن الرؤوس مُنكسة.

لستم أمريكيين ولستم شراكسة بل نحن إخوة مهما ظننَّا سوءًا في بعضنا البعض

لكن القادة الجدد في "جمهوريتهم" الجديدة يعودون بالزمن إلى الوراء جدًا. في الزمن الجديد، تدور بنا الدائرة لترتد إلى بكوات المماليك البرجية الذين انتشروا وتمركزوا بحيث يحيطون بالعامة من أطراف عاصمتهم القديمة المكتظة، استعدادًا لهجوم قاسٍ لا يرحم حال تمرد الدهماء.

اليوم، تُقتلع الأشجار وتُعبَّد الطرق لتتسع الرؤية، وتَسهُل المراقبة ويستحيل الاختباء، وكأنَّ منطقة الأمريكان الخضراء في بغداد أضحت نموذجًا للحكم، ولكنكم لستم أمريكيين ولستم شراكسة، بل نحن إخوة مهما ظننَّا سوءًا في بعضنا البعض، كلانا مرتهن بالآخر، وإن هرب البعض فلن ينجو إلا القليل، ومن بقي سيعاني بالعدل والقسطاس، فالسيئة تعم، هذا ما علَّمته العسكرية المصرية لجنودها المدنيين.

أثناء مشاهدتي فيديو ترويجيًا موجهًا إلى الجمهور الأجنبي بالإنجليزية لما تُسمَّى "العاصمة الجديدة"، لاحظت أنَّ أغلب التعليقات شديدة السلبية، وكثير منها يستدعي ضاحية فرساي الفرنسية بالقرب من باريس، حيث أنشأت أسرة البوربون مقر حكمها بعيدًا عن العاصمة باريس، التي انتفض سكانها في النهاية وأجبروا الملك لويس السادس عشر على العودة إلى باريس قبل إعدامه بالمقصلة.

كان استدعاء الثورة الفرنسية أمرًا لافتًا، فالعاصمة المرجوة لم تجد طريقها إلى التنفيذ قبل ثورة 2011، مصر بلد شديد المركزية، وهناك ظنٌّ أنَّ مَن يسيطر على مساحة محسوبة من الكيلومترات المربعة في قلب القاهرة، يستطيع شلَّ الدولة والحكم، وأنَّ هذا ما حدث في ثورة يناير.

لكنَّ المسألة ليست كذلك بالضبط، فالصراع ليس على من سيستولي ماديًا على المباني والمؤسسات، لأنَّ السيطرة الشعبية في يناير 2011 كانت رمزية في النهاية، فمصر لم يحكمها البرلمان لا سمح الله في أيِّ لحظة، وظلَّ مبارك في بيته طيلة الثورة، ولم تغادر قيادة الجيش مقرها ولم يتحرك التليفزيون من مكانه.

العاصمة ليست مباني ومقرات تسكنها مجموعة من ذوي الحيثية، بل هي الموقع المادي الذي يقرر فيه الناس، في لحظة اجتماع سياسي مكثف وإرادة نافذة، مصيرهم المشترك، وعليه فسكان القاهرة يستطيعون في لحظة ما تقرير مصيرهم من داخل ما تبقى من مبانٍ ومساحات، اللهم إلا لو جرى تدميرها هي الأخرى عن بكرة أبيها كي لا يبقى إلا جامع الفتاح العليم والبرلمان الجديد والأوبرا الجديدة وبقية الأشياء الجديدة.

لقد حرك شبح الثورة منطق الهروب والترحال عند قوى الجهل بخطة إعادة انتشار وتمركز وسيطرة، ولكن من قال إن التاريخ سيعيد نفسه مرة أخرى؟ التاريخ لا يعيد نفسه أبدًا، والقاهرة إذا ثارت مجددًا فلن تبحث عن وزارة تعطلها أو برلمان تحتله، لأنها في الأغلب ستقيم المتاريس دفاعًا عن نفسها.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.