
عمرو موسى.. فرصة أضاعها الاقتراب من القصر
سكبتُ الشاي على بدلة عمرو موسى في أول مرة رأيته فيها. كان أيامها مندوب مصر في الأمم المتحدة وأنا طالب في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية. جاء إلى كليتنا لحضور ندوة سياسية، وخلال استراحة بين جلستين، رأيته منخرطًا في حديث مستفيض مع الدكتور علي الدين هلال وهما يحتسيان القهوة، وبينما كنت ألتفت إلى الخلف، اصطدم جسدي بجسده، فانزلق كوب الشاي من يدي، وتدفق خَجلٌ في شراييني، وأنا أبدي له أسفي، لكنه ابتسم، وقال حصل خير. وقبل أن أُخرج منديلًا من جيبي، أَخرج هو منديله، وراح يزيل آثار الغفلة.
كنا معتادين على مشاركة سفراء في مؤتمرات وندوات مركز البحوث والدراسات السياسية الذي أسسه هلال. ولفت انتباهنا أيامها اقتدار بعضهم وعلى رأسهم صلاح بسيوني سفيرنا في موسكو، وتحسين بشير سفيرنا لدى كندا، وعمرو موسى الذي أتذكر أنه لم يحضر سوى ندوة الشاي المسكوب، التي ربما كانت سببًا ليخبرني بعض الأساتذة أيامها ممن رأوا ما جرى، أن الرجل مرشحٌ ليكون وزير خارجية، وهو ما كان.
تولَّى موسى الخارجية وذاع صيته. راق للناس اعتداده بنفسه وإدراكه قيمة مصر وقامتها، وانتقاؤه مفردات كلامه بعناية، شاحنًا إياها بدلالات لا تغيب عن رؤوس من يريدون لمصر رفعةً في المحافل الدولية. هكذا كنت أُقدِّرها وأنا أحرر الأخبار في وكالة أنباء الشرق الأوسط، التي عملت بها في أول طريقي.
.. وكلامه الموزون
أتذكر مرة حررت فيها تصريحًا مطولًا له عن السودان، وكانت علاقتنا بالسودان سيئة بعد وصول جبهة الإنقاذ إلى الحكم إثر انقلاب 1989. كان موسى ينتقد سياستهم، التي راقت لمصر في البداية حتى أنها أيدت الانقلاب قبل اكتشاف توجهه الإسلامي، وكان نقده يومها في محله، لكنه لم يتورط في تعبيرات أكثر حدة من المتعارف عليه في عالم الدبلوماسية.
قرأت التصريح ثانية، فوجدت فيه عبارة طيبة تتحدث عن أبدية علاقتنا بالسودان وأهميتها لمصالحنا الحيوية وأمننا القومي، وعن رغبة دائمة لدى القاهرة في طي الخلاف وفتح صفحة جديدة مع الخرطوم، فبدأت بها الخبر، وعنونته منها، ولم تمر ساعات حتى أصدرت الخارجية السودانية بيان ترحيب.
لم أحكِ هذا لموسى في المرات التي قابلته فيها، لكنني حكيت له واقعة أخرى، أهم كثيرًا للمصريين. ففي يوم، وبينما أمضي في ميدان التحرير، وجدت عجوزًا متشحةً بثوب أسود، تقف قبالة مبنى وزارة الخارجية القديم، وتخاطب عمرو موسى بصوت جهوري، بل تصرخ ليسمعها، تطلب منه أن يتدخل لإنقاذ مصر، وتناديه أن يكون رئيسها، وتدعوه إلى رفع الظلم عن كاهل العباد، ولم تنسَ أن توجَّه لمبارك السُّباب.
اقتربت منها وسألتها من أين هي، فأجابتني أنها من ساقية مكي في الجيزة. لفت انتباهي أنها امرأة بسيطة، مثل الأمهات الريفيات أو اللاتي يسكنَّ شوارع المدينة الخلفية، ممن ورغم أمية أغلبهن في الأبجدية، لا يفتقدن الحس الوطني والوعي بالأحوال العامة، أو بما تلقيه السياسة على أكتاف الجميع من أعباء.
كانت تقف في مواجهة إحدى النوافذ وتنادي موسى، فسألتها إن كانت هي نافذة مكتبه، فهزت رأسها وقالت: معرفش، بس هو سامعني.
حدث ذلك قبل ثلاث سنوات من إطلاق المطرب الشعبي الراحل شعبان عبد الرحيم أغنيته "أنا بكره إسرائيل" عام 2000، التي يقول فيها "بحب عمرو موسى.. وكلامه الموزون".
أيامها كنت أعد رسالتي للماجستير عن "التنشئة السياسية للطرق الصوفية"، وأعرف من تاريخنا أن المصريين طالما توجهوا في أيام القهر والفقر والشدة إلى شيوخ المتصوفة يستنجدون بهم في مواجهة العسف. وكنت انتهيت لتوِّي من قراءة كتاب الدكتور سيد عويس رسائل إلى الإمام الشافعي الذي حلل فيه الخطابات التي يرسلها الناس من أنحاء بلادنا، طالبين منه العدل بوصفه القاضي الشرعي لمصر، وتذكّرت ما عرفته عن احتشاد المصريين ذات يوم أمام بيت عمر مكرم، نقيب الأشراف، طالبين منه أن يتدخل لمواجهة عسف محمد علي، الذي أعلن نفسه المالك الوحيد لمصر، فما كان من الباشا إلا أن أعاد الرجل إلى منفاه في دمياط.
لم يكن موسى بالطبع أيًا من هؤلاء لكنه كان رجلًا ملأ عيون الناس، وسكنت نبرات صوته الواثقة آذانهم، وسكنت ملامحه عيونهم، فرأوا فيه بديلًا/حلًا في بلد يبحث أهله دومًا عن البطل المخلّص، أو على الأقل الوسيط النابه الذي يرفع مظالمهم إلى صاحب القرار.
تزامنت الأغنية مع انتفاضة الأقصى، التي علا فيها صوت موسى في نقده لسياسات تل أبيب، وانحيازه إلى الفلسطينيين، فأخذَت من الحدث الكبير مددًا عربيًا لها استمر إلى الآن، حتى إن العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز حين زار القاهرة عام 2016 تضاحك مع موسى قائلًا "بحب عمرو موسى وأكره إسرائيل". كما صار للأغنية صيت عالمي حين أذاعت CNN تقريرًا عن سردية إسرائيل المكروهة من جيرانها العرب.
وقت صدورها، همس أحد الدبلوماسيين في أذن موسى إن هذه الأغنية ستطيح به من الوزارة، وردَّ وقتها، حسبما صرح لاحقًا، بأنه قضى في المنصب عشر سنوات، وتغييره قد حان. وبحكم عملي بالصحافة كانت تصل إلى مسامعي، كغيري، أخبار عن تبرّم مبارك بالمكانة التي آل إليها موسى، وكان بعضنا يخشى من أن يدبر له أحد شيئًا ينال من سمعته، على غرار ما اعتدنا.
كانت أبواق السلطة تلصق بموسى أنه رجل يجيد "الرطانة اللغوية"، ويخرج أحيانًا عن الخط السياسي الرسمي. ثم قيل إنه، رغم مهارته اللفظية وحرصه على أن يضع السياسة المصرية في الصورة إقليميًا ودوليًا، لا يجيد الإدارة، وأن فترة استوزاره حفلت بالشكاوى من هذا الباب.
لكن المصريين افتقدوا صوت موسى كثيرًا، لا سيّما أن السفير أحمد ماهر الذي جاء بعده في وزارة الخارجية كان على النقيض منه في كل شيء؛ انتقاء الألفاظ، وتدفق التعبير، والحرص على الهندام، والتصرف في السياسة كما يتصرف الموظفون الكبار المطيعون، رغم أن كثيرًا من الدبلوماسيين وبعض الصحفيين الذين يغطون أخبار وزارة الخارجية شهدوا له بالحنكة.
قبلها، أتى الأستاذ محفوظ الأنصاري رئيس تحرير وكالة أنباء الشرق الأوسط بماهر ليعمل مستشارًا في المؤسسة بعد إحالته للتقاعد، على أن يكتب بين الحين والآخر تحليلات للأحداث الجارية. وأتذكر وقتها أن الصحفيين أطلقوا عليه اسم "السيد أفْشَلت"، إذ جاء تحليله الأول إلى الديسك المركزي بادئًا بهذه الكلمة، التي لم يكن لها محل من المعنى. فلما صار وزيرًا بعد موسى، قارن الصحفيون بينهما، وقال بعضهم: يا لحسرة الدبلوماسية المصرية على افتقاد لسانها الرصين، واستبدال "السيد أفشلت" به.
النظر إلى الثورة من النافذة
لم يرضَ كثيرون لموسى تولِّي منصب الأمين العام للجامعة العربية، كونه منصبًا يكبح جماح من يتولاه إن كان مقدامًا، ويقيده إن كان حرًا، ويرهنه لإرادة غيره. لامه هؤلاء، وفضلوا لو أنه احتفظ بهيبته، وظلَّ ذكرى طيبة في عالم الدبلوماسية.
حاول موسى النفخ في أوصال الجامعة لكن صعبت عليه المهمة، خاصة مع وجود من يضيق برغبته في التمرد ولو قليلًا، ليجد نفسه محشورًا وسط نظام إقليمي متكلس، وهيئة سياسية تحولت مع الوقت إلى مؤسسة بيروقراطية وكيان أشبه بالبيت الآيل للسقوط، وهو ما حدا بالكاتب الساخر جلال عامر لقول إن "الجامعة العربية، للإنصاف، لها (موقف) كبير، يتسع لأكثر من مائة سيارة أمام المبنى".
ثم اندلعت ثورة يناير، وكانت على مرمى حجر من مكتب عمرو موسى. تساءل بعض مَن كانوا في الميدان وقتها عن موقفه من الأحداث، وهناك من انتظر أن يجده يشق الصفوف إلى المنصة العالية التي تطل على المحتشدين أثناء الأيام الثمانية عشر التي أسقطت مبارك، لكنه لم يفعل.
المجلس العسكري لم يرُق له أن يأتي رئيس مدني بهذه المهارة والإخوان كانت ترى فيه منافسًا قويًا
قال لي بعدها إنه وقف ذات يوم أمام الباب الأمامي للجامعة مُطِلًّا على الثورة، فقلت له: يا لضياع الفرصة، والله لو رأيتك لأتيت بالشباب يحملونك عنوة إلى المنصة، وكنت متأكدًا أنك حين ترى الحشود الهادرة ستستعيد لياقتك القديمة، وتخطب فيهم بما ينحاز إلى مطالبهم، ووقتها كان يمكن للأحداث أن تمضي في طريق آخر.
قلت له ذلك يوم قدومه إلى شقة الفريق سعد الشاذلي، التي اتخذناها مقرًا مؤقتًا لقائمة انتخابية اسمها "صحوة مصر"، كنا نعتزم أن نخوض بها انتخابات 2015 البرلمانية ضد قائمة السلطة. وانخرطنا في حديث عن الانتخابات، وهو على صدر الطاولة، فوجدته لا يمانع في أن تشمل القائمة أشخاصًا قادرين على المنافسة حتى لو كانوا ينتمون إلى نظام مبارك، شرط ألَّا يكونوا متورطين في فساد.
قلت له: ليست لدينا القدرة على امتلاك المعيار الدقيق الذي نقيس به فساد شخص ينتمي إلى نظام مبارك من نزاهته، ولذا من الأفضل أن نتجنبهم تمامًا، بل إن هذا ضروري، أنا لست مستعدًا لأن أعمل بعد الثورة لصالح أشخاص محسوبين، شئنا أم أبينا، على القوى المضادة لها.
طال النقاش، والمجتمعون ينصتون، حتى وجدت نفسي أقول له: أنت دبلوماسي محنك، ودورك في السياسة الخارجية لا ينكره وطني، لكن اسمح لي أن أقول لك إن السياسة الداخلية أمر مختلف، ولو كنتَ على دراية عميقة بها لصرت رئيس الجمهورية. كنتَ الأجدر في انتخابات 2012؛ فأنت رجل دولة، ولك رصيد اجتماعي واسع لا يزال قائمًا في أذهان الناس على المودة والاحترام. وأنت واجهة مشرفة لمصر، وهناك من يرون أنك كنت الأقدر على إدارة تعقيدات ما بعد الثورة، وتسوية الخلافات الحادة التي نشبت بين مختلف القوى والأطراف السياسية، وإيجاد صيغة ناجعة للعلاقات المدنية العسكرية، ومع هذا حللت خامسًا في ترتيب أصوات الناخبين.
تغضن وجهه بمسحة من أسى ممزوجة بتأمل، فواصلت: للأسف نحن أيضًا أخطأنا في حقك، حين حسبناك على نظام مبارك، لكننا كنا معذورين، فأنت لم تقدم أثناء الموجة الهادرة للثورة ما يجعل أحدًا يرى غير ذلك، وأعطيت بذلك فرصة لجماعة الإخوان المسلمين لأن تقدح فيك.
ابتسم وقال "كانت تجربة، وكان من الواجب أن أخوضها، وأنت تعرف الظروف التي كانت قائمة". وأعرف بالفعل أن الضربات كانت تنهال عليه من كل جانب. فالمجلس العسكري لم يرُق له أن يأتي رئيس مدني بهذه المهارة والكينونة والرصيد الاجتماعي، وجماعة الإخوان كانت ترى فيه منافسًا قويًا لو تمكن من الإعادة مع مرشحهم محمد مرسي سيفوز عليه، واليساريون كانوا يرونه ليبراليًا وأن الأَولى بهم الانحياز إلى حمدين صباحي أو خالد علي أو أبو العز الحريري. أما أنصار مبارك وبقايا أتباعه، فرأوا في أحمد شفيق مرشحهم الصريح، لا عمرو موسى.
الضربة الليبية
كثير من الشباب الثائرين لم يحضروا أيام مجد عمرو موسى وزير الخارجية، كونه ترك المنصب قبل الثورة بأكثر من عشر سنوات، فشاهدوه وهو مقيد الجنان واللسان في جامعة العرب المتوعكة، بل أخذوا عليه حد التقريع منح الجامعة وهو أمينها العام غطاءً لمجلس الأمن الدولي ليشرعن تدخّل الناتو في ليبيا لإسقاط نظام القذافي، في وقت كان فيه كثيرون يتمنون أن تُعطى فرصة للعرب للتدخل، بمن في ذلك ثوار مصر، الذين تمنوا سقوط القذافي بيد ثوار بلده، وليس بيد الغريب.
عاد موسى، فيما بعد، ليوظف مهاراته اللفظية، في الدفاع عن نفسه ويقول إن ما أشيع في هذا الشأن يجافي الحقيقة، فالجامعة لم تطلب ذلك، وهناك الكثير من سوء الفهم. الوضع في ليبيا كان سيئًا في ظل حالة الغضب والثورة، وهو ما فتح الباب للعديد من الأقاويل حينها. ثم يطلب ممن يتهمونه أن يطَّلعوا على الوثائق المتاحة في الأمم المتحدة بهذا الخصوص، لكنه في النهاية اعترف بأن نتائج هذا التدخل العسكري كانت كارثية.
بدأ الناتو، وتنفيذًا لقرار مجلس الأمن رقم 1973، أولى طلعاته الجوية ضد القذافي يوم 19 مارس/آذار 2011، وهو اليوم نفسه الذي جرى فيه الاستفتاء على تعديلات دستورية في مصر. كانت ضربة البداية للقوى المضادة للثورة. في هذا اليوم تحدّث معي أحد شباب الثورة عن خيبة أمله في عمرو موسى، وقال: نحن ضد القذافي ومع الثوار، لكن تدخل الناتو لصالح جماعات سياسية إسلامية في النهاية، تحت غطاء حماية السكان، له تأثير علينا هنا، إن الثورة تنحرف عن طريقها في البلدين، هنا بطريقة ناعمة، وهناك بقوة السلاح.
سألته يومها: وماذا كان على عمرو موسى أن يفعل وهو المكبل بإرادات أنظمة حكم هي التي تتحكم في قرار الجامعة؟ فأجابني: يقدم استقالته على الفور، ويعلن انحيازه لمطالب الشعب الليبي، ويؤكد أن الطريق الوحيد لهذا هو سواعد الليبيين أنفسهم. ضحكت يومها، وقلت له: لم يفعلها موسى مع ثورة كانت على مرمى حجر من مكتبه، فهل يفعلها مع ثوار يبتعدون عنه آلاف الأميال؟
ثم واصلت: لا تنسَ أن الرجل تربّى في أحضان الدبلوماسية، ومثله يكون البلاط أقرب إليه من الشارع. هز رأسه، وقال في أسى: لو يعرف كيف كان الشارع يعول عليه ما نسيه أبدًا.
إلى جانب استعانته بحملة انتخابية تعاني من غربة مع الشارع المصري، فإن تباطؤ موسى في الانضمام إلى الغاضبين في ميدان التحرير، وموقفه بخصوص ليبيا، وتساوقه مع روتين الجامعة العربية عمومًا، والحصاد المر لمناظرته مع عبد المنعم أبو الفتوح، كلها أمور حالت دون عبوره إلى جولة الإعادة لانتخابات 2012، ولو حدث لتغيرت النتيجة، ولو أنه فاز لاختلف المسار.
.. وربح حمدين
أتذكر يوم هذه المناظرة جيدًا. تابعت نصفها في البيت، ولأنها كانت فقرة مطولة جاذبة تخللتها إعلانات كثيرة، ارتديت ملابسي على عجل، وهبطت إلى مقهى النوبي في شارع قصر العيني لأتابع بقيتها بين الناس، فأقف على انطباعهم ورأيهم. استؤنفت المناظرة، ومرَّ وقت آخر، فسألني أحد الجالسين عن سبب عدم حلول التعب بهذين الرجلين وهما واقفان على قدميهما كل هذا الوقت؟
وانتبه الجالسون جميعًا، ونظروا إليَّ منتظرين إجابة، فأدركت أنهم معنيون بها. ضحكت وقلت: يستريحان في الفاصل الإعلاني. رد أحدهم قائلًا: ولو، أي منا ونحن أصغر سنًا، لا يقدر على الوقوف هكذا. ابتسمت، وقلت مشيرًا إلى موسى: من المؤكد أنه تناول جرعات من عسل نحل جبلي مخلوط بشهد الملكات قبل مجيئه. وأشرت إلى أبو الفتوح، وقلت: أما الإخوان فهم يحبون اللحوم الحمراء والبيضاء.
هذه زاوية لا أتصور أن موسى كان يقف عليها وهو يجتهد في تفنيد آراء أبو الفتوح في الدين والسياسة، ومواقفه منذ أن كان طالبًا بالجامعة وحتى وقت المناظرة. بدا موسى مُذاكرًا درسه كطالب مجتهد مقدم على امتحان، وأخبرتني المذيعة منى الشاذلي أن فريق موسى لم يكف عن التواصل معها للاستفسار عن أشياء تفصيلية، ما لم يفعله فريق أبو الفتوح.
بناءً على ما سمعته في المقهى من آراء، وإمعاني النظر في عيون الناس ووجوههم، خلصت إلى أن الرابح في مناظرة عمرو موسى وعبد المنعم أبو الفتوح هو حمدين صباحي.
مرسي وما بعد مرسي
رأينا موسى ينزوي قليلًا بعدما تحددت الإعادة بين مرسي وشفيق، ثم ظهَر وهو يمشي على مهل، حتى حسبته يومها يجر ساقيه جرًا فوق بلاط قصر الاتحادية، قاصدًا لقاء مرسي. في هذا الوقت كان هناك من يتمنى أن يأتي مرسي بموسى مستشارًا للشؤون الخارجية، لكنه لم يفعل.
غير أن موسى كان بين قادة جبهة الإنقاذ، كتفًا بكتف مع البرادعي وصباحي، حين أعلنوا قيامها من مقر حزب الوفد، ليضربوا موعًدا لإزاحة مرسي عن الحكم في الثالث من يوليو/تموز 2013، ويصبح موسى بعدها رئيسًا للجنة الخمسين التي أعدَّت دستور 2014.
كنت أندهش وأتساءل عن مهارة موسى في التفاوض كلما طالعت الصحف وأنصتُّ إلى برامج المساء في التليفزيون. فوقتها تملّك الجميع شعور طاغٍ بأن اللجنة ستفشل فشلًا ذريعًا، أو بالأحرى هناك من يدبر لفشلها. فالصحف كان تحكي عن خلاف وشقاق وتعثر، وبعض المذيعين كانوا يتهمون اللجنة ورئيسها بأنهم يعملون لحساب البرادعي، الذي كان وقتها غادر مصر.
سافرتُ لأيام خارج مصر، ولديَّ انطباع بأن لجنة الدستور ستنتهي إلى اللا شيء. لكن بعد عودتي، فتحت راديو السيارة لأجد نقلًا مباشرًا لتصويت اللجنة على مواد الدستور، وسمعت صوت موسى الأجش وهو يبرز مهاراته الدبلوماسية والسياسية، ويقود الجميع إلى بر الأمان، لكنه التزم الصمت حيال تغيير جوهري طرأ على الوثيقة، كشف عنه محمد أبو الغار فيما بعد، حيث أزال عبارة "مصر حكمها مدني" ووضع مكانها "حكومتها مدنية".
عاد موسى إلى بيته، ليظهر من جديد ضمن مجموعة عكفت على وضع برنامج انتخابي للمرشح عبد الفتاح السيسي، كان من بينها عبد الجليل مصطفى وعمرو الشوبكي وحازم عبد العظيم وعبلة عبد اللطيف وخالد يوسف. ورأى الناس وقتها أنه شيء طيب أن يُعَدَّ برنامج يلتزم به السيسي، الذي كان فوزه بالرئاسة مقطوعًا به عند عموم الشعب وكثير من خاصته. لكن البرنامج حُبس في أحد الأدراج، ورجحت كفة تصور آخر كان الضالع فيه رجل الأعمال منصور عامر، ويعتمد على أن التنمية الاقتصادية في مصر تمر حتمًا بطريق العقارات.
لم نسمع اعتراضًا من موسى على إهمال برنامج كان يقود المجموعة التي وضعته، خاصة أن الإعلام المحسوب على السلطة راح يطعنه، وهو يتلقى الطعنات صامتًا، في وقت كان هناك من يعتقدون، أو بالأحرى يتوهمون، أن مهارة الرجل ودوره في جبهة الإنقاذ وإعداد الدستور ولجنة البرنامج الرئاسي المُهمَل، ستؤهله ليكون على رأس أول برلمان في عهد السيسي، لكن شيئًا من هذا لم يحدث.
تراجع موسى يراقب الأوضاع عن بعد، مكتفيًا بالتعليق على الأحداث الخارجية على تويتر، وراحت الأضواء تنحسر عنه شيئًا فشيئًا، حتى أن عدد محبذي تغريداته والمعلقين عليها أخذ يتضاءل بما لا يتناسب مع أن متابعيه بالملايين.
ثم جاءه قبس من الضوء حين أصدر مذكراته في مجلدين عن دار الشروق تحت عنوان كتابيه، فعاد الرجل مثيرًا للجدل. وبلغ الأمر ذروته مع أول لقاء له بشعبان عبد الرحيم، الذي أمسك مجلدًا من الكتاب وانهال عليه تقبيلًا.
حافظ الدبلوماسي العجوز على شعرة معاوية مع النظام الحاكم ومع القوى السياسية، عبر نشاطه في حزب المؤتمر ومساعيه لإصلاح حزب الوفد، ومع الشارع في عدم التورط في مدح السلطة التي أخذت شعبيتها في التناقص سريعًا، إلى أن جاء "طوفان الأقصى" فشحذ عقله وشحن حنجرته، واستعاد رطانته ليضعها في خدمة القضية الفلسطينية، متماهيًا مع رؤية الأغلبية الكاسحة من الشعوب العربية، على غرار ما فعله خلال انتفاضة الأقصى.
في الصيف الماضي، تلقيت منه اتصالًا ليعلِّق على مقال نشرته في المصري اليوم عن ضرورة إنقاذ حزب الوفد. كان كعادته محدد العبارات والكلمات، وظهر لي أنه يتابع جيدًا ما أكتبه وغيري عن أحوالنا الجارية، وأدركت أن بصر الدبلوماسي المحنك لم يزُغ بعد عن شؤون السياسة وشجونها، وأن حماسه يشي بأنه لا يزال قادرًا على العطاء.
نصيبي من الخطأ| أصاب الشعب وأخطأت النخبة
27-1-2025

نصيبي من الخطأ| تجارة الخوف وغنيمة المظلومية
28-1-2025

نصيبي من الخطأ| في مديح الأمل
31-1-2025

نصيبي من الخطأ| فسيفساء أم شظايا؟
30-1-2025

نصيبي من الخطأ| هل يشفع النُبل للمخطئين؟
29-1-2025

نصيبي من الخطأ| الخروج من الجنة
26-1-2025
