تصوير رافي شاكر للمنصة
البنك المركزي المصري

لهذه الأسباب لن تستفيد مصر من إعادة جدولة ديونها

منشور الأحد 25 فبراير 2024

خلال العام الحالي، سيتعين على مصر سداد 34.8 مليار دولار خدمةً للديون الخارجية طويلة ومتوسطة الأمد، تنقسم بين مدفوعات أصل الدين وفوائده، وهو ما يعدُّ مبلغًا بالغَ الضخامة بالنسبة لقدراتنا.

يطرح هذا العبء الكثيرَ من الحديث في المجال العام حول فرص إعادة جدولة ديوننا. فما الذي يعنيه هذا؟ وهل هناك فرص حقيقية لتكرار ما حدث في مطلع التسعينيات، عندما أعادت مصر جدولة بعض ديونها وأُسقط البعض الآخر؟ وهل ستكون إعادة الجدولة، إذا تمت، مفيدةً اليوم؟

الواقع الذي يتبين من تحليل الدين الخارجي هو محدودية هذه الفرص، ومحدودية تأثيرها إذا نجحت.

ما هي إعادة الجدولة؟

المسؤول الرئيسي عن التزامات 2024 الضخمة هو حلول آجال ديون اقترضناها خلال السنوات الماضية، فحسب بيانات البنك المركزي، تشكِّل أقساط أصل الدين، أو ما يعرف باستهلاك الدين، نحو 80% من خدمة الدين، بينما تقتصر الفوائد على 20% فقط من إجمالي المبلغ.

لذا فإن التخفيف من هذه الالتزامات يتطلب العودة إلى الدائنين والتفاوض معهم، لكي تكون الأعباء المفروضة علينا متناسبةً مع قدراتنا المالية. ويُطلق على هذا اللون من المفاوضات "إعادة الجدولة".

وإعادة الجدولة هي أولى الخطوات فيما يتعلق بإدارة خدمة الدين في حالات التعسر، وقد تتم من خلال تعديل أمد الاستدانة، أي مد التاريخ الذي يُستحق فيه سداد جزء من الديون، أو عن طريق استبدال آخرين بالدائنين، وبشروط مختلفة.

وقد تشتمل إعادة الهيكلة على تخفيف عبء أصل الدين عن طريق الإعفاء من سداده بصورة أو أخرى، وتُعدُّ هذه آخر الخطوات التي يلجأ إليها الدائنون وأشدها قدرةً على تحسين وضع المدينين.

ولكي نصل لإجابة السؤال عن حدود قدراتنا لإعادة جدولة ديوننا، علينا أن نتعرف بتفصيل أكثر على الدائنين الرئيسيين الخارجيين لمصر.

من هم الدائنون؟

بداية علينا أن نشير إلى أنَّ جزءًا من مستحقات الديون لهذا العام قد لا يكون علينا سداده، فهناك نحو خمسة مليارات دولار التزامات تتعلق بحلول آجال ودائع الكويت والإمارات لدى البنك المركزي، وكثيرًا ما تُجدد الدول الخليجية ودائعها كنوعٍ من المساندة، وهو ما فعلته مثلًا الكويت في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، بتمديد أجل وديعة بأربعة مليارات.

وهو الأمر نفسه الذي تكرر قبل أيام قليلة في اتفاق رأس الحكمة مع الإمارات، الذي بموجبه تقرر  إعفاء مصر من سداد 11 مليار دولار ودائع لدى البنك المركزي، مع الالتزام بتحويلها إلى الجنيه المصري واستخدامها في تمويل الاستثمار في المشروع.

هذا خلافًا للتدفقات الأخرى المنتظرة في بحر الشهرين المقبلين، التي إن تحققت فستؤدي لسد الفجوة التمويلية، ومن ثم تغيير موقف مصر بشكل جوهري، ولكن لكل حدث حديث.

وبلغ نصيب الحكومات العربية، خصوصًا الخليجية الغنية بالنفط، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية والإمارات وقطر، 29.4% من إجمالي رصيد الدين الخارجي المصري في سبتمبر/أيلول 2023. وطبقًا لتقرير صادر عن جولدمان ساكس في فبراير/شباط الجاري، فإن تجديد الودائع العربية يقلل من الأثر الفعلي لخدمة الدين الخارجي لمصر.

يجعل تركز مديونية مصر في يد المؤسسات متعددة الأطراف مسألة إعادة الهيكلة أكثر تعقيدًا

لكن مع أخذ ذلك كله في الاعتبار، تظل لدينا فجوةٌ تمويليةٌ تقدَّر بـ25 مليار دولار خلال السنوات الأربع المقبلة، تتمثل في متطلبات التمويل الخارجي للاقتصاد، بالإضافة إلى احتياجات القطاع المصرفي.

ومن مصادر الاستدانة الأخرى، التي توسعت فيها مصر بقوة خلال العقدين الأخيرين، السنداتُ الحكوميةُ في الأسواق الخارجية والمقومة بالدولار، التي تعرف باليوروبوند، وهي تسمية تطلق على السندات التي تبيعها الحكومات بغير عملاتها الوطنية، ولا علاقة لها بالضرورة بعملة اليورو.

وبالرغم من احتلال هذه السندات مكانةً مهمةً في تمويل احتياجات وزارة المالية، على الأقل حتى 2022 مع بدء ارتفاع الفائدة الأمريكية بقوة، تظل خدمة الدين الخاصة بها محدودةً، فهذا النوع من السندات المقوم بالدولار يتطلب خدمة دين بنحو 3 مليارات دولار، وهو ما قد يُعزى لطول أجل هذه الديون.

وفي ضوء محدودية مبالغ الخدمة المستحقة، فلا يستحق هذا النمط من المديونية عناء إعادة الجدولة عند حائزي السندات. فكما يتضح من حالات سابقة، على رأسها الأرجنتين والإكوادور، تتطلب هذه العملية عادة التفاوض مع عدد كبير من حائزي السندات لضمهم في اتفاق واحد، ينعكس بالإيجاب على الدولة المدينة.

الخطوة الأصعب

على أي حال فإنَّ العبء الكبير في خدمة الدين خلال 2024 لا يأتي من الخليج أو السندات، فحوالي 40% من مبلغ الخدمة المذكور سيذهب للمؤسسات المالية متعددة الأطراف مثل صندوق النقد الدولي، أكبر دائن لمصر ضمن هذه المؤسسات.

يجعل تركز مديونية مصر في يد المؤسسات متعددة الأطراف مسألة إعادة الهيكلة أكثر تعقيدًا، وربما في حكم المستحيل، فهذا النوع من المؤسسات عادةً لا يسمح بإجراءات مثل إعادة الجدولة أو الهيكلة، فما بالك بالإلغاء أو الإعفاء مثل باقي الدائنين. ما يعني أنَّ نحو نصف ما هو مُستحق علينا هذا العام، لا مناص إطلاقًا من سداده.

كذلك ينبغي الالتفات إلى مكوِّن آخر في المبالغ المستحقة لخدمة الدين الخارجي متوسط وطويل الأجل؛ الديون غير المجدولة، أي التي لا تخضع لأي اتفاق إعادة جدولة مع حكومات أخرى، وهذه تمثل نحو 34% من أعباء الخدمة هذا العام.

يشير هذا المكون إلى مزيج من الديون الرسمية الثنائية، أي التي تدين بها مصر لحكومات دول أخرى، بجانب ديون من مؤسسات بنكية تقدم تمويلات، مثل تلك التي تتعلق بتيسير التجارة لمصر، كحال التمويلات لصفقات الهيئات العامة مثل السلع التموينية أو الهيئة العامة للبترول. 

وبينما قد يمكن التفاوض مع الحكومات على إعادة جدولة الديون، فمن الصعب للغاية الوصول لاتفاقات إعادة الجدولة مع البنوك.

ولا توضح بيانات المركزي حجم ما يستحق لدى البنوك من خدمة دين 2024. ولكن بالنظر إلى رصيد الدين الخارجي، فإن هذه المؤسسات تحوز نحو 30% من الديون غير المجدولة.

التسعينيات غير قابلة للتكرار 

المشكلة الكبرى هي أن ديون الحكومات، وإن كانت الأكثر قابليةً للجدولة، لا تمثل وزنًا كبيرًا في الالتزامات المطلوب سدادها، ما يجعل إعادة الجدولة في مجملها مسألة بالغة الصعوبة.

وهو وضع يختلف عمّا واجهته مصر في بداية التسعينيات عندما تمكنت عبر نادي باريس من إعادة جدولة نصف ديونها وإلغاء النصف الآخر، في اتفاق ذي طابع سياسي واضح مع الحكومات الغربية نظير مشاركتها في التحالف الدولي لتحرير الكويت.

يرجع الفضل في نجاح اتفاق التسعينيات أولاً إلى إطار نادي باريس، فقد تم من خلال هذا التجمع للدول الدائنة التفاوض مع حكومات غربية على إعادة جدولة ديون مصر. واستطاعت دول هذا النادي أن تضم للاتفاق مؤسسات مالية غربية خاصة كانت لديها مستحقات كبيرة على مصر، وهو أمر يصعب تكراره في ظل عدم وجود طرف فاعل في أي مفاوضات محتملة لإعادة الجدولة مثل نادي باريس.

الخلاصة إذن أن مساحة إعادة جدولة التزامات مصر الخارجية موجودة، ولكنها محدودة نظرًا لهيكل الدين نفسه، ومن غير المنتظر أن تكون مؤثرة في تعديل مركز البلاد الخارجي، ويرجع هذا إلى هوية الدائنين الذين يغلب عليهم إما الانتماء لمؤسسات مالية متعددة الأطراف أو لمؤسسات خاصة كالبنوك وحائزي السندات.