الانتخابات الأمريكية.. الأرقام تنحاز للديمقراطيين والجمهوريون يراهنون على شعبية ترامب
تواجه سيطرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الكونجرس اختبارًا حاسمًا، غدًا الثلاثاء، في انتخابات التجديد النصفي التي يسعى خلالها الديمقراطيون لانتزاع الأغلبية من الجمهوريين، وسط استطلاعات رأي ترجح تقدمهم، وخلاف بين الخبراء بشأن حجم المكاسب التي يمكن أن يحققوها، ومدى قدرتهم على السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ.
وتأتي الانتخابات في وقت تتراجع فيه شعبية ترامب، وتتزايد المخاوف الاقتصادية بسبب الحرب الأمريكية على إيران وارتفاع الأسعار، بينما تشير تقديرات انتخابية إلى أن فرص الديمقراطيين في استعادة مجلس النواب تبدو أفضل من فرصهم في السيطرة على مجلس الشيوخ، الذي يواجهون فيه معركة أكثر صعوبة.
ومع حساسية الانتخابات المنتظرة، فإن نتائجها قد تؤدي إلى تغيير موازين القوى داخل الكونجرس دون أن تفضي بالضرورة إلى تحول جذري في السياسات الأمريكية القائمة؛ إذ قد تمنح الأغلبية الديمقراطية، إذا تحققت، الحزب قدرة أكبر على عرقلة أجندة ترامب ومراقبة إدارته، دون امتلاك الأصوات الكافية لفرض سياسات بديلة.
عنق زجاجة سياسي
يعاني المشهد السياسي الأمريكي من انقسامات حزبية عميقة، إذ أظهر استطلاع لمركز بيو للأبحاث في أبريل/نيسان الماضي أن 58% من الأمريكيين يتبنون آراءً سلبية تجاه الحزب الجمهوري، مقابل 59% تجاه الحزب الديمقراطي، فيما بلغت نسبة من يحملون آراءً سلبية تجاه الحزبين معًا 26%.
وتتزامن الانتخابات مع ارتفاع معدل التضخم السنوي إلى 3.7% في سبتمبر/أيلول، مقارنة بـ3.4% في أغسطس/آب، وفق مكتب إحصاءات العمل الأمريكي، ليظل أعلى من مستهدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%.
ويصوت الأمريكيون في 3 نوفمبر/تشرين الثاني، لتحديد موازين القوى في واشنطن خلال العامين المتبقيين من ولاية ترامب الثانية، في انتخابات قد تقيِّد قدرة الرئيس على تمرير أجندته التشريعية، وتمثل اختبارًا لشعبيته وحزبه قبل الانتخابات الرئاسية المقررة في 2028.
وتُجرى انتخابات التجديد النصفي كل أربع سنوات، في منتصف الولاية الرئاسية، ويختار الأمريكيون خلالها جميع أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 435 عضوًا، ونحو ثلث أعضاء مجلس الشيوخ البالغ عددهم 100 عضو.
ويشترك المجلسان في إقرار التشريعات والإنفاق الحكومي، لكن الدستور الأمريكي يمنح مجلس النواب وحده سلطة بدء مشروعات القوانين المتعلقة بالإيرادات، إلى جانب توجيه الاتهامات للرئيس في إجراءات العزل، بينما يتولى مجلس الشيوخ محاكمته في تلك الإجراءات، ويختص بالموافقة على تعيين كبار المسؤولين والقضاة الفيدراليين، والتصديق على المعاهدات بأغلبية الثلثين.
وإذا تمكن الديمقراطيون من السيطرة على أحد المجلسين أو كليهما، فقد يعرقلون مشروعات القوانين التي يسعى ترامب لتمريرها، ويزيدون الرقابة البرلمانية على إدارته، ما قد يضعف نفوذه السياسي ويقربه من وضع الرئيس الذي تصفه الثقافة السياسية الأمريكية بـ"البطة العرجاء".
وتبرز أهمية السيطرة على الكونجرس في ظل أجندة تشريعية يسعى ترامب والجمهوريون إلى تنفيذها خلال العامين المقبلين، تشمل تثبيت التخفيضات الضريبية، وتشديد قوانين الهجرة والتصويت، وزيادة الإنفاق العسكري، بالتوازي مع طلبات تمويل إضافية مرتبطة بالحرب على إيران.
وفي المقابل، أعلن الديمقراطيون اعتزامهم عرقلة بعض هذه السياسات؛ وأهمها تمويل الحرب على إيران، والتراجع عن تخفيضات تمويل الرعاية الصحية، وتشديد الرقابة على الإدارة الأمريكية حال استعادتهم الأغلبية. لكن قدرتهم على إحداث تغيير تشريعي واسع ستظل مقيدة بحق النقض الرئاسي الذي يحتفظ به ترامب، حتى لو خسر حزبه السيطرة على مجلسي الكونجرس.
إعادة ترسيم الدوائر
يقول عضو مجلس النواب الأمريكي السابق عن ولاية ويسكونسن، الجمهوري سكوت كلوج، لـ المنصة إن المشهد السياسي المصاحب لانتخابات التجديد النصفي هذه المرة يختلف عن الانتخابات السابقة، خصوصًا مع التغييرات التي شهدتها خرائط الدوائر الانتخابية. ويرى أن إعادة ترسيم الدوائر جعلت المنافسة على عدد كبير من المقاعد أقل حدة، بعدما باتت بعض الدوائر تميل بوضوح إلى أحد الحزبين.
وتُعاد عادةً مراجعة حدود الدوائر الانتخابية كل عشر سنوات، عقب التعداد السكاني، لكن الولايات المتحدة شهدت خلال العامين الأخيرين مواجهات جديدة بين الحزبين لإعادة رسم بعض الدوائر قبل موعدها الدوري.
وبدأت المواجهة بعدما دفع ترامب الجمهوريين في تكساس إلى تعديل الخريطة الانتخابية، بما يعزز فرص حزبهم في الفوز بمقاعد إضافية، ورد الديمقراطيون بإقرار خريطة جديدة في كاليفورنيا تستهدف تحسين فرصهم الانتخابية.
ويرى كلوج أن هذه التغييرات قد تجعل أي "موجة زرقاء"، وهو التعبير المستخدم لوصف انتصار انتخابي واسع للديمقراطيين، أقل اتساعًا من الموجات التاريخية السابقة، حتى لو تمكن الحزب من استعادة مجلس النواب.
ويستند عضو الكونجرس السابق أيضًا إلى نمط تاريخي تتراجع فيه عادةً حصة حزب الرئيس خلال انتخابات التجديد النصفي، مستشهدًا بخسائر الديمقراطيين في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما.
ففي انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني 2010، خسر الديمقراطيون 63 مقعدًا في مجلس النواب وستة مقاعد في مجلس الشيوخ، بعد نحو عامين من وصول أوباما إلى البيت الأبيض.
ويشير كلوج إلى خصوصية انتخابات 2026، باعتبارها أول انتخابات تجديد نصفي في ولاية ثانية غير متتالية لترامب، وهو وضع لم تشهده الولايات المتحدة منذ الرئيس جروفر كليفلاند في القرن التاسع عشر، فضلًا عن إجرائها في ظل الحرب على إيران والجدل بشأن السياسات الاقتصادية والهجرة.
وقبيل الانتخابات، يضم مجلس النواب 218 جمهوريًا و214 ديمقراطيًا وعضوًا مستقلًا يصطف مع الجمهوريين، إلى جانب مقعدين شاغرين. ويحتاج الحزب الفائز إلى الحصول على 218 مقعدًا للسيطرة على المجلس بكامل تشكيله. وبحساب توزيع المقاعد قبل الانتخابات، يحتاج الديمقراطيون إلى مكسب صافٍ يبلغ ثلاثة مقاعد مقارنة بالمقاعد التي يسيطرون عليها أو يصطف أصحابها مع الجمهوريين.
أما مجلس الشيوخ، فيضم 53 جمهوريًا و45 ديمقراطيًا، إضافة إلى عضوين مستقلين يتحالفان مع الديمقراطيين، ما يمنح الجمهوريين أغلبية 53 مقابل 47. ويحتاج الديمقراطيون إلى مكسب صافٍ بأربعة مقاعد للوصول إلى 51 مقعدًا والسيطرة على المجلس.
ويتوقع كلوج أن يتمكن الديمقراطيون من استعادة السيطرة على مجلس النواب بأغلبية تتراوح بين 20 و30 مقعدًا، مستندًا إلى استطلاعات رأي يقول إنه يثق بها "من المرجح أن تكون هناك موجة زرقاء بالفعل لصالح الديمقراطيين لكنها ستكون أصغر من الموجات التي شهدتها الولايات في انتخابات سابقة".
رهان على تراجع شعبية ترامب
وبالفعل تدعم استطلاعات الرأي الأخيرة توقعات تحقيق الديمقراطيين مكاسب انتخابية، إذ أظهر استطلاع أجرته رويترز/إبسوس بين 22 و26 أكتوبر/تشرين الأول تقدم الديمقراطيين على الجمهوريين بين الناخبين المسجلين بنسبة 47% مقابل 36%، فيما بلغت نسبة تأييد أداء ترامب 32%. وأظهر الاستطلاع نفسه تقدم الديمقراطيين بين الناخبين المرجح مشاركتهم في التصويت بنسبة 53% مقابل 44% للجمهوريين.
كما أظهر استطلاع لمركز بيو للأبحاث في أكتوبر/تشرين الأول أن الناخبين الديمقراطيين أكثر حماسًا للمشاركة في الانتخابات، في ظل تراجع الرضا عن الأوضاع العامة.
ويقول نائب رئيس تحرير مجلة السياسة الدولية بمؤسسة الأهرام، الباحث المتخصص في الشؤون الأمريكية عمرو عبد العاطي لـ المنصة، إن انتخابات التجديد النصفي تمثل استفتاءً على ترامب وإدارته خلال العامين الماضيين، في ظل تراجع شعبية الرئيس وحزبه.
ويلفت عبد العاطي إلى أن الجمهوريين يراهنون على قدرة ترامب على حشد قاعدته الانتخابية ودفعها للمشاركة بكثافة، رغم أن السوابق التاريخية تشير إلى أن حزب الرئيس يخسر عادة مقاعد في انتخابات التجديد النصفي.
ويتوقع عبد العاطي أن ينجح الديمقراطيون في السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، وإن لم يحققوا فوزًا كاسحًا، "وفقًا لقراءتي للمشهد العام أتوقع أن يحصدوا 8 إلى 12 مقعدًا إضافيًا".
ويؤكد عبد العاطي أن الديمقراطيين لا يحتاجون سوى أغلبية بسيطة لتعطيل الأجندة التشريعية لترامب، عبر رفض مشروعات القوانين أو تعديلها أو عرقلة تمريرها، وهي صلاحيات تختلف باختلاف المجلس الذي يسيطرون عليه.
وبسؤاله عن احتمال محاولة عزل ترامب إذا خسر الجمهوريون أغلبيتهم في الكونجرس، رجح عبد العاطي بشدة أن يلجأ الديمقراطيون إلى هذا المسار، معتبرًا أنه قد يشكل عامل ضغط كبيرًا على الرئيس خلال العامين المتبقيين من ولايته "المحاولات لا تعني العزل الفعلي، ففي حين يحتاج العزل إلى غالبية ثلثي الشيوخ فإن طرح الأمر للتصويت على النواب لا يحتاج إلا إلى الغالبية البسيطة".
وبموجب الدستور الأمريكي، يملك مجلس النواب سلطة توجيه الاتهامات إلى الرئيس بأغلبية بسيطة، لكن إدانته وعزله فعليًا من منصبه يتطلبان موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ الحاضرين، ما يجعل إتمام العزل أكثر صعوبة من بدء إجراءاته.
أول مسلم في مجلس الشيوخ
وفي سياق المنافسة على مقاعد الشيوخ، يلفت عبد العاطي إلى أهمية المعركة الانتخابية في ولاية ميشيجان، حيث يتنافس المرشح الديمقراطي ذو الأصول المصرية عبد الرحمن السيد، المعروف باسم عبدول السيد، مع المرشح الجمهوري ورئيس لجنة الاستخبارات السابق في مجلس النواب مايك روجرز.
وتحظى المنافسة باهتمام خاص، ليس فقط لأن ميشيجان من الولايات التي قد تؤثر نتائجها في ميزان القوى داخل مجلس الشيوخ، ولكن أيضًا لأن فوز السيد قد يجعله أول مسلم يُنتخب لعضوية المجلس في تاريخ الولايات المتحدة.
ويعتبر عبد العاطي أن فوز السيد سيشكل ضربة معنوية لترامب، الذي تدخل شخصيًا في المنافسة، وقال "ترامب شارك شخصيًا في الحملة المناهضة لعبدول... ولذلك هو طرف، وفوز الأخير قد يشكل ضربة معنوية كبيرة لترامب".
وكان ترامب هاجم السيد خلال تجمع انتخابي في ميشيجان يوم 25 أكتوبر/تشرين الأول، ووجه إليه اتهامات بالتطرف وشكك في ولائه للولايات المتحدة، وهي اتهامات رفضها المرشح الديمقراطي، وأثارت انتقادات من شخصيات عربية أمريكية.
ويرى عبد العاطي أن وصول مسلم إلى مجلس الشيوخ سيمثل تطورًا مهمًا للتمثيل السياسي للمسلمين الأمريكيين، بعد انتخاب شخصيات مسلمة لعضوية مجلس النواب، ووصول زهران ممداني إلى رئاسة بلدية نيويورك، معتبرًا أن هذه التجارب يمكن أن تعزز مشاركة الجاليات العربية والإسلامية في الحياة السياسية الأمريكية.
احتمال وقوع خطأ
في المقابل، يشكك عضو مجلس نواب ولاية كاليفورنيا الجمهوري السابق، والمساعد الخاص السابق للشؤون الخارجية في وزارة الدفاع الأمريكية، تشاك ديفور، في قدرة استطلاعات الرأي على التنبؤ بنتائج الانتخابات بدقة.
ويقول ديفور لـ المنصة إن التنبؤ بنتائج الانتخابات أصبح أكثر صعوبة بسبب تراجع استعداد الأمريكيين للاستجابة لاستطلاعات الرأي الهاتفية، في ظل انتشار المكالمات المزعجة والاحتيالية ومحاولات سرقة الهوية.
ويضيف أن هناك اعتقادًا بأن الناخبين ذوي التوجهات المحافظة أقل ميلًا للرد على المكالمات الهاتفية مقارنة بالناخبين ذوي الميول اليسارية، ما قد يؤدي إلى تمثيل غير متوازن للتوجهات السياسية في عينات بعض الاستطلاعات.
غير أن هذه الملاحظات تعبر عن تقييم ديفور لأسباب احتمال وقوع أخطاء في الاستطلاعات، ولا تعني بالضرورة أن نتائج الاستطلاعات الحالية تقلل بالفعل من حجم التأييد الجمهوري، خصوصًا أن المؤسسات البحثية تستخدم منهجيات متعددة لجمع البيانات، من بينها الاستطلاعات الإلكترونية.
فعلى سبيل المثال، أُجري استطلاع رويترز/إبسوس الأخير عبر عينة احتمالية باستخدام لوحة بحثية إلكترونية، وشمل 1679 بالغًا أمريكيًا، وليس عبر المكالمات الهاتفية العشوائية التي ينتقدها ديفور.
ومع إقراره بأن التاريخ السياسي الأمريكي يشير إلى خسارة حزب الرئيس عادة مقاعد في انتخابات التجديد النصفي، يرفض ديفور اعتبار فوز الديمقراطيين أمرًا محسومًا، ويرى أن احتفاظ الجمهوريين بأغلبيتهم في المجلسين لا يزال احتمالًا قائمًا.
ويقول ضابط الاستخبارات السابق إنه لن يتفاجأ إذا نجح الجمهوريون في الاحتفاظ بأغلبيتهم في مجلس الشيوخ، أو حتى بأغلبية ضئيلة في مجلس النواب.
وبين توقعات باستعادة الديمقراطيين مجلس النواب، وأخرى بقدرتهم على انتزاع المجلسين، واحتمال يطرحه الجمهوريون بالاحتفاظ بأغلبيتهم، تبقى نتيجة انتخابات الثلاثاء حاسمة في تحديد موازين القوى في واشنطن.
فإذا حافظ الجمهوريون على سيطرتهم على الكونجرس، سيحظى ترامب بدفعة قوية لمواصلة تنفيذ أجندته التشريعية خلال العامين المقبلين. أما إذا تمكن الديمقراطيون من انتزاع الأغلبية في أحد المجلسين أو كليهما، فسيواجه الرئيس قيودًا جديدة على تمرير التشريعات، واحتمال توسع التحقيقات والرقابة البرلمانية على إدارته، في النصف الأخير من ولايته الثانية.